الفصل 3
الفصل الثالث
كان قد أستشهد من قطاع غزة عامة ومدينة خان يونس خاصة المئات بعد أحتلال قطاع غزة في يونيو 1967 كما حدث في أحتلاله في 1956 وكان لأحد شوارع خانيونس الذي يقطن فيه جزء من عشيرة كبيرة نصيبا كبيرا من الشهداء الشباب المقاومين اذ دارت دوريات الصهاينة على منازلهم وأخرجت الشباب وأطلقت عليهم النار أمام ذويهم لأنهم من الثوار وبعد فترة وجيزة من الأحتلال ولد ثائر من أب وأم كبيرين في العمر ولم يكن للأب أبناء ذكور اذ أن أباءه الذكور كانوا يموتون بعد فترة من الولادة وكان له بنتان وكان قد استشهد كما ذكرنا الكثير من شباب الشارع ومنهم أبناء أخوات لثائر وأبناء أعمام وأخوال وأقارب . لذا فرح سكان الشارع بمولد ثائر اذ جاء بعد حزن وهم كثيرين وعلى رأيهم عوض أحدا من الذين استشهدوا وهذا من عادات العائلات الفلسطينية اذا توفي أحد وجاءهم بعد فترة مولود ذكر يقولون أن الله عوضنا خيرا عن الذي فقدناه . تربى ثائر في جو من الحزن والألم وضنك الحياة بسبب الأحتلال وبسبب الأحزان على الشهداء وكانت الأم مريضة ويزداد مرضها يوما بعد يوم اذ أنها لم تتمكن من أرضاع ثائر كما يجب وكان له أخت كبيرة من أمه وولدت بنتا قبل ميلاده بفترة فكانت ترضعه معها وكان الله سبحانه وتعالى يدر الحليب بكثرة لها اذ يكفي ابنتها ويكفيه ويزيد وهذا من كرم الله ونعمه على عباده . كان ثائر ذكيا لاينسى مايراه وهو مازال في سنوات عمره الأولى وكان ذا شخصية قوية وله ملكة القيادة فكان يقود الأطفال الذين في عمره أو أكبر منه عندما كانوا يلعبون في شارعهم أو الحقول الخاصة بهم . سجل ثائر في مدرسة أولية قبل التعليم الأساسي وعمره 4 سنوات وقد كان ذكيا كما ذكرنا لدرجة أن مدرسة الفصل كانت توكل اليه تعليم زملاءه في الفصل الدروس التي تشرحها لهم والذي كان يستوعبها فورا بعكس غالبية التلاميذ . أنهى ثائر سنتي الدراسة الأولية وأنتقل الى المدرسة الأساسية في الصف الأول وأشتد المرض على والدته وتوفيت وهو في بداية العام الدراسي وحزن عليها حزنا كثيرا لكن الله سبحانه وتعالى أنزل عليه السكينة والصبر وتولت تربيته زوجة أخ له من أمه وكذلك أخواته الكثر من أمه وكان ذكيا وبارزا في الصف الأول لدرجة أن مدرس الفصل أقترح على مدير المدرسة أن يكون هذا التلميذ في فصل أعلى لكن القوانين لاتسمح وقال مدير المدرسة بعد نهاية السنة الدراسية نرسل لمديرية التعليم كتابا نطلب فيه ذلك وفعلا كتب الكتاب ووافقت المديرية بشرط أجراء تقويم له في بداية العام الدراسي التالي وأبلغت أدارة المدرسة والد التلميذ أنه سيعقد له أختبار في بداية العام على مقررات الصف الثاني وان أجتازه بنحاح سينقل للصف الثالث وقد بلغ الوالد ابنه بذلك وفعلا بدأ ثائر يدرس موض عات الصف الثاني بمساعدة بعض ابناء أخواته الذين يفوقنه في العمر بسنوات وانهى في أجازة الصيف مقرري الصفين الثاني والثالث وفي بداية العام أبلغ والده أن ابنه مستعد لأجتياز أمتحانات مقرري الصفين الثاني والثالث وفعلا اجتازهما بامتياز وسجل في الصف الرابع وكان متقوقا على زملاء والذين أعمارهم تزيد عن عمره سنتان وحصل على الترتيب الأول على جميع طلاب الصف الرابع في مدرسته وجميع مدارس القطاع وأبدى رغبته في تقديم أمتحان مقرري الصفين الخامس والسادس في بداية العام الدراسي التالي ولكن لأن أمتحان الصف السادس أمتحان عام فلم يوافقوا له ألا على تقديم أمتحان الصف الخامس فقط وفعلا تقدم له وأجتازه بتفوق وسجل في الصف السادس وفي نهاية العام أجتاز الأمتحان بتفوق وكان الأول على جميع طلاب القطاع ونقل الى الصف الأول الأعدادي وعمره تسع سنوات فقط وأعمار أقرانه تبدأ من 12 سنه .
