فصل خامس
الفصل الخامس: الصديق الشرطي
كانت ساكورا قد فقدت الإحساس بالزمن داخل أسوار القصر. أيام تمرّ كأنها ليالٍ طويلة، وليالٍ تنقضي كأنها سنوات من العزلة. لم يكن يسمح لها بالخروج، ولا حتى بفتح نافذة لترى الشارع. عالمها أصبح جدرانًا عالية، وأبوابًا تُقفل بالمفاتيح، وحراسًا بوجوه متجهمة.
لكن تلك الليلة تغيّر كل شيء.
بينما كانت ساكورا تجلس قرب النافذة الصغيرة العالية، سمعت فجأة صوتًا مألوفًا، صوتًا لم تسمعه منذ زفافها الأسود. همسٌ خافت اخترق السكون:
"ساكورا؟ هل تسمعينني؟"
شهقت بصدمة، التصقت بالجدار، ظنّت أنها تتوهم. أعادت النظر إلى الخارج، فرأت وجهًا تحت القناع، لكن العينين كانتا كفيلتين أن تفضحا صاحبه: هاروكي تاكيدا، صديق طفولتها، والشرطي الذي لطالما وعدها أن يحميها مهما حدث.
عيناه كانتا مليئتين بالقلق، لكنه رفع إصبعه لشفتيه طالبًا منها الصمت. ثم قال بصوت منخفض:
"لا تصدري أي صوت… أنا هنا من أجلك."
دموع ساكورا انهمرت دون أن تدري. لوهلة شعرت أن قلبها الذي تجمد خوفًا بدأ يخفق من جديد. مدت يدها المرتجفة نحو النافذة كأنها تريد لمسه، لكنه كان بعيدًا.
تابع هاروكي:
"كنت أبحث عنكِ منذ ليلة الزفاف. كل شيء كان غريبًا… اختفاؤكِ المفاجئ، صمت عائلتكِ. حتى الشرطة لا تجرؤ على التحقيق مع عائلة كاتسوما. لكنني لن أترككِ لهم."
ساكورا همست بصعوبة:
"لا تستطيع… إنهم سيقتلونك… إنه يراقب كل شيء."
لكن هاروكي ابتسم ابتسامة حزينة، وقال:
"أنا شرطي، اعتدت مواجهة الموت. لكني لا أستطيع أن أراكِ سجينة هكذا. لقد جئت الليلة لأرى بعينيكِ… لأتأكد أنكِ ما زلتِ حية."
في تلك اللحظة، فتح باب الغرفة فجأة. ارتجفت ساكورا وابتعدت عن النافذة بسرعة، بينما اختفى هاروكي في الظل. كان الحارس يدخل ليتفقدها، نظر إليها ببرود ثم خرج دون أن يشك بشيء.
ساكورا جلست على الأرض، أنفاسها متلاحقة. قلبها يخفق بقوة، وكلمات هاروكي تتردد في أذنيها: "لن أترككِ لهم."
تلك الليلة، ولأول مرة منذ دخولها القصر، لم تبكِ ساكورا خوفًا… بل بكت لأنها شعرت أن هناك أملاً صغيرًا ما زال حيًا في قلبها.
بعد أن خرج الحارس وأُغلق الباب الحديدي، عادت ساكورا مسرعة إلى النافذة، قلبها يخفق كطائر محاصر. همست بصوت مبحوح:
"هاروكي… هل ما زلت هنا؟"
فجاءها صوته من الظلام:
"أنا هنا… لا تقلقي. لقد كدت أن تُكشفي للتو. يجب أن تكوني أكثر حذرًا."
ساكورا وضعت يدها على فمها حتى لا يفضحها ارتجاف أنفاسها. دموعها انحدرت مجددًا وهي تهمس:
"لماذا جئت؟ إنهم سيقتلونك لو اكتشفوا أمرك. رينجي… لا يعرف الرحمة."
لكن هاروكي رفع رأسه نحوها، وعيناه تشعّان بإصرار:
"جئت لأنني وعدتكِ منذ كنا أطفالًا… أنني لن أترككِ وحدك. حتى لو كان خصمي هو الياكوزا نفسها."
تراجعت ساكورا خطوة للخلف، كأنها لا تصدق أنه يخاطر بحياته من أجلها. عادت صورتها كطفلة صغيرة تلعب بجانبه، يركض ليبعد عنها المتنمرين في المدرسة، يضحك وهو يقول: "سأكون الشرطي الذي يحميك دائمًا."
والآن… ها هو يقف تحت نافذتها، وفي عينيه نفس الوعد القديم.
سألته بارتجاف:
"هل… هل ستُنقذني؟"
تردد لحظة، ثم أجاب بحزم:
"سأفعل… لكن ليس الليلة. قصر كاتسوما مليء بالكاميرات والحراس. أي خطوة متهورة تعني موتنا معًا. لكنني أجمع الأدلة… وأحتاج مساعدتك."
ساكورا ارتعشت. لم تتخيل يومًا أن تصبح جزءًا من لعبة خطيرة بين القانون والياكوزا.
"كيف… أساعدك؟"
هاروكي ألقى نظرة سريعة حوله، ثم قال:
"راقبي رينجي. كل ما يقوله، كل ما يفعله، كل من يقابله… أي تفصيل قد يكون دليلًا. أنا سأجد طريقة لاستعادة حريتكِ، لكن أحتاجكِ قوية."
ساكورا شعرت أن صوتها يُخنق:
"أنا خائفة يا هاروكي… لا أستطيع احتمال المزيد."
عندها، ابتسم لها، ابتسامة صادقة كسرت برودة الليل:
"الخوف طبيعي… لكن تذكري، حتى الأزهار الهشة تقاوم العواصف لتزهر من جديد."
قبل أن تردّ، سمعا معًا أصوات خطوات تقترب من الممر. تجمدت ساكورا، بينما اختفى هاروكي بسرعة بين ظلال الحديقة.
دخل الحارس هذه المرة ومعه أحد رجال رينجي. نظر حوله، ثم إلى ساكورا، وغمغم بشك:
"كنتِ تتحدثين مع أحد؟"
ساكورا شهقت، جسدها ارتجف، لكنها أسرعت بالجواب:
"كلا… كنتُ… أدعو رب فقط."
الرجل ضيق عينيه، ثم غادر وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة.
حين انغلق الباب، ساكورا انهارت على الأرض، يديها تضغطان على صدرها لتوقف ارتجاف قلبها. عرفت أن ما حدث الليلة كان بداية شيء أخطر بكثير…
الآن، لم تعد فقط سجينة رينجي… بل أصبحت خيطًا رفيعًا في مواجهة بين الياكوزا و الشرطة.
بعد اختفاء هاروكي في الظلال، جلست ساكورا على حافة النافذة تتنفس بصعوبة، ويدها ترتجف وهي تتذكر كل كلمة قالها.
راقبي رينجي… كل تفصيل… كل حركة…
كان قلبها يئن تحت ثقل العبء الجديد. لم تعد مجرد عروس سجينة، بل أصبحت جاسوسة مضطرة داخل القصر، وكل خطوة فيها قد تكشفها أو تعرضها للخطر.
فجأة، شعرت بنظرة حادة تخترقها من الظلام البعيد.
رمت بعينيها باتجاه جناح رينجي، ورأت ظل رجل واقف عند شرفته الداخلية، عيناه تتبعان كل حركة في الحديقة.
كان يعرف شيئًا… أو على الأقل بدأ يلاحظ شيئًا.
ساكورا انسحبت بسرعة إلى الداخل، وغطّت النافذة بستار ثقيل، وكأنها تحاول أن تختفي من عيون رينجي التي صارت تهدد وجودها.
جلست على الأرض، تتنفس بعمق، وتكرر كلمات هاروكي في ذهنها:
ابقِ قوية… حتى الأزهار الهشة تقاوم العواصف لتزهر من جديد.
في تلك الليلة، نامت ساكورا على سريرها وهي تفكر بخطة صغيرة، أي خطوة صغيرة يمكن أن تساعد هاروكي على جمع الأدلة دون أن يشك رينجي.
لكن كل مرة تغلق عينيها، ترى وجهه البارد، يقترب، يراقب، يذكّرها بأنها لا تزال مجرد رمز في لعبة أكبر منها.
وبينما كانت تغفو أخيرًا، لم تدرك أن رينجي كان واقفًا خلف الستار الخفيف للنافذة، يتابعها في صمت، يراقب كل حركة لها، ويضع في ذهنه سؤالًا جديدًا:
ما الذي تخفيه هذه العروس الصغيرة؟ ولماذا يبدو قلبها أضعف مما كنت أظن… وفي نفس الوقت أكثر تحديًا؟
كانت هذه الليلة بداية صراع جديد، صراع بين الخوف والجرأة، القوة والضعف، الأسر والحرية…
صراع سيحدد مصير ساكورا، وحياتها داخل عالم الياكوزا، وربما قلب رينجي نفسه.