الخامس
الرحلة الملعونة: الفصل الخامس – بين الأنقاض وعبء الماضي
الضحكة التي انطلقت من متجر إيلينا، العجوز البيروفية التي كادت تضرب رافع بالمكنسة، كانت بمثابة صمام أمان في جحيم لا ينتهي. لكن بعد الضحك، عادت الثقة. بفضل مهارات رافع الهندسية، قمنا بتحصين المتجر جيداً، واستخدمنا أرففه المعدنية لتثبيت الأبواب والنوافذ. لقد أصبحنا ثلاثي غير متوقع: أنا (الأفعال الصامتة)، رافع (الكلمات المُحرجة ولكن المفيدة)، وإيلينا (صاحبة الخبرة والقسوة المحببة).
لكن الهدوء الظاهري الذي ساد المتجر كان مجرد غطاء للأصوات الصامتة التي تدور في رؤوسنا، أصوات الذكريات المؤلمة.
الظلام الداخلي: ذكريات أديان
في إحدى الليالي، بينما كان رافع وإيلينا يتناوبان الحراسة، جلستُ وحيدة في الزاوية المظلمة، ممسكة بقلادة أمي الذهبية. لم أكن أخشى الزومبي بقدر خوفي من أن يختفي الأمل مثلما اختفى كل شيء جميل في حياتي.
أغمضتُ عيني، وعادت بي الذاكرة إلى بغداد، إلى صباح اليوم الذي كان من المُفترض أن أسافر فيه:
الذكرى المؤلمة الأولى: الفراق الأخير
أتذكر وجه والدي ووالدتي. والدي كان يبتسم لي ابتسامته الدافئة، "روحي يا بنيتي، شوفي الدنيا. سنتين وتجينا شهادة بإيدك." كانت أمي تحتضنني بقوة غير اعتيادية، وكأنها تعلم أن هذا هو حضن الوداع الأخير. أتذكر دموعها وهي تضع القلادة في عنقي. بعد شهر من وصولي أمريكا الجنوبية، انقطعت الاتصالات. سمعتُ عن قصف عشوائي في منطقتنا. لم أعد أعلم إذا كانا أحياء أم أموات. الشك هو العذاب الأكبر. أشعر بالذنب لأنني سافرتُ بحثاً عن الحياة بينما ربما تكون حياتهم قد انتهت.
عبء المهندس: مرارة رافع
لم يكن رافع أقل حزناً. في اليوم التالي، جلس رافع بجانبي ليروي لي قصته، يتحدث بلغة عربية مليئة بالمرارة، وإيلينا لا تفهم لكنها تدرك معنى الألم.
الذكرى المؤلمة الثانية: تضحية الأخت
كان رافع هنا في البيرو لدراسة الهندسة بناءً على تضحية كبيرة. "أختي الجبيرة، زهراء، كانت تشتغل مدرسة بالبصرة. باعت قطعة الذهب الوحيدة اللي عدها حتى تكمل لي تكاليف السنة الأولى والسفر." قال رافع وصوته مُختنق. "وعدتها إني أرجع لها وأبني لها أحلى بيت." عندما بدأ الرعب، حاول الاتصال بها ليخبرها بالبطران. لم يستطع. في كل مرة ينظر فيها إلى يده النحيلة الملوحة بالأوساخ، يتذكر يد أخته التي عملت لسنين طويلة ليدرس هو. العجز هو أقسى شعور. يشعر أنه خذلها، وأنه فشل في العودة بـ "الشهادة والبيت" ليرد لها الجميل.
العزلة الجماعية: حزن إيلينا
حتى إيلينا، القوية والشرسة، كانت تحمل ماضيها. ذات مساء، بينما كانت تنظر إلى صورة قديمة على الرف، أطلقت تنهيدة طويلة. لم تستخدم الإسبانية، بل استخدمت لغة الحزن العالمية، الإشارة.
الذكرى المؤلمة الثالثة: الابن الضائع
أشارت إيلينا إلى الصورة التي يظهر فيها شاب بزي عسكري، ثم إلى الزومبي في الخارج، ثم إلى قلبها المُحطّم. لقد كان ابنها. كان يعمل في الجيش المحلي. عندما بدأت الفوضى، لم يعد إلى المنزل. ظنت إيلينا أنه أصبح زومبي، لكن أسوأ ما في الأمر أنها لم تر جسده. الانتظار هو سجنها. إنها تحرس المتجر، ليس فقط من أجل النجاة، بل لأنها تنتظر، وتأمل، وتخاف في نفس الوقت من أن يعود ابنها كوحش.
الإصرار على النجاة: الوقود الداخلي
أدركنا أن ما يربطنا ليس فقط الحاجة للبقاء، بل هذه الذكريات المؤلمة التي لا تموت. لقد أصبحت هذه الذكريات وقودنا. لم نعد ننجو من أجل العيش وحسب، بل ننجو لسبب أعمق:
أديان: لتجد طريقاً للعودة ومعرفة مصير والديها.
رافع: ليعود لأخته ويُفي بوعده لها بالبناء والراحة.
إيلينا: لتبقى مُتأهبة، تنتظر ابنها.
لغة الحزن وحدتنا أكثر من أي لغة أخرى. وفي خضم هذا الرعب، كان عبء الماضي هو ما منحنا القوة للمضي قدماً.
هل تتوقعين أن يجد رافع حلاً هندسياً لاستغلال مهاراته اللغوية في إيجاد طريق آمن خارج البيرو؟