عهد القلوب المنقرضة - الفصل الخامس - بقلم اشواق | روايتك

اسم الرواية: عهد القلوب المنقرضة
المؤلف / الكاتب: اشواق
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس

الفصل الخامس

❖━═ حين تتكلم الجدران ═━❖ أُغلِق الباب خلف أشواق، وكان صدى الحديد يرنّ في أذنيها كجرس موت. الغرفة صغيرة، جدرانها بيضاء باردة، بلا روح، بلا نوافذ واسعة تسمح لها بالتنفّس. جلست على سرير معدني مغطى بملاءة خشنة، وعيناها تائهتان كأنهما تبحثان في الفراغ عن وجه زوجها الذي اختفى إلى الأبد. في الأيام الأولى، حاول الأطباء الاقتراب منها، لكن كلماتهم لم تجد طريقها إلى قلبها. كانت تردّد بلا وعي: ـ أين زوجي؟ أين طفلي؟ لماذا لا يأتون؟ وكان صوتها يرتجف بين بكاء وضحك مفاجئ، فتبدو للحظة كطفلة فقدت لعبتها، ولحظة أخرى كمرأة انهار فيها كل شيء. كانت أشواق تجلس أحيانًا لساعات طويلة تحدّق في الجدار، ثم تهمس له وكأنه يجيبها. أحيانًا تبتسم وتضحك، وأحيانًا تصرخ فجأة بصوت يمزّق سكون المكان: ـ كفى! ابتعدوا عنه! إنه زوجي! لا تلمسوه! كان الممرضون يراقبونها من بعيد، يتنهدون بأسى، فهذه المرأة الغارقة في الوهم لم تعد تفرّق بين حلم وواقع. في إحدى الليالي، حين ساد الظلام وسكتت الأروقة، عانقت أشواق وسادتها كما لو كانت طفلها. هدهدتها بين يديها وغنّت له أغنية نوم… ثم صرخت فجأة: ـ لا! لماذا تبكونه؟ إنه حي! إنّه حي! ارتجّت الغرفة بصوتها، واضطرّت الممرضة إلى الدخول لتهدئتها. لكن كل محاولاتهم كانت بلا جدوى، فكلما حاولوا أن يعيدوها إلى صوابها، غرقت أكثر في عالمها الخاص. أيامها الأولى في المشفى لم تكن بداية شفاء… بل كانت بداية انكسار أكبر. الهواء الذي تتنفسه صار ثقيلاً، الجدران التي حولها صارت تضيق عليها كأنها سجناً أبديًا، وصوتها الذي كان يحمل الأمل صار الآن همسات مجنونة لا يسمعها إلا هي… وزوجها الذي لم يعد موجودًا. ---