الحادي عشر
الرحلة الملعونة: الفصل الحادي عشر – وحمٌ في عُرض البحر
كان مركب الصيد القديم يشق عباب المحيط الهادئ ببطء مؤلم. أنا ورافع وإيلينا أصبحنا طاقماً ضائعاً، نتجه شرقاً نحو أفق غامض. كانت الأيام تتشابه، بين صيد السمك المُمل، وإصلاح المحرك المتذمر، ومحاولة تجنب بقع الزومبي العائمة التي تطفو على المياه كبقايا سفن غارقة.
لكن رحلة العودة لم تكن لتكون صعبة فقط بسبب جنون البحر أو المخاطر السياسية؛ لقد أضيفت إليها صعوبة من نوع آخر: كنتُ حاملاً بطفل رافع.
الموقف المُحرج الأول: الغثيان في حاوية الماء
أصبحتُ أعيش حالة غثيان دائمة، خصوصاً في الصباح. كانت تلك اللحظات هي الأصعب والأكثر إحراجاً.
في أحد الأيام، كان رافع منهمكاً في محاولة إصلاح الشراع الممزق، وإيلينا كانت ترمي شباك الصيد. شعرتُ فجأة بموجة قوية من الغثيان تجتاحني. لم يكن هناك مكان للهرب.
صرختُ بضعف: "يا رافع! ما أكدر... يا رافع!"
ظن رافع أنني أصرخ خوفاً من سمكة قرش مرت بجانب المركب. صاح بي بالإسبانية التي أصبح يتقنها: "¡Cálmate, Adyan! ¡No hay peligro!" (إهدئي، لا يوجد خطر!)
في تلك اللحظة، كنتُ أبحث بيأس عن أي وعاء. لم أجد أمامي سوى الحاوية المعدنية الوحيدة التي نستخدمها لتخزين ماء الشرب النظيف والمُقطر، وهي أثمن ما نملك بعد المحرك.
اندفعتُ نحوها وأفرغتُ معدتي فيها.
توقفت إيلينا عن الصيد، ونظرت إلى الحاوية، ثم إليَّ، بصدمة مُطلقة. صاحت إيلينا بغضب وإحباط، مستخدمة أقسى كلمة إسبانية تعلمتها: "¡Mierda! ¡Toda el agua limpia!" (تباً! كل الماء النظيف!)
أما رافع، عندما التفت ورأى المشهد، أسقط الشراع من يده، لكنه لم يغضب. سحبني وأجلسني على الأرض، وبدأ يضحك ضحكة قوية لكن حزينة في نفس الوقت، وهو يمسح على شعري.
"يا روحي، ما يخالف! الماء يتعوّض. بس الحمد لله على سلامتك. إيلينا، هاي مو بإيدها، هذا 'وحم'!"
(إيلينا نظرت إلينا بوجوه حائرة، ولم تفهم كيف يمكن "للوحم" أن يحول مياه الشرب إلى كارثة بيئية في ثانية واحدة).
الموقف المُحرج الثاني: الوحم وقطعة الخبز المُخبأة
الطعام على المركب كان محدوداً جداً. كنا نعيش على الأسماك المملحة وقطع من الخبز اليابس (البسكويت البحري) التي عثر عليها رافع.
في أحد الأيام، أصابتني نوبة وحم غريبة ومفاجئة. لم أعد أطيق رائحة السمك أو ملمس الخبز اليابس. فجأة، بدأتُ أشتهي شيئاً واحداً بشدة: الفاكهة المُعلبة، أي فاكهة، أي شيء حلو ومُعلب.
في خضم هذا الوحم، تذكرتُ أن إيلينا خبأت قطعة جبن صلبة صغيرة ومُجففة، كان من المفترض أن تكون مخصصة للطوارئ القصوى. كانت مخبأة تحت مقعد خشبي.
لم أستطع المقاومة. عندما كان رافع نائماً وإيلينا تراقب الأفق، تسللتُ وأخرجت قطعة الجبن. لم أستطع أكلها بالكامل، لذا أكلتُ جزءاً منها ووضعتُ البقية تحت قبعة رافع التي كان يخلعها دائماً عند النوم. لم أفكر بوضوح، كنتُ فقط أريد إخفاء الدليل!
في الصباح، استيقظ رافع ليجد قبعته "ملطخة" بالجبن الصلب. نهض مذعوراً وهو يصرخ:
"أديان! إيلينا! شنو هذا؟ منو خلى دهن أو طين بقبعتي؟!"
إيلينا، التي كانت تعرف بخبث أنني آكل الجبن سراً، لم تستطع تمالك نفسها وبدأت تضحك بصوت عالٍ بالإسبانية، وهي تشير إليَّ: "¡Tu esposa tiene hambre de queso, Rafe! ¡La vida es un capricho!" (زوجتك جائعة للجبن يا رافع! الحياة ما هي إلا نزوة!)
شعرتُ بالإحراج الشديد، حاولتُ الدفاع عن نفسي بالإشارة إلى معدتي المنتفخة، ثم إلى القبعة، محاولةً القول: "الطفل هو من فعلها!"
أدرك رافع الأمر، وبدلاً من أن يعاقبني، سحبني وضحك، وعيناه مليئتان بالمحبة. "يا بخت هذا الطفل، وحمه على جبن، مو مثل وحم أمه اللي خربت لنا المي!"
لقد أصبحت هذه المواقف المحرجة، التي نذكر فيها اللغة العربية بصرخات الغثيان، واللغة الإسبانية بقهقهات إيلينا الغاضبة، هي دليلنا على أننا ما زلنا بشراً، وأن الحياة الجديدة التي أحملها في داخلي هي السبب الوحيد الذي يجعل رحلتنا المستحيلة تستمر، نحو الأمل المتمثل في رؤية العراق مرة أخرى.
هل تريدين أن تعرفي كيف سينتهي مصير رحلتهم البحرية في طريقهم إلى الوطن؟