أسطورة بلاد ايرينيا
✦ الأسطورة المؤسسة لبلاد إيرينيا
قبل أن يُولد البشر… قبل أن تُعرف الجبال بقممها والبحار بأمواجها… لم يكن في الكون سوى الفراغ والريح العظمى.
كانت الريح العظمى كيانًا بلا جسد، أمواجًا لا تُرى تهيم في الظلمة الأبدية.
كانت تعوي وحدها في صمت الفراغ، تضرب في اتجاهات لا نهاية لها، لا تعرف البداية ولا المصير.
لكن مع مرور الأزمنة، شعرت الريح بالوحدة، فقررت أن تخلق أرضًا تسكنها، وأبناءً يرثون أنفاسها.
---
✦ خلق الأرض
أطلقت الريح العظمى أول زفرة لها، فانبثق منها غبار مضيء تكوّن منه التراب والصخور.
ثم أطلقت زفرة ثانية، فسال منها بخار تحوّل إلى بحار وأنهار.
أما الزفرة الثالثة، فقد حملت بذورًا نزلت إلى التراب فأنبتت الأشجار والنباتات.
لكن الأرض بقيت ساكنة، بلا روح، بلا حركة.
فنفخت الريح العظمى أنفاسها الأخيرة، فانطلقت في أرجاء الأرض، تدب فيها الحياة. ومنذ ذلك اليوم، لم تتوقف الرياح عن الهبوب يومًا واحدًا.
وهكذا وُلدت إيرينيا، أرض الرياح، التي قيل إنها ابنة أنفاس الآلهة.
---
✦ نشوء الجهات الأربع
حين سرت أنفاس الريح في الأرض، انقسمت إلى أربع قوى، كل قوة اتجهت إلى جهة من الجهات:
1. أنفاس الشمال: صارت بردًا وجليدًا، تسكن الجبال العالية وتغطيها بالثلج.
2. أنفاس الجنوب: صارت حرارة ونارًا، تهب على الصحارى وتلهب رمالها.
3. أنفاس الشرق: صارت رطوبة وأمواجًا، تعانق البحار وتثير العواصف.
4. أنفاس الغرب: صارت ندى وخصبًا، تحمل المطر وتنشر الخضرة.
ومنذ ذلك الحين، قيل إن كل رياح في إيرينيا تحمل ذاكرة أمها الأولى.
---
✦ ولادة البشر الأوائل
لكن الريح العظمى لم تكتفِ بخلق الأرض.
أخذت قبضة من ترابها الممزوج بأنفاسها، ونفخت فيه، فقام أول إنسان.
لم يكن رجلاً ولا امرأة، بل كائنًا يحمل صوت الريح في صدره.
ومن هذا الكائن وُلد البشر، الذين ورثوا أنفاسًا صغيرة من الريح في رئاتهم، ليكونوا "أبناء الهواء".
لذلك يقول حكماء إيرينيا:
> "كل نفس يأخذه الإنسان هو هدية من أم الرياح، وكل نفس يخرجه هو عهد بأن يحافظ على توازن الأرض."
---
✦ ظهور الرياح السوداء
لكن ليس كل ما خُلق كان خيرًا…
حين قسمت الريح العظمى أنفاسها، انبثق معها ظل مظلم لم تُرده: زيفان – ريح الظلال.
كان دخانًا أسود يكره النور والحياة، يزحف في الخفاء بين العواصف.
أراد أن يجعل الأرض صحراء خالية، صامتة، مثل الفراغ الأول.
فحبسته أم الرياح في أعماق السماء المظلمة، وقالت:
> "إن تفرق أبنائي الأربعة، أو خان البشر عهدهم مع الأرض، فسينهض زيفان ثانية ويبتلع إيرينيا."
---
✦ عهد التوازن
قبل أن تتلاشى، جمعت الريح العظمى البشر والحُرّاس الأربعة، وقالت وصيتها الأخيرة:
> "هذه الأرض ليست لكم وحدكم، بل لكم وللرياح معًا.
إن حافظتم على توازن الجهات الأربع، ستظل إيرينيا جنة تعيشون فيها.
وإن خنتم العهد، فستتحول الرياح إلى سيوف، وتهدم كل ما بنيتم."
ثم ذابت الريح العظمى في السماء، تاركة خلفها همسات أبدية لا يسمعها إلا من وُلد بروح متصلة بالرياح.
---
✦ ميراث الأسطورة
ومنذ ذلك الزمن، نشأ في كل قرية من قرى إيرينيا تقليد:
أهل الشمال يقدمون قربانًا من الجليد.
أهل الجنوب يشعلون نارًا وسط الرمال.
أهل الشرق يطلقون قوارب ورقية في البحر.
أهل الغرب يعلقون أشرطة ملونة على الأشجار.
كل ذلك وفاءً لعهد الريح العظمى، وحمايةً من زيفان ريح الظلال الذي ينتظر في صبر طويل لحظة خيانة البشر.