كانت مقاومة الأحتلال تزيد يوما بعد يوموكان ثائر قد عرف منذ أن كان عمره 6 سنوات معنى الأحتلال وماذا فعل الأحتلال ومافعله في المقاومين من أبناء وطنه وأغتياله لأبناء أخواته وأبناء أعمامه وأخواله وأقاربه وبدأ يفكر كيف سيثأر للشهداء والوطن وكان المقاومون كثر في كل القطاع وكان الكثر منهم في نفس الشارع الذي يقطن فيه ثائر، وهم أقاربه وكان أحيانا يجلس معهم ليستمع لأحاديثهم وكانوا في أول الأمر ينهوروه ولكن بعد الحاحه عليهم وطلبه من بعض أبناء أخواته أن يجلس معهم لأنه يعشق المقاومة وسيفني عمره فيها وقال لهم جربوني وكلفوني بعمل ما وراقبوني وأعاهد الله وأعاهدكم أن لا أفشي سرا، وفعلا جربوه في توصيل رسالة فارغة الى أحد زملاءهم وأوصلها بأمانه ولم يره أحد ولم يتحدث عن الأمر الى أحد وكرروا ذلك معه مرات الى أن وثقوا فيه وأصبح هو مراسلهم الوحيد الذي يثقون فيه وهو لازال عمره ثمان سنوات . أستمر في ذلك العمل في توصيل الرسائل وفي رصد تحركات دوريات الأحتلال سنتين كاملتين وكان يؤدي عمله على أفضل وجه وبعدها طلب منهم أن يعلموه على أستعمال السلاح فرفضوا في البداية بحجة أنه صغير وألح عليهم ولم يستجيبوا له ، وكان عند والده مسدس قديم منذ أيام مقاومة الأحتلال البريطاني وطلب من أبيه أن يعطيه أياه وفعلا لم يتوانى الأب وأخرج المسدس ونظفه وأعطاه أياه بعد أن علمه على أستخدامه وأبلغ أحد الشباب أنه أعطى ثائر مسدسه ، ويامل منهم أن يعطوه الفرصة ليثأر للشهداء من أبناء فلسطين ويسير على درب أجداده وأبيه وأعمامه وأخواله الذين كان لهم باع طويل في مقاومة الأحتلال الأنجليزي وقبله التركي وبعده الصهيوني . وفعلا دربه الشباب تدريبا وافيا على أستعمال المسدس وبعده الكلاكنشوف والقنابل اليدوية وزراعة العبوات الناسفة وأصبحوا يسطحبونه معهم في بعض العمليات زيادة في التدريب وليتأكدوا من قدرته وقوة تحمله وفعلا نجح بامتياز كما نجح في التعليم . وبدأ يشارك في عمليات رصد الدوريات وأبلاغ مجموعات المقاومة عن عدد أفراد الدورية وتسليحها ومكان تواجدها وأتجاه سيرها وبالتالي كان الثوار يتحركون حسب المعلومات التي وصلتهم من ثائر ويباغتون الدورية من عدة اتجاهات أما بأطلاق النار أو بالقاء القنابل أو زرع عبوات ناسفة حسب حالة الدورية هل هي راجلة أو مؤللة ونوع العربة التي يتحركون فيها وكانت غالبية العمليات تكون ناجحة وكانت قوات الأحتلال بعد العملية تحاصر المنطقة التي وقعت فيها العملية ويجرون عمليات تفتيش وبحث عن الثوار ولكن كانوا لايعثرون على شيء اذ كان الثوار بعد الأنتهاء من العملية ينتشرون في أماكن مختلفة بعيدة عن مكان العملية ولايوجد أي منهم في نفس المكان، وكان الثوار في الغالب يختاروا مواقع تنفيذ عملياتهم بعيدا عن التجمعات السكانية حتى لاتؤذي قوات الأحتلال السكان المدنيين بالتفتيش والتعذيب ، اذ كانت قوات الأحتلال تجمع الرجال في المنطقة التي تجري فيها عملية ما ويوقفونهم ساعات طويلة في الحر والبرد وكما كانوا يهينونهم بعبارات بذيئة أضافة الى أجبارهم على القيام بأعمال لا هدف من وراءها ألا الأذلال مثل تنظيف الشوارع ورفع القمامة أو دهان جدران مباني وغير ذلك ، لذلك كما قلنا كان الثوار يحاولون قدر الأمكان الأبتعاد عن المواقع الأهلة بالسكان وكانوا أحيانا يبلغون الشباب من سكان المنطقة التي يتحتم عليهم القيام بعملية فيها بضرورة مغادرة المنطقة لأنه سيكون هناك تفتيش للمنطقة بعد فترة وجيزة ، كما كان الثوار يبلغون السكان بضرورة التزود بحاجياتهم الضرورية اذ أن وقت الحصار ( الطوق حسب ماكان يسمى ) قد يمتد الى ساعات طويلة وأحيانا أيام . وكان ثائر في تلك الأثناء يتحرك بسهولة ودون عائق اذ كان لازال صبيا ولايشك فيه جنود الأحتلال وكان رغم ذلك يحتاط للأمر ولايعرض نفسه الى الأماكن التي يتواجد فيها الجنود أثناء التفتيش أو الطوق زيادة في الحذر عملا بالقول أعقلها وتوكل . كل الأعمال التي كان يقوم بها ثائر مع الثوار لم تكن تؤثر على مستواه الدراسي فكان دائما من المتفوقين وأستفاد مرة ثالثة في الأنتقال من الصف الأول أعدادي الى الصف الثالث الأعدادي وفي هذه الفترة وبعد وفاة والدته كان والده قد تزوج من سيدة أخرى وكانت للأسف لاتعامل ثائر معاملة حسنة ولذلك كما ذكرنا سابقا التي قامت بتربية ثائر زوجة أخيه وكانت سيدة فاضله تعامله كا ابن لها . ولقد أنجبت زوجة والد ثائر أبناء وبنات وكانت كل سنة تنجب طفلا وأنجبت خلال الفترة منذ عام 1973 الى عام 1978 خمسة أطفال ثلاثة أولاد وبنتان وقد مرض والد ثائر الذي كان يحبه ثائر حبا لاحدود له وهو كان يحب ثائر أيضا أكثر من جميع أنجاله سواء الذين أكبرمن ثائر او الأصغر من ثائر لأنه كان يعتبره الأبن الذكر الأول الذي رزقه الله أياه وكان في وقت كما ذكرنا فقدت فيه العشيرة كثيرا من الشهداء . لم تطل فترة مرض والد ثائر وتوفي وكان أبناءه من زوجته الأخيرةأطفال صغار أكبرهم عمره خمس سنوات ولم يترك لهم والدهم شيئا سوى رحمة الله وكان عمر ثائر أن ذاك 11 عاما ولم يجد بدا من أن يعمل بعد عودته من المدرسة ساعات ليوفر الى اخوته قوت يومهم ولم يكن عمله يؤثر على مستواه الدراسي ولاعلى عمله مع الثوار فلقد وهبه