الشرخ الأول
✦ الفصل الرابع: الشرخ الأول
مرت ثلاثة أيام حاولت ليان خلالها أن تتجاهل ما حدث، لكن عقلها كان يرفض النسيان. كل مرة تغمض عينيها ترى الوميض الأزرق وصوت سليم يتردد في أعماقها.
في مساء اليوم الرابع، لم تحتمل أكثر. عادت إلى المعمل، المبنى كان شبه مهجور إلا من أصوات أجهزة التهوية. الباب الحديدي صريره مزّق الصمت حين دفعته، والداخل كان مظلمًا إلا من لمعة خافتة تتسلل من أسفل الغطاء الأسود الذي يخفي الجهاز.
اقتربت، رفعت القماش ببطء، فإذا بالجهاز يومض كما لو أنه حيّ، يتنفس بانتظارها.
همست لنفسها:
– "لازم أعرف الحقيقة… حتى لو دفعت الثمن."
وضعت يدها على الزر، وبلمسة واحدة اندفع الضوء الأزرق من جديد. الهواء تكسّر حولها، والأرض اهتزت تحت قدميها. قبل أن تتمكن من التفكير، انجذبت إلى الداخل، نفس الشعور بالانزلاق في دوامة من صور وصوت.
لكن هذه المرة، لم ترَ مجرد شريط صور عشوائية… بل وجدت نفسها واقفة في شارع مدينتها، لكن كل شيء كان مختلفًا. المباني مغطاة بجداريات سياسية غريبة، أسماء الشوارع تغيرت، والأهم: الناس لم يتعرفوا عليها.
اقتربت من مقهى صغير كانت تزوره دائمًا، لكن حين دخلت وجدت صديقتها نهى جالسة مع مجموعة من الغرباء. ابتسمت ليان واقتربت منها:
– "نهى! إزايك؟"
رفعت نهى رأسها باستغراب، ثم ضيّقت عينيها وقالت:
– "آسفة… انتي مين؟"
شعرت ليان ببرودة تسري في جسدها. هذا لم يكن حلمًا. العالم تغيّر.
قبل أن تستوعب ما يحدث، سمعت صوته خلفها:
– "قلتلك… كل مرة تدخلي، حاجة هتتغيّر."
استدارت بسرعة، سليم كان يقف هناك بوضوح أكثر من أي مرة مضت.
اقترب منها وقال بنبرة جدية:
– "إما ترجعي دلوقتي… أو الشرخ ده هيكبر لدرجة ما يتصلحش."
ليان شهقت بصوت مكتوم، قلبها يتسابق مع أنفاسها. كانت تعرف أن القرار الذي ستتخذه الآن… سيغيّر حياتها إلى الأبد.