فصل الاول
✦ الفصل الأول: بلاد إيرينيا
لم تكن إيرينيا مثل أي أرضٍ أخرى…
لقد خُلقت من أنفاس السماء، وما زالت تعيش على أنفاسها حتى اليوم.
كل شبرٍ فيها يروي حكاية، وكل نسمةٍ تهب فوقها تحمل سرًا من أسرارها القديمة.
✦ الشمال: أرض الجليد والسكوت
في أقصى الشمال، تمتد جبال أزورا الشاهقة، قممها بيضاء كالعاج، تغطيها الثلوج منذ الأزل.
الرياح هنا حادّة وباردة، تقطع الوجوه كما لو كانت سيوفًا خفية.
الناس الذين يعيشون هناك وجوههم شاحبة، عيونهم فاتحة كالجليد، يتحدثون قليلًا ويعملون كثيرًا، وكأن صمتهم انعكاس لصمت جبالهم.
يضيئون لياليهم بنيران عالية، يضعون فوقها حجارة دافئة تحت البطون، ويروون لأطفالهم أن كل هبة ريح شمالية هي لمسة من يد الحارس لورين، سيد الجليد.
✦ الجنوب: صحراء النيران
أما في الجنوب، فتمتد صحراء نيرفا، رمالها ذهبية تتحرك كأمواج البحر.
تهب رياحها حارة، تحمل ذرات الرمل فتلسع الجلد وتترك الوجوه محترقة.
البدو هناك بسطاء، يربطون رؤوسهم بأقمشة بيضاء، ويرقصون في حلقات حول نار عظيمة كلما هبت عاصفة، يعتقدون أن الرقص هو الوسيلة الوحيدة لتهدئة غضب الحارس عاصف، سيد العواصف والرمال.
أطفال الصحراء يولدون بأقدام قوية، يستطيعون الركض خلف الجِمال حتى في أعنف الرياح.
✦ الشرق: بحر العواصف
في الشرق، يتفتح البحر كصفحة زرقاء لا تنتهي.
الأمواج عالية، تهب عليها رياح رطبة محملة برائحة الملح والطحالب.
على السواحل، تنتشر مدن حجرية بيضاء، يعيش فيها الصيادون والتجار.
في موسم الرياح الشرقية، يطلق الناس قوارب ورقية صغيرة في البحر، يعتقدون أنها تحمل دعواتهم ورسائلهم إلى الحارس هايون، سيد البحار والعواصف.
يقولون: إن رياحه تجلب المطر حين يشاء، وتفتح الطرقات للتجار عبر المحيط.
✦ الغرب: غابات الحياة
أما الغرب، فهو لوحة خضراء عظيمة.
غابات كثيفة، أشجارها تمتد حتى تمس الغيوم، وأرضها خصبة تتنفس المطر كل صباح.
الرياح هنا ناعمة، كأصابع أم تمسح على رأس طفلها، تحمل رائحة الزهور والندى.
أهل الغرب مزارعون ورعاة، يتعاملون مع الطبيعة كأنها أختهم الكبرى.
في بداية الربيع، يربطون أشرطة ملونة على فروع الأشجار، لتلعب بها الرياح وتبارك محصولهم.
ويقولون إن تلك الأشرطة هي رسائل حب إلى الحارسة فيرا، سيدة المطر والخصب.
---
✦ العاصمة أوريانا: عين الرياح
وفي قلب إيرينيا، حيث تلتقي الجهات الأربع، تقوم العاصمة أوريانا، مدينة بُنيت على هضبة عالية، يقال إن الرياح الأربع تتلاقى فوقها لترسم دوامة أبدية في السماء.
شوارعها دائرية، مرصوفة بأحجار بيضاء لامعة، تتقاطع جميعها في ساحة مركزية تُعرف باسم عين الرياح.
في وسط الساحة، يقف برج عظيم من الحجر الأسود، يُسمى برج النسيم.
لا باب له ولا نوافذ، مجرد كتلة صاعدة نحو السماء.
الناس يقولون إنه معبد الريح العظمى، وإنه يفتح أبوابه فقط أمام من تختارهم الرياح.
---
✦ بداية الأسطورة
في تلك الليلة، كانت أوريانا تحتفل بمهرجان الرياح الكبير، حيث يجتمع الناس من الشمال والجنوب والشرق والغرب، ليقدموا قرابينهم للجهات الأربع.
لكن شيئًا مختلفًا حدث تلك الليلة…
السماء امتلأت بغيوم متصارعة، العواصف هبت من كل الجهات دفعة واحدة، البرق أضاء، والرعد دوّى كأنه صرخة.
الناس ركضوا مذعورين، لكن عند أطراف المدينة… وُلدت طفلة.
كانت الطفلة تصرخ بصوتٍ لم يشبه صراخ المواليد، بل كأنه صفير الرياح نفسها.
شَعرها الأسود كان يتطاير مع أنه لا نسيم حولها، وعيونها الرمادية كانت تلمع كالغيوم الثقيلة.
قالت القابلة وهي ترتجف:
> "لقد وُلدت ابنة الرياح…".
وكان ذلك بداية الحكاية، وبداية أسطورة جديدة ستغيّر مصير إيرينيا بأكمله.