عودة ياقوت!!
في بيت رحمة ، البيت هادئ ، الأم أمام آلة الخياطة تعمل بتركيز و دقة ، رحمة في المطبخ تعد الغذاء و تتفرج على التلفاز بشوق و ترقب ، أما أم الغراب فمستلقية على سريرها تنظر للسقف ، لقد سئمت هذا الوضع ، اشتاقت لبيتها ، اشتاقت للحركة و التنقل من مكان لمكان ، اشتاقت للخروج و الوقوف أمام باب دارها تجمع الأخبار و تتبادلها مع جاراتها ، سئمت أن تستلقي على ظهرها و تنظر للسقف ، لا أحد يكلمها إلا رحمة نادرا ، لا تستطيع أن تطلب الماء أو الأكل ، إن أحضرو لها ما يؤكل أكلت ، و إن لم يحضروا لها فهي بالجوع إلى أن يأتي الفرج .
أحد ما يطرق الباب ، رحمة تذهب لتفتح ، العم رضوان قد أتى ، إنه لا يحب ياقوت و لولا ضغط زوجته و رحمة لرماها للشارع . قبلته رحمة و رحبت به ، دخل و نظر باشمئزاز و تكبر للسيدة الملقاة على السرير _ لا تزال هذه القعيدة هنا ، متى سترحل لقد سئمت وجودها في بيتي !!
ردت الزوجة بغضب : مذا تقول مجددا ؟ أخبرتك أنها لن تذهب لأي مكان قبل أن تستعيد عافيتها ، لهذا لا تتكلم مجددا بهذا الكلام الوقح .
رد بسخط : لعنكم الله جميعا !!( ينظر لرحمة ) هل اعددت الغذاء ؟؟
رحمة : إنه يطهى ، ساحضره بعد دقائق .
انهزمت ياقوت أمام كلامه الجارح ، إنها امرأة قوية لم يخطر ببالها يوما أنها ستصبح عالة على أحد ، لقد حاربت رفقة ابنها و تخطو معا كبير المصائب وحدهما دون مساعدة أحد ، كيف يمكنها الآن أن تصبر على كلام هذا الوقح ؟ لم يتجرأ أحد عليها من قبل ، الكل يعرف أنها امرأة متسلطة صعبة الطباع قبيحة اللسان ، ها هي اليوم تهان و لا تستطيع التفوه بكلمة .
لا تستطيع ياقوت تحمل هذا ، كلمات رضوان تحفر قلبها كل ثانية ، لا يمكنها البقاء في بيته و تناول طعامه ! انتظرت أن تاتي رحمة بالأكل لتطلب منها أن تأخذها لبيتها . رفضت رحمة ذلك بشدة و أخبرتها أنها لن تأخذها لأي مكان قبل أن تقف على قدميها و تكون بصحة جيدة ، من سيرعاها في بيتها ؟ الغراب لا يستطيع رعاية نفسه ! ظروفهما صعبة و هي في هذه الحالة لن تستطيع المقاومة .
رغم أن رحمة فعلت كل ما بوسعها إلا أن ياقوت أسرت على رأيها و تشبتت بفكرة الرحيل ، امتنعت عن الطعام و أخبرته السمراء أنها ستكرهها بشدة إن لم تأخذها لبيتها في الحال . اخبرتها أنها اشتاقت لبيتها و لابنها و لن تزيد دقيقة في بيت ذاك الحقير ، قالت حتى و إن رفضت اخذي فأذهب و لو زحفا !
سمعت أم رحمة حوارهما و أتت تسأل عن الذي يحصل فأخبرتها بالموضوع ، رفضت هي الأخرى الفكرة في البداية ، لكن سرعان ما طلبت من رحمة أخذ ياقوت لبيتها عندما رأت اسرارها و عزمها على المغادرة ، هي تعلم انها غير مرتاحة في بيتهم في وجود رضوان الذي لا يكف من التذمر من وجودها في بيته و كلما دخل جعل يسدد جمله القاسية صوبها .
وضعت رحمة و أمها ياقوت على كرسيها المتحرك و سارت بها رحمة صوب بيتها ، طرقت الباب فلم يجب أحد ، دفعت الباب و دخلت رفقة السيدة ، جعلتها في ركن من أركان البيت ، قبلت رأسها و أخبرتها أنها ستواصل الإعتناء بها لغاية أن تستعيد قوتها و تصبح كما كانت في السابق . شكرتها ياقوت و جعلت تمدحها و تصفها بأوصاف جيدة ، ثم دعت الله أن يرزقها زوجا صالحا ، ابتسمت رحمة بخجل و قالت في نفسها " عيسى يا رب !!"
في هذه اللحظة ، دخل الغراب و اندهش لما شاهد أمه و رحمة ، سعد بعودة أمه التي اشتاق لرؤيتها في البيت ، لقد كان البيت مظلما في غيابها ، لقد اشتاق لصراخها و الهدوء أضحى عدوه اللدود .لكنه سعد أيضا لؤية معشوقته التي كان يملؤها نفس الإحساس ، و كانت تتمنى أن تصبح يوما ما فردا من أفراد هذه الأسرة الفقيرة ....