الفصل الثالث: نحو المجهولط
كانت سُهى جالسة على المقعد المجاور له، نافذتها تعكس أضواء الشوارع المبتلّة بالمطر، وصوت المساحات يُغني نغمةً حزينة لا تنتمي إلى أي لحن تعرفه. يداها كانت ترتجفان فوق ركبتيها، وعقلها غارق في دوامة من الأسئلة التي لا تجد لها أجوبة.
هل كان صوابًا أن ترحل معه؟
أم أنها خطوة طائشة قد تُكلفها أكثر مما تحتمل؟
التفت رائد إليها من دون أن يبطئ القيادة، وقال بصوت هادئ لكنه عميق:
> "أعلم أنّكِ متوترة… العالم الذي نحن ذاهبان إليه ليس سهلاً."
"لكنني لا أعدكِ إلا بشيءٍ واحد: لن تكوني وحيدة مجددًا."
لم تردّ عليه، بل أطلقت نظرة سريعة نحوه، كأنها تحاول قراءة وجهه في الظلال. هل قالها صدقًا؟ أم هي مجرد كلمات خفيفة تُقال في مثل هذه المواقف؟ لم تستطع أن تُجيب.
وحده قلبها... كان ينبض بقوة.
استجمعت شجاعتها وقالت بصوت خافت:
> "كل ما أردته يومًا... هو أن أشعر أنني أنتمي."
"أن يكون لي مكان، حتى لو كان في أكثر الأماكن ظلمة."
توقف رائد فجأة عند إشارة حمراء، ثم التفت إليها هذه المرة بكل ملامحه، ونظر في عينيها العسليتين مباشرةً. قال:
"أفهمكِ أكثر مما تظنين. أنا أيضًا كنتُ مثلكِ يوماً... ضائع، مكسور، ومرميٌّ في الهامش."
"لكنني لم أمت. وجدت من يلتقطني قبل أن أسقط في الهاوية."
ثم ساد الصمت.
تلاشت الأصوات من حولهما، ولم يبقَ سوى صوت المطر… ونبضات تُشبه الغرق.
تمتمت سُهى في سرّها:
{ "أخشى أن أتحوّل إلى شيء لستُ أنا…"}
{"لكن... لعلّي لم أكن أنا من البداية."}
وعندما أضاءت الإشارة بالأخضر، انطلقت السيارة من جديد… لا نحو النهاية، بل نحو بداية جديدة تمامًا.
"بداية لا تشبه أي شيء عرفته من قبل."
"الفصل: العبور إلى العالم الآخر"
دخلت السيارة إلى مرآبٍ تحت الأرض، الباب الحديدي الضخم انفتح تلقائيًا كما لو أن المكان يملك عيونًا تراقبهم.
أضواء خافتة، كاميرات متوزعة على الجدران، وصمت… صمت يُرهِب أكثر مما يطمئن.
ترجل رائد أولًا، ثم استدار نحوها ومدّ يده لها.
نظرت إليه بتردد.
ثم نزلت دون أن تُمسكها.
كان المكان مختلفًا عن كل شيء رأته من قبل.
أشخاص يتحركون بصمت، لا أحد يبتسم، وكل شيء يبدو محسوبًا بدقة متناهية.
دخلت إلى بهو واسع، جدرانه سوداء تزينها شاشات مراقبة ضخمة، وعلى الجانب مكتب زجاجي يقف خلفه رجل ضخم الجثة، يُدعى "مالك".
عيناه رماديتان، وصوته أشبه بوثيقة تُقرأ في محكمة:
> "هي الفتاة؟"
أومأ رائد.
اقترب مالك منها وقال بنبرة حادة:
> "هنا، لا وجود للضعفاء. من يدخل عالمنا، يدفن تردده قبل أن يُدفن هو."
ثم التفت إلى رائد:
> "هي مسؤوليتك. أي خطأ منها… يُكتب باسمك."
شعرت سُهى برجفة تسري في ظهرها، لكن وجهها ظل جامدًا. لقد اعتادت على الخوف، ولكن هذا النوع منه… جديد.
أخذها رائد عبر ممر طويل، مضاء بضوء أحمر باهت، وكأن الجدران تهمس بالأسرار.
ثم دخل بها إلى غرفة واسعة تحتوي على:
أجهزة اتصال معقدة
جدران مغطاة بصور وأسماء
طاولة مستديرة حولها أربعة رجال، ينظرون نحوها بعيون تحليلية
أحدهم قال:
> "اسمك؟"
أجابت بثقة مترددة:
> "سُهى."
قال آخر:
> "هنا… لا أحد يُنادى باسمه الحقيقي. من الآن، لكِ اسم جديد."
نظر إلى رائد وسأله:
> "ما الاسم؟"
رائد رمقها بنظرة ثم قال:
> "لِنُسمها… ظل."
رفعت سُهى حاجبيها قليلًا، لكنها لم تعارض. الاسم بدا غريبًا، لكنه وصف تمامًا ما كانت عليه طوال حياتها… مجرد ظلّ
---
قوانين العالم الجديد
ثم وقف رائد أمامها، وقال لها بلهجة أكثر جدية من أي وقت مضى:
> "أول قاعدة: لا تثقي بأحد."
"ثاني قاعدة: لا تسألي عن شيء لا يعنيكِ."
"ثالث قاعدة: من يُخطئ، يُمحى."
"ورابع قاعدة… لا تتركي أخاكِ خلفك، لكن لا تجعليه نقطة ضعفك."
قالت بصوت خافت:
> "هل هذه حياة... أم حرب؟"
ابتسم :رائد ابتسامة صغيرة حزينة
> "إنها حياة... لكنها لا تعترف بالضعفاء."
الانتاج من: صفاء