الاولى
الرحلة الملعونة
كنتُ أبحث عن المغامرة، عن شيء يكسر رتابة أيامي، ولهذا اخترت أن تكون وجهتي هي أمريكا الجنوبية. حجزتُ تذكرة إلى مدينة صغيرة نائية في البيرو، سمعتُ عن جمال طبيعتها الآسر وأسرارها القديمة. لم أكن أعلم أنني سأجد هناك مغامرة من نوع مختلف تماماً، مغامرة لن يُنجيني منها سوى الحظ والصبر، وبالتأكيد، الغريزة.
وصلتُ في ليلة مقمرة. كانت الأجواء غريبة، هدوء مُقلق يخيم على المكان، ومحطة الوصول مهجورة تقريباً. الشوارع كانت خالية، ومصابيح الإنارة تومض بخجل. عندما وجدتُ فندقي الصغير، استقبلني رجلٌ عجوز ذو عينين مُتعبتين، تهمس في الأجواء كلمة إسبانية وحيدة: "الخطر".
لم أُعر الأمر اهتماماً، ونمتُ نوماً عميقاً. في الصباح، بدأ الكابوس.
صمتُ البداية ولغةُ الخوف
استيقظتُ على أصوات ليست مألوفة، مزيج من أنين خفي وضوضاء مُبهمة. خرجتُ من الفندق لأجد أن المدينة ليست خالية، بل ممتلئة... بالموتى الأحياء. كانوا يتجولون بخطوات ثقيلة، جلودهم رمادية وعيونهم فارغة. زومبي! الأمر لم يكن مزحة، لقد كانت الحقيقة الأكثر رعباً التي واجهتها في حياتي.
كانت الصدمة شللاً، لكني تمالكتُ نفسي عندما رأيتُ أحدهم يتجه نحوي. عدتُ مسرعة إلى الغرفة وأغلقتُ الباب، قلبي يقرع طبول حرب داخل صدري.
هنا، بدأت معضلتان لا تقل إحداهما صعوبة عن الأخرى: البقاء على قيد الحياة وسط هؤلاء الوحوش، وكيفية تدبير الأمور وأنا لا أتحدث إلا اللغة العربية، بينما اللغة السائدة هنا هي الإسبانية، ولم أكن أتقن كلمة واحدة من الإنجليزية التي قد تساعدني للتواصل مع أي ناجٍ قد أجده.
استراتيجية البقاء: الصمت والأفعال
أدركتُ أن الكلمات لن تنقذني، بل الأفعال. كان عليَّ أن أعتمد على الملاحظة والإشارات.
الموارد والدِبرة:
الطعام والماء: بدأتُ البحث عن المتاجر الصغيرة أو المنازل المهجورة. كانت الإشارة هي لغة الاستكشاف؛ أبحث بعينيَّ عن علامات تدل على وجود مؤن. أول ما فعلته هو ملء زجاجات الماء وغالياً ما وجدتُ طعاماً مُعلباً.
الأدوات والسلاح: كان سلاحي الأولي هو عصا مكنسة ثقيلة وجدتها في الفندق. تعلمتُ استخدامها بذكاء، الضربة القاضية يجب أن تكون سريعة ومركزة على الرأس.
التنقل: لا يمكنني الاعتماد على أي وسيلة نقل. أصبحتُ أتحرك سيراً على الأقدام، متخفية في الأزقة والطرق الخلفية، معتمدة على حاسة السمع لتجنب التجمعات الكبيرة للزومبي.
التواصل والإشارات:
في أحد الأيام، التقيتُ بشابين يركضان مثلي، يبدو عليهما الخوف واليأس. لم أستطع أن أقول شيئاً، لكني رفعتُ يديَّ ببطء وأشرتُ إلى فمي ثم إلى حقيبتي، في إشارة واضحة: "هل لديكم طعام؟"
عندما أرادوا معرفة اتجاه سيري، أشرتُ بيدي إلى الشرق، ثم رسمتُ بأصابعي على الأرض دائرة للدلالة على أنني أبحث عن مأوى آمن.
الأهم من ذلك، أنني تعلمتُ لغة الخوف العالمية: عندما كنتُ أرى خطراً، كنتُ أصدر صوتاً قصيراً حاداً أو أُشير بسرعة بيدي ليتبعوني. كان الخوف هو المُترجم الوحيد بيننا.
الناجون ولغة الأمل
بعد أسابيع من التخفي والحركة المستمرة، وصلتُ إلى مزرعة صغيرة مهجورة على أطراف الغابة. كنتُ أظن أنني وحيدة، لكني سمعتُ صوتاً خافتاً خلف أحد الجدران.
وجدتُ عائلة بيروفية مُختبئة، زوج وزوجته وطفليهما. كانوا يتحدثون الإسبانية بلهجة سريعة. لم أفهم شيئاً، وبدأ الخوف يتملكهم عندما رأوني.
لكن زوجة الرجل، كانت امرأة حكيمة. نظرت إلى عينيَّ الخائفتين، ورأت ملابسي الغريبة، وفهمت أنني غريبة ولا أنوي بهم سوءاً. ابتسمت لي ابتسامة دافئة، وأشارت إلى أن أجلس.
علمتني لغة جديدة، لغة الأشياء البسيطة. كانت تُريني التفاح وتقول ببطء: "مانزانا (Manzana)"، ثم تُشير إلى الماء وتقول: "آجوا (Agua)". كنتُ أُردد الكلمات وراءها، ببطء وصعوبة. لم أكن أتعلم الإسبانية بسرعة، لكني تعلمتُ الكلمات المفتاحية للبقاء:
Peligro (خطر)
Comida (طعام)
Vamos (لنذهب)
Silencio (صمت)
لم تكن اللغة الإنجليزية عائقاً حينها، لأن القاسم المشترك بيننا كان الرغبة في الحياة. كنا نخطط للمغادرة إلى المرتفعات، بعيداً عن المدن الموبوءة. كانت عيناي تفهم ما لا يفهمه لساني.
لقد علمتني تلك الرحلة الملعونة درساً لا يُنسى: في أوقات الكوارث، لغة القلب والأفعال والإشارات تكون أصدق وأقوى من أي لغة منطوقة. والآن، أنا على طريق النجاة، أُحمل عصاي، وبضع كلمات إسبانية، والأهم، أُحملُ أملاً لا يموت.
هل ترغب في معرفة المزيد عن رحلة البطلة وكيف ستبدو خطتها الهروب من المرتفعات؟