الغراب - صباح الغراب - بقلم عبدالرزاق الناوي | روايتك

اسم الرواية: الغراب
المؤلف / الكاتب: عبدالرزاق الناوي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: صباح الغراب

صباح الغراب

اشرقت شمس يوم جديد ، هذا الصباح الذي أضحى عدو عيسى الذي لا مفر له من همه و ترثرة أمه إلا النوم ، أما قدوم الصباح فهو إعلان حرب بالنسبة له ، كيف لا و هو مجبر على أن يحتمي بدرع الصبر مجددا الوقوف وجها لوجه أمام واقع لا يرحم ؟ طالما سمعنا أن الجميع يحب الصباح و يكره الليل ، الغراب لا يؤمن بهذا إطلاقا ، إنه يعشق الليل الذي يجد من خلاله منفذا ليهرب لعالم اللاوعي و لو لبضع ساعات ، أما الصباح فهو يجعله يعود لحقيقة كونه غرابا خلق ليعمل بجهد كي يأكل ، يجاهد كي يعيش ، لا يصارع من أجل مستقبل و لا يعمل ليصبح غنيا ، يحارب فقط من أجل البقاء و أصعب ما قد يعيشه المرء هو أن يعيش بلا أهداف أو طموحات ، أن يقوم كل صباح و يغادر فراشه ليأتي بدراهم معدودة ستمكنه من تناول بعض الطعام و جعل أمه لا تثرثر كثيرا ، هذا ما تعود الغراب المحاربة لأجله و هذا ما جعله يكره الصباح !!! كيف يمكن للغراب أن يحب صباحا يقدمه لسيوف الحياة التي تطعنه بلا شفقة و لا رحمة ؟ كيف يعشق صباح كلما صاح ديكه صاحت معه صرخات أم الغراب ؟ كيف لا يكره صباحا يجعله يعود لساحة حرب لا ينتصر فيها مطلقا ، إنما يحارب ليخرج بخسائر أقل ؟ لا شك أن للغراب الحق في أن يكره الصباح !!! غادر الغراب فراشه ، لبس ملابسه السوداء كعادته و خرج صوب ميلود ، لا يكتمل صباح الغراب إلا بسماع توبيخ صاحب الدكان الذي أخذ على عاتقه مسؤولية مساعدة السيدة ياقوت على طحن خاطر عيسى إلا أن هذا الأخير لا يهتم كثيرا لكلامه ، يسمح له بقول كل ما يريد ثم يحمل ما جاء لأجله و يعود ، لم يتجرأ العم ميلود يوما على جعل عيسى يرجع خائبا ، يوبخه بشدة و يهدده و في الأخير يعطيه كل ما يريد ، إنه يقدر ظروفه الصعبة علاوة على أنه يدرك أن الغراب سيسدد دينه بمجرد أن يتقاضى أول أجر ، هكذا عوده عيسى ... تناول الغراب فطوره البسيط و خرج آملا أن يحصل على عمل ما ، هو بحاجته هذه المرة أكثر من باقي الأيام الأخرى ، لا درهم في جيبه و الشهر بدأ يتهيأ للرحيل معلنا أن صاحب البيت سيطرق الباب قريبا و إن لم يحصل على ماله فصخب صراخه لا يقارن بصخب ياقوت أو ميلود ، إنه عجوز قاسي لا يجيد غير السب و الشتم و لا تهمه ظروف أحد ، كل ما يهمه الحصول على نقوده رأس كل شهر كاملة و عيسى يعي هذا جيدا ... بينما يجلس الغراب في مكانه المعهود ، وقف رجل مألوف لديه بسيارته الفلاحية التي يغطيها التراب ، إنه السيد عبدالسلام ، فلاح مشهور في المنطقة طالما اشتغل معه عيسى و دائما ما كان يدفع له ثمن مشقته و لم يحصل بينهما خلاف قط ، أخبره أنه يحتاج شخصا ليقوم بغرس ما يقارب مائتين وخمسين من شتلات الزيتون ، كما أخبره أنه لن يستطيع إيصاله كل مساء لذا سيكون ضيفه مادام لم ينتهي من إتمام المهمة ، و كعادته ؛ لا يرفض الغراب أي عمل كيفما كان نوعه ، لم يتناقش في التفاصيل و لم يسأل عن الدفع ، طلب شيء واحدا و هو أن يسمح له بإخبار أمه كي لا يشغل بالها ، رغم ثرثرتها لا أحد يمكنه القول أنها لا تحبه ، و هو أيضا لا يحب جعلها قلقة لأجله . عاد الغراب لبيته ليجد أمه تستعد للخروج أيضا : _ إلى أين ؟ _ طلبتني السيدة رقية ، سأساعدها في تنظيف الدار ، لكن لماذا عدت ؟ لاشك أن رجلا ثريا آخر أخبرك أنه سيشغلك في ضيعة كبيرة (صاخرة) ؟؟ _ سأغيب ليومين أو تلاثة ، سأذهب للعمل عند السيد عبدالسلام ، سأغرس له الكثير من شتلات الزيتون و لن أعود قبل أن أنتهي . _ حسنا ، اذهب و لا تأتي قبل أن تأخذ ثمن أثعابك كاملة ...