الثالث
الرحلة الملعونة: الفصل الثالث – وميض أمل في قلب الجحيم
كنتُ أركض في ظلمة الغابة، نبضات قلبي تسبقني، وورائي صوت خطوات ثقيلة ومتهدجة – الزومبي. لكني كنتُ أعلم أن هناك خطراً آخراً يتربص بي، خطر يحمل اسماً ووجهاً: خوان. لقد حول الخوف من الموت إلى خوف من الأحياء، وأنا وحيدة لا أملك سوى حقيبتي ولساني الذي لا ينطق إلا العربية في أرض الإسبان.
مررتُ عبر أنقاض قرية صغيرة، تتوسطها كنيسة قديمة. قررتُ الاختباء داخلها، فالموتى الأحياء ينجذبون للحركة والضوضاء، ولعل الأماكن المُغلقة توفر لي بضع ساعات من الراحة.
اللقاء الغير مُتوقع: لغة الوطن
بعد أن تأكدتُ من خلو الكنيسة، جلستُ خلف مذبح مُحطَّم، أحاول تنظيم أنفاسي المتسارعة. وفجأة، سمعتُ صوتاً خافتاً، ليس أنيناً، بل صوت كحة خفيفة.
تجمدتُ في مكاني، ممسكة بعصاي. همستُ باللغة الوحيدة التي أتقنها: "من هنا؟"
لم أتوقع أن يرد عليَّ أحد، فكيف سيرد عليَّ في هذا المكان النائي بلغة الضاد؟ لكن الرد جاء، صادماً ومُطمئناً في آن واحد.
"أنا... أنا هنا. لا تخافين."
كانت الكلمات عربية، بلهجة مألوفة... عراقية.
خرج من ظل الأعمدة شابٌ بعمري تقريباً. كانت ثيابه أنيقة لكنها مُتربة ومُمزقة قليلاً، شعره مُرتب رغم الظروف، ونظارته الطبية ما زالت على عينيه. كان مظهره يوحي بأنه طالب أو موظف، شخص لم يكن مُستعداً أبداً لهذا الرعب.
نظر إليَّ بعينين واسعتين مُتعبتين، وشفتيه ارتسمت عليهما ابتسامة خجولة ممزوجة بالراحة الهائلة.
"أنتِ عراقية؟" سأل.
دمعت عيناي. لقد كان صوته بمثابة حبل نجاة رُمي لي في بحر من اليأس. "أي... أي نعم. من أنت؟"
"أنا رافع. كنتُ هنا لدراسة الهندسة، والآن... أنا ناجٍ. الحمد لله. أخيراً شخص يتكلم!"
في تلك اللحظة، لم أعد أشعر بالوحدة. كان رافع مؤدباً، مرتباً، والأهم: كان يتحدث لغتي. شاركته قصتي مع خوان، وشرحتُ له مدى صعوبة العيش دون معرفة الإسبانية. كان رافع يتقن الإسبانية بطلاقة، وقد وعدني أن نبقى معاً، فهو يحمل خريطة للمنطقة ويعرف القليل عن الطرق الآمنة.
العودة المُرعبة والمواجهة
قررنا المغادرة قبل الفجر، للتوجه نحو الجبال. وبينما كنا نخرج من الكنيسة، سمع رافع صوتاً يصرخ باللغة الإسبانية من بعيد.
"هناك! لقد وجدتكِ يا عاهرة! لن تهربي مني!"
كان خوان. لقد تتبع خطواتي عبر الغابة، وفي يده فأس حاد. لم يكن معه زومبي، بل كان هو الزومبي الحقيقي.
"إركضي أديان! بسرعة!" صرخ رافع، دافعاً إياي أمامه.
حاول خوان اللحاق بنا، لكن رافع أوقفه. لم يكن رافع رجلاً مُقاتلاً، لكنه كان يملك شجاعة لا تُصدق لحماية شخص يتكلم لغته.
"إذهب من هنا أيها الأجنبي! هذه لي! إنها ملكي الآن!" صرخ خوان بالإسبانية.
رد عليه رافع بحدة وثقة، باللغة الإسبانية: "هي ليست ملكاً لأحد! اتركها وشأنها وإلا سأجعلك تتمنى الموت!"
كانت المواجهة سريعة ومُرعبة. مد خوان فأسه نحوي، لكن رافع اعترض طريقه. في حركة مفاجئة وقوية، استخدم رافع حقيبته لصد الفأس، ثم اندفع نحو خوان، دافعاً إياه بكل قوته على الأرض الصخرية.
سقط الفأس من يد خوان، وقبل أن يتمكن من استعادته، كان رافع يقف فوقه. لم يكن رافع يهدف للقتل، بل للسيطرة. أمسك رافع بيد خوان ولفها خلف ظهره، رافعاً إياه عن الأرض.
"أديان، إركضي! أنا قادم خلفك!" صرخ رافع.
نظرتُ إليه، شابٌ وسيم ومُهذب، يدافع عني بعنف غير مُتوقع. ركضتُ، تاركة رافع وخوان وراء ظهري. لم يمر وقت طويل حتى سمعتُ صوت رافع يركض خلفي.
"لا تقلقي، لن يتبعنا الآن. لقد ألقيتُ فأسه بعيداً وضغطتُ على عصبٍ في كتفه. سيتذكر هذا الألم طويلاً." قال رافع، وهو يتنفس بصعوبة.
نظر إليّ رافع، وابتسم. كان وجهه ملطخاً بالوحل، لكن عينيه كانتا تلمعان بأمل حقيقي. "أديان، لا خوف بعد اليوم. نحن معاً، والآن لدينا لغة."
الآن، أنا ورافع، الاثنان العراقيان الوحيدان في هذه الأرض المليئة بالموتى. لغة الوطن أصبحت حصناً لنا، وعرفتُ أن في هذا العالم، قد تجد أقوى دفاع لك في شخص يُشاركك الهم واللغة، حتى لو كان شاباً مُسالماً يحمل نظارة طبية.
هل سيتمكن رافع وأديان من استخدام مهارات رافع اللغوية ومهارات أديان في البقاء على قيد الحياة للوصول إلى بر الأمان؟