الغراب - في ضيعة السلام - بقلم عبدالرزاق الناوي | روايتك

اسم الرواية: الغراب
المؤلف / الكاتب: عبدالرزاق الناوي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: في ضيعة السلام

في ضيعة السلام

ركب "الغراب" رفقة الفلاح عبد السلام، وتوجها معًا صوب الضيعة. كان الطريق طويلًا، لكنه لم يخلو من حديث عبد السلام الذي مدح عيسى بحرارة: "أنت رجل طيب، يا عيسى... الكل يتحدث عنك بخير. تعمل بجد، لا تغش، صادق، قنوع، وتحسن إلى والدتك. هذه صفات نادرة... وإن واصلت على هذا النحو، فستصبح يومًا ما رجلًا ثريًا، له مكانة وقيمة في المجتمع." استمع عيسى بصمت، غير متأكد من صدق عبد السلام، لكنه لم يبالِ، فلم يكن يومًا من الأشخاص الذين تغريهم المدائح ولا تزعجهم الشتائم. يعرف نفسه جيدًا، ويعلم أنه لا يسعى للثراء، بل همُّه الوحيد أن يعمل ويؤمن قوته اليومي . أما الثراء والمكانة الاجتماعية ، فهما أحلام لا تطرق باب قلبه و لا يهتم لأجلهما مطلقا . عيسى ليس الوحيد من هذا النوع ، فهناك رجال كثيرون مثله: لا يسرقون، لا يكذبون، لا يخونون، لكن الحياة تقسو عليهم ولا تحبهم . الغراب انسان وحيد لا أصدقاء له ولا أعداء، شخص يحب الحياد ، لا ينتمي إلى الأخضر أو الأحمر، يقف في المنتصف ، رجله اليمنى هنا، والأخرى هناك ، ورأسه يتدحرج بين هنا وهناك. قد لا يساعدك ، لكنه لن يضرك أبدا ؛ لن يمدحك ، لكنه لن يسبّك أو يشتمك ، يريد فقط أن يعيش في هدوء ، و هؤلاء من تتسلى الحياة بتحطيمهم . بينما كان عبد السلام يقود السيارة ، شرد عيسى ببصره من نافذة السيارة ، سارحًا في أفكاره التي لا تنتهي. فجأة، قال الفلاح: "ألا تفكر في الزواج يا عيسى ؟ إلى متى ستبقى وحيدًا؟" ابتسم عيسى ابتسامة باهتة ، لكنه لم يُجب ، ابتسامة قال من خلالها الكثير ، آخر ما يمكن أن يفكر فيه في ظل ما يعيشه وسط كل هذه الظروف هو الزواج ، لا يمكن له أبدا أن ينكر أنه فعلاً يحتاج إلى سند يستند إليه و يلجأ إليه كلما قست عليه الحياة ، لكنه بالكاد يؤمن قوت يومه ، ولولا أمه لما استطاع دفع إيجار بيته ، أي امرأة سترضى برجل مثله؟ رجل بلا مال ، بلا وظيفة ، ولا حتى أسلوب لبق في الحديث . ثم ، كيف لها أن تصبر على لسان أمه الجارح التي لا تنطق إلا بما يدمي القلوب؟ تذكر "رحمة" إنها تحبه وهو كذلك ، لكن الزواج منها كان حلمًا بعيد المنال . لا شك أن والديها سيرفضان، وربما هي الأخرى لا تملك الجرأة لخوض معركة ليست مجبرة عليها. تعيش حياة أفضل منه بكثير وتستعد للحصول على شهادة مهنية ستخول لها الإلتحاق بعمل جيد وتقاضي راتب شهري و عيش حياة تستحقها ، لما عليها أن تتزوج غرابا يحارب ضد كل شيء و لا ينتصر أبدا ، ربما حبها له قد يدفعها لذلك ؟ أناس الحي لا يؤمنون بحب لا يباع و لا يشترى و لا يدفع في المحلات مقابل أشياء ثمينة ، ليس من حق الغراب أن يحب ، حتى و إن فعل فلا أحد يهتم ، فليحتفظ بحبه لنفسه ، هذا ما يراه الغراب صائبا . كل هذه التساؤلات كانت تدور في رأس عيسى ، بينما استمر عبد السلام في كلامه: "الزواج سنة الحياة يا بني ، ولا بد للمرء أن يُكمل دينه، ويؤسس عائلة ، أما الرزق فهو بيد الله." كان عيسى يعلم أن كلامه صائب ، لكنه لم يجرؤ حتى على الحلم بذلك ، لقد اطمأن بكونه غراب لا يليق به إلا العمل الشاق ، و ليس من حقه سوى حب الفأس و المجرفة ، و لن ترافقه في حياته إلا ياقوت و فمها الثرثار ... وصلت السيارة إلى الضيعة ، كانت شاسعة، خضراء و تفيض بالحياة ، مليئة أشجار و الخضروات، وروائح ترابية تنعش الروح . لم تكن هذه المرة الأولى لعيسى هناك ، فقد عمل بها مرارا و تكرارا . أراه عبد السلام شتلات الزيتون وبيّن له أماكن الغرس، وأعطاه أدوات الحفر، ثم ذهب ليحضر له كوبًا من الشاي. كان عبد السلام رجلاً كريمًا يحب عيسى ويحترم جهده. خلع عيسى معطفه ، ووضعه على صخرة صغيرة، ثم أمسك بالفأس، وبدأ الحفر بعزيمة. لم يكن يهتم بمشقة العمل ، لا يشتكي ولا يتذمر، فقد تعلّم أن الصبر وحده سلاح الضعفاء . غربت شمس اليوم الأول، وكان "الغراب" قد غرس عددًا لا يُستهان به من شتلات الزيتون. أخذه عبد السلام إلى بيت صغير داخل الضيعة، وقال له بابتسامة دافئة: "هنا ستقيم إلى أن تُكمل المهمة." ابتسم عيسى ودخل البيت و في عينيه بريق صغير لا يشبه الأمل ، لكنه يشبه الرضا ، اغتسل و استلقى و ما كانت إلا دقائق حتى أتى الفلاح و بحوزته صحن العشاء ، تناوله الغراب بهدوء و نام في سلام ...