الرحلة الملعونة - النهايه - بقلم ال شمريه - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الرحلة الملعونة
المؤلف / الكاتب: ال شمريه
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: النهايه

النهايه

الرحلة الملعونة: الفصل الأخير – عودة البيت وبداية الحياة ​بعد أشهر من الإبحار على متن قارب الصيد القديم، عانينا فيها من وحم الحمل، وعواصف المحيط، وخطر القراصنة، كنا قد وصلنا إلى المحيط الهندي. كان الوقود على وشك النفاذ، والماء العذب يكاد ينتهي. كان رافع، على الرغم من تعبه، يتمسك بالخريطة، بينما كانت إيلينا تمسح جبهتي بقطعة قماش مبللة. ​المعجزة الأخيرة: أرض الميعاد ​في ليلة من ليالي الصيف، عندما كنا على وشك فقدان الأمل، استيقظتُ على صوت صراخ رافع. لم يكن صراخ خوف، بل صراخ فرح هستيري. ​"أديان! إيلينا! شوفوا! نشوف ضوه! يا الله، وصلنا! وصلنا!" ​في الأفق البعيد، كان هناك وميض خفيف. لم يكن ضوء نجمة أو سفينة عابرة، بل كان ضوء المدن الساحلية. كنا قد وصلنا إلى المياه الإقليمية لدولة عربية قريبة من الخليج، ليست العراق بعد، لكنها كانت أرض الأمان. ​بعد ساعات من الإبحار الأخير، رسا رافع بالقارب في ميناء صغير. فور وصولنا، استقبلتنا السلطات المحلية بالدهشة والتعاطف. كانت قصتنا جنونية، لكن ندوبنا وعلامات السفر كانت أصدق شاهد. ​تم نقلنا إلى مستشفى لتلقي الرعاية. هناك، تمكن رافع أخيراً من استخدام وسائل الاتصال الحديثة. كانت المهمة الأولى والأهم: الاتصال بالعراق. ​لم الشمل: نهاية الشكوك ​أمسك رافع بهاتفه وبدأ محاولاته. كنا نجلس أنا وإيلينا نتضرع بصمت. وبعد محاولات عديدة فاشلة، رنّ الهاتف. أجاب رافع، وبدأ صوته يرتجف: ​"ألو... زهراء؟ أختي؟... إي نعم، أني رافع... والله أنا عايش... عايش يا عيني..." ​ثم تحدث مع أخته طويلاً، وشرح لها بأقل الكلمات الممكنة ما حدث. عندما أغلق الخط، كان وجهه يشرق. أخته كانت بأمان. ​بعدها، جاء دوري. اتصل رافع برقم أحد أقاربنا في بغداد. أمسكتُ السماعة، وتحدثتُ بصوتٍ بالكاد سمِعته. أخبرني قريبي أن والديَّ، بفضل الله، نجوْا من القصف، لكنهما كانا يعيشان في خوف دائم، وظناً أنني قد فقدت حياتي في أمريكا الجنوبية. ​عندما سمعتُ صوتهما بعد كل هذا العذاب، انهرتُ بالبكاء. لم يكن بكاء ضعف، بل بكاء النجاة النهائية. الذكريات المؤلمة لم تمت، لكنها فقدت قوتها؛ لقد تحولت إلى قصص تروى. ​الميلاد الجديد: الأمل يتجسد ​بعد بضعة أسابيع، تم ترتيب كل شيء لعودتنا إلى العراق. لكن قبل أن نغادر، كان القدر يريد أن يمنحنا هدية عظيمة في هذه الأرض الآمنة. ​جاء طفلنا الأول. ​في مستشفى نظيف وآمن، وبمساعدة الأطباء والممرضات الذين عاملوَننا بلطف بالغ، وضعتُ طفلنا. كان صراخه صوتاً قوياً وجميلاً، صوتاً لم يكن فيه أي أثر لأن "أنين الزومبي" أو "الوحم القاتل". ​احتضن رافع الطفل، وغرقت عيناه بالدموع. التفت إليّ، وقال باللغة العربية، والبسمة تملأ وجهه: ​"هذا مو بس ابنا، أديان. هذا 'الأمل'. هذا هو دليل إن الحياة أقوى من كل شي. راح نسميه على اسم أبوي، دليل إن الماضي راح يظل جميل ويانا." ​أما إيلينا، فقد اختارت أن تبقى في تلك الدولة العربية القريبة. لقد رفضت العودة إلى البيرو، وقالت إن قلبها لم يعد يتحمل النظر إلى تلك الأرض. احتضنتني وإيلينا قبل الوداع، وهمست لي بالإسبانية، التي أصبحتُ أفهمها بفضل رافع: "لقد أعطيتكم الحياة، والآن اذهبوا وعيشوها." ​العودة إلى الوطن: الختام الجميل ​وصلنا إلى بغداد. لم تكن بغداد كما غادرتها، لكنها كانت بيتنا. ​كان الاستقبال عاطفياً ومُدهشاً. احتضنني والداي، ورافع التقى بأخته زهراء، التي بكت وهي تمسح تراب الطريق عن وجهه. ​لم يكن زواجنا تقليدياً، لكن قصتنا أصبحت أسطورة. أنا، التي لم أكن أتحدث الإنجليزية ولا الإسبانية، نجوتُ بفضل لغة الحب والوطن والأفعال الصادقة. رافع، المهندس الذي أصبح ناجياً، سيبدأ الآن ببناء البيوت، وفي يده ابنه، دليله على أن الحياة تبدأ من جديد. ​في النهاية، لم تكن رحلتنا مجرد هروب من الزومبي، بل كانت رحلة لاكتشاف أن الجمال الحقيقي يكمن في إصرارنا على بناء الحياة، حتى عندما يحيط بنا الموت من كل جانب.