الفصل الرابع: غرباء في بيت الغرباء
التمهيد:
"لا الجدران مألوفة، ولا الوجوه تحمل أمانًا... لكن سُهى كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط: أنّ عليها أن تصمد."
دخلت سُهى برفقة أخيها وسيم إلى بيت لم تعرف له شكلًا، ولا رائحة، ولا حتى لمسة دفء واحدة. بدا المكان فخمًا، واسعًا، مزينًا بذوق راقٍ، لكن البرد الذي سكن جدرانه لم يكن برد الشتاء… بل برود الأرواح التي تعيش فيه.
أخذ رائد بيده مفتاحًا ذهبيًا صغيرًا، وفتح بابًا جانبيًا في الطابق العلوي، ثم التفت نحو سُهى وقال بنبرة هادئة:
"هنا ستقيمين أنتِ ووسيم. الغرفة كبيرة، وبها كل ما تحتاجانه."
نظرت سُهى إلى أخيها، كان قد تشبث بثوبها كطفل خائف، وابتسمت رغم تعبها، قائلة له:
"لا تقلق، نحن معًا… وسنظل كذلك."
أغلقت الباب خلفها ببطء، واستدارت لتتأمل المكان: سريران منفصلان، نافذة عريضة تُطل على المدينة، خزانة ضخمة، وسجادة ناعمة بلون الكراميل. كل شيء كان جميلًا… لكنه لم يكن بيتًا. لم تكن تشعر بالأمان.
.
لم تمضِ سوى أيام قليلة على دخول سُهى ووَسيم إلى عالمٍ لم يشبها، عالمٌ تنزف فيه الأسرار من بين جدران المنازل كما تنزف الدماء في الظلام، حتى طرق رائد بابها ذات مساءٍ بنظرات مختلفة… نظرات تُشبه السكون الذي يسبق العاصفة.
وقف أمامها بصمته المعتاد، لكن عينيه كانتا تنطقان بأمرٍ غير مألوف. قال بصوت خافت:
— "هناك مهمة... ولأول مرة، ستكونين أنتِ فيها معي."
تردّدت للحظة. لم تكن قد اعتادت بعد على هذا العالم، لم تلتقط أنفاسها بعد من صدمة الانتقال، لكن قلبها لم يتراجع.
همس وسيم خلفها، وهو يُمسك بكفها الصغيرة:
— "كوني حذرة، أختي… لا أحب هذا الشعور."
أومأت سُهى، ثم التفتت إلى رائد وسألته بلهجة هادئة لكن حازمة:
— "ما المطلوب؟"
قال:
— "سنذهب إلى منطقة حدودية تُدعى المنحنى. هناك صفقة ضخمة من الكوكايين ستُهرّب الليلة، ولكن رئيس تلك المنطقة متشدد، ولا يُمكن خداعه بسهولة. مهمتكِ، يا سُهى… أن تقتربي منه."
سكت قليلًا، ثم أضاف:
— "ستشغلينه بالكلام، بالتقرب… بينما نأخذ ما نريد من المخزن الخلفي. تحتاجين إلى ثبات، وإلى ثقة."
شعرت بالخوف في داخلها، لكنه لم يظهر على ملامحها. كانت قد تمرّنت طوال حياتها على إخفاء الألم. تنفّست بعمق، ثم قالت:
— "أفهم… متى نتحرّك؟"
...
الليل كان ثقيلاً حين دخلت السيارة السوداء التي تقلّهم إلى "المنحنى". داخلها، جلس رائد على المقعد الأمامي يتحدّث عبر سماعة أذن مع رجاله، بينما كانت سُهى تراقب الطريق بصمت، ترتّب في ذهنها كلمات لم تقلها من قبل… خطة لم تُنفذها يومًا.
عند الوصول، نزلت بثوبٍ أسود طويل، عينيها العسليتين لمعتا تحت ضوء الشارع الخافت. تقدم الحراس نحوها، استوقفوها، ثم جاءه… رجل ضخم، يرتدي معطفًا من الجلد الرمادي، في عينيه قسوة الأرض كلها.
ابتسمت سُهى بخفّة، كما لقّنتها الحياة، ثم قالت بصوت ناعم:
— "أسمعتَ من قبل عن زوّار الليل؟ أنا إحداهم."
ضحك الرجل، ثم أفسح لها المجال. دخلت معه إلى الداخل، بينما تسللت الظلال خلف المستودع…
رائد، ورجاله، بدأوا تنفيذ الجزء الأخطر من الخطة.
...
في الداخل، كانت سُهى تحارب نفسها قبل أن تحارب الغرباء. كل دقيقة تمر، كلّ ابتسامة مزيفة كانت كالسيف على عنقها… لكن لم تكن لتتراجع.
أما في الخارج، فكان رائد يُخرج حمولات الكوكايين بسرعة صامتة، دقيقة تلو أخرى، بينما يراقب الوقت المتبقي حتى يكتشف الرئيس اللعبة.
...
هل ينجحون؟
هل سيشك الرجل في سُهى؟ وماذا لو ظهر وَسيم فجأة باكيًا يبحث عن شقيقته؟
أسئلة كثيرة تتطاير كالرصاص في الهواء…
لكن المؤكد الوحيد:
أنّ تلك الليلة، ستكون فاصلة بين سُهى القديمة… وسُهى التي لم تولد بعد.
الانتاج من: صفاء