فصل الثالث
🥀 الفصل الثالث: قسوة رينجي
استيقظت ساكورا في الصباح الباكر على صوت طرق قوي على باب غرفتها الصغيرة.
فتحت الباب بخوف، لتجد إحدى الخادمات تنحني وتقول ببرود:
"السيد رينجي ينتظرك في قاعة الإفطار. أسرعي."
ارتدت كيمونو خفيفًا أعدته لها والدتها قبل أن تغادر، وحاولت أن تمسح آثار الدموع التي جفت على وجنتيها من ليلة الأمس.
بينما كانت تمشي عبر الممر الطويل، شعرت كأن كل خطوة تسحبها أكثر نحو قدر مجهول.
قاعة الإفطار كانت ضخمة، لكن باردة كقلب القصر نفسه.
جلس رينجي على رأس الطاولة، يقرأ جريدة مكتوبة بعناية، وفنجان قهوة بجانبه.
عندما دخلت، لم يرفع عينيه عنها، بل اكتفى بإشارة من يده لتجلس.
جلست بخجل، وحاولت مد يدها نحو وعاء الأرز، لكن صوته قاطعها:
"هل تعرفين قواعد المائدة هنا؟"
رفعت عينيها بخوف: "أ… أنا آسفة، لم…"
أنزل الجريدة فجأة، ونظر إليها نظرة حادة جعلت قلبها يتوقف.
"في عائلة كاتسوما، لا أحد يتكلم إلا إذا طُلب منه. لا أحد يمد يده قبل أن أبدأ. مفهوم؟"
تجمدت مكانها، ثم أومأت برأسها بصمت.
أكمل طعامه ببطء متعمد، كأنه يستمتع بتركها تنتظر جائعة.
كل دقيقة كانت تمر عليها كالعذاب، حتى انتهى من شرب قهوته ووضع الفنجان بقوة على الطاولة.
"الآن يمكنكِ أن تأكلي."
بعد الإفطار، طلب منها أن ترافقه إلى الحديقة الخلفية.
كانت الحديقة واسعة، مليئة بأشجار الكرز، وبركة ماء تعكس السماء الرمادية.
وقف أمامها، ويده خلف ظهره، وصوته منخفض لكنه قاطع:
"اسمعي جيدًا يا ساكورا. زواجنا ليس كما تتخيلينه. أنت هنا لأن عائلتك مدينة لنا. أنا لا أحبك، ولا أحتاجك. لكن وجودك بجانبي له معنى واحد فقط: أن تكوني رمزًا لانتصار عائلة كاتسوما."
ارتجفت، حاولت أن تجمع شجاعتها وقالت بصوت خافت:
"لكن… أنا لست سوى فتاة عادية… لم أختر هذا الزواج."
اقترب منها فجأة بخطوة سريعة، حتى شعرت بأنفاسه الحادة على وجهها.
أمسك بذقنها بقوة رفعها نحوه، حتى دمعت عيناها.
"لم تختاري؟ وهل تظنين أنني اخترت؟ نحن في عالم لا مكان فيه للخيارات، بل للأوامر. تذكري هذا جيدًا."
أفلت ذقنها بقسوة، فتراجعت خطوة إلى الوراء وهي تمسح دموعها بيد مرتجفة.
ابتسم بسخرية باردة:
"إن كنتِ تظنين أن دموعك ستؤثر فيّ، فأنتِ واهمة. أنا لا ألين… حتى لو بكيتِ حتى الموت."
في تلك اللحظة، دخل شقيقه تاكايا كاتسوما، رجل طويل القامة، ذو ملامح أكثر هدوءًا لكن عيناه تحملان غموضًا مزعجًا.
نظر إلى المشهد، ثم قال بابتسامة غامضة:
"أوه، يبدو أن عروسنا الجديدة تتعلم القواعد سريعًا."
رمقه رينجي بنظرة تحذيرية، ثم استدار مبتعدًا تاركًا ساكورا واقفة وحيدة في وسط الحديقة، قلبها يخفق كالطائر المحبوس.
كانت تلك أول مواجهة حقيقية مع قسوة رينجي… مواجهة علّمتها أن هذا الزواج لن يكون سوى معركة يومية بين ضعفها وبروده القاتل.
وقفت ساكورا في الحديقة والدموع تحرق عينيها، لكن لم تجرؤ أن تذرفها أمام رينجي.
كان الهواء باردًا، وأشجار الكرز تتمايل كأنها تراقب صراعها الداخلي.
اقترب تاكايا أكثر، يضع يديه خلف ظهره بوقار مصطنع، ثم انحنى قليلًا أمامها:
"أختي الصغيرة… لا بأس. سيعتاد قلبك على هذه الجدران مثلما اعتدنا جميعًا."
ابتسامته لم تكن مريحة، كانت أشبه بابتسامة ذئب يراقب فريسته.
رفعت ساكورا عينيها إليه، ولم تستطع الرد. كان صوته يحمل شيئًا مخيفًا، أخطر من قسوة رينجي، لأنه كان مُغلَّفًا بالهدوء.
رينجي التفت فجأة وقال بحدة:
"تاكايا، هذا يكفي. هي ليست للحديث، إنها فقط رمز… لا تنسَ ذلك."
ضحك تاكايا بهدوء، ثم تراجع خطوتين:
"بالطبع، أخي. لكن الرموز أحيانًا أجمل من الحقائق."
شعرت ساكورا بالاختناق، لم تفهم مقصده، لكن ارتجاف جسدها كان كافيًا ليكشف عن خوفها.
في طريق عودتها إلى جناحها، كانت خطواتها ثقيلة.
الخادمة التي رافقتها همست لها ببرود:
"إن أردتِ النجاة هنا، تعلّمي قاعدة واحدة… لا تثقي بأحد. لا بالسيد رينجي، ولا بالسيد تاكايا، ولا حتى بنفسك."
تجمدت ساكورا في مكانها للحظة، تنظر إلى الخادمة التي ابتعدت بسرعة، وكأنها لم تقل شيئًا.
دخلت غرفتها، أغلقت الباب خلفها، ثم سقطت على الأرض تضم ركبتيها وتبكي بصوت مكتوم.
كانت الدموع تنهمر على يديها المرتجفتين، وهي تهمس لنفسها:
"كيف يمكنني العيش هنا؟ أنا مجرد عروس… لكنني أشعر أنني سجينة."
في الخارج، جلس رينجي في مكتبه المظلم، يراجع ملفات وأرقامًا تخص أعمال العائلة.
لكن نظره تشتت نحو النافذة المطلة على جناحها.
لمح ضوء المصباح الصغير يتراقص، وتخيل للحظة دموعها خلف ذلك الضوء الخافت.
ضغط سيجارته في الطاولة حتى انطفأت، وهمس ببرود:
"لتبكي ما تشاء… سيأتي اليوم الذي ستتعلم فيه أن الدموع لا تنقذ أحدًا."
بهذا، انتهت أول مواجهة حقيقية بينهما:
هي… فتاة محطمة تبحث عن بصيص رحمة.
وهو… رجل يابوسي قلبه محاط بجدار من قسوة لا تنكسر.
لكن خلف هذا الجدار، كانت هناك شقوق صغيرة… شقوق ستغير مصيرهما يومًا ما.