الغراب - إنه إنسان - بقلم عبدالرزاق الناوي | روايتك

اسم الرواية: الغراب
المؤلف / الكاتب: عبدالرزاق الناوي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: إنه إنسان

إنه إنسان

خرج الغراب من بيت الخياطة ، جلس في ركنه المعهود ، كان في حالة صعبة ، إلى متى ستستمر الحياة في تعذيبه هكذا ؟ رغم أنه غراب بقلب أسد ، لكنها ألقاب ليس إلا، لا يمكنه التملص من كونه إنسان ، قد لا تقتله الضربات لكنها تضعف قواه ، تعود الصبر و الصمود ، لكن قلبه يهدم شيئا فشيئا ، لقد عاش يتيم الأب مع أم صعبة الطباع لا تشبه الأمهات و لا تمارس الأمومة ، همها الوحيد المال ، لا إخوان يرممونه ، لا عائلة تحتويه ، لا أصدقاء يفر إليهم حينما يطرد من نفسه و محيطه ، ربته الصعاب و تكفل به الألم ، صديقه الفقر و خليله الحرمان ، لم يعش طفولته كباقي أقرانه ، لم يذهب للمدرسة ليتعلم القراءة و الكتابة ، تعلم فقط في مدرسة الحياة أن يتألم بصمت ، أن يبكي بلا دموع ، و أن يصرخ دون أن يسمع أحد صوته . لم تكن هوايته الرسم أو الموسيقى ، هوايته كانت النوم لأنه لم يشعر يوما أنه يملك وقت فراغ ، لا جهد له و لا إحساس ليفعل أي شيء آخر لذا أحب السرير ، لا يملك أكلة مفضلة ، كل الطعام غير الخبز كان وجبة فاخرة بالنسبة له ، لهذا أحب فقط ملء صدره بدخان السجائر لأنه سمع أن الدخان يطفئ الألم و يذهب بالهموم ، هكذا تترعرع الغراب في قلعة الصعاب ، لقد سئم من أن يبدو مثل الجبل و داخله وردة صغيرة تجاهد كي لا تذبل ، سئم من أن يمثل دور صنم بلا إحساس و بداخله طفل مازال يريد أن يعيش طفولته التي حرمها في صغره ... أخرج صديقيه الحميميين ، سجارته و ولاعته ، أشعل سجارته و بدأ يدخن بألم و حزن شديدين . لم يكتف القدر بهذا فقط ، بل لازال يريد إيصال الغراب لمرحلة من الغم أبعد من هذه التي لازال فيها الغراب يحاول الصمود ، لقد رفض الإستسلام لذا لازالت الحياة تحاول اختبار صبره . مر سيد من أهل الحي ، إنه السيد رضوان ، أم رحمة ، سمى ابنته رحمة لكنه لا يعرف للرحمة معنى ، شخص أناني بخيل ، بائع متجول يقضي يومه بين الأزقة ، كان يدفع عربته المملوءة بالبرتقال و التفاح لكنه توقف بمجرد أن لمح عيسى جالسا ، نادى للغراب الذي نظر إليه نظرة تحمل في طياتها أحاسيس غير جيدة اتجاه رضوان ، إنه لا يحبه ، لا يعرف السبب لكنه يراه إنسانا شريرا و لا تعجبه تصرفاته ، و مازاد كرهه هو الضربة التي سيوجهها له الآن : _ كيف حالك أيها الغراب ؟ نظر إليه عيسى نظرة قبيحة ثم استنشق دخانه دون أن يجيب ، هو لا يرد على أمثاله في حالته العادية ، فكيف يرد عليه و هو في هذه الحالة الصعبة . لا يهتم رضوان لجواب الغراب ، هو أيضا لا يحبه ، لذا واصل كلامه و أخرج الرصاصة التي كانت تنقص قلب عيسى ليتوقف : _ لقد سقطت أمك قبل يومين و كانت حالتها صعبة ، لم تكن هنا لذا لم نستطع تركها ، لقد أخذتها زوجتي للمستشفى و قامت بالعلاجات اللازمة ، لقد قامت بجبر يدها و ساقها و كانت هناك مضاعفات أخرى ترتبت عن السقوط ، لذا كان عليها شراء الكثير من الدواء ، أنا أعلم مدى صعوبة ظروفك لكنني أنا أيضا أمر بظروف صعبة و أحتاج المال ، لقد عملت لمدة تلاثة أيام في ضيعة عبدالسلام، لهذا أنا متأكد من امتلاكك للمال ، لذا قم بإعطائي ما قد صرفته من أجلها !! ضاقت الدنيا بعيسى المسكين الذي لم يعد يصدق هذا الذي يحصل له ، تمنى أن تزهق روحه و لا يكون في موقف كهذا ، إنه لا يهتم للمال ، ما يزعجه أن صاحب البيت سيأتي في اليوم الموالي لأجل إيجاره ، و ميلود إن لم يحصل على ماله فسيجن ، و أمه المريضة التي لابد أنها ستحتاج للدواء و أشياء أخرى ، هذه المرة الغراب في ورطة حقيقية . لم يمنعه كل هذا أن يدفع لجاره ما طلب ، سأله بكم يدينه ، أدخل يده في جيبه و أخرج المال الذي جناه بعد تلاثة أيام من العمل الشاق ، فهو رغم كل شيء لا يمكنه أن يتوسل لأحد سيما إن كان جاره هذا الذي يعشق الدرهم ، قدم له ماله و أعاد ما تبقى لجيبه ، لقد بقيت عنده مائتي درهم لا تسمن و لا تغني من أي شيء في ظل الدين الذي عليه ، عد رضوان ماله مرتين ثم وضعه في جيبه و دفع عربته . كل هذا حصل أمام أنظار رحمة التي كانت تنظر من نافذة بيتهم ، ألمها يشبه ألم الغراب ، حزنها مثل حزنه ، إنها تدرك تماما كمية الغم الذي يملأ قلبه ، لذا كانت دموعها تتهاطل ، ليتها كانت تستطيع أن تكون بجانبه في ظروف كهذه ، تريد أن تكون وطنه و أسرته و كل شيء ، تريد أن تسانده في هذه الظروف التي يواجهها وحده ، تريد فعل الكثير و لا تستطيع فعل أي شيء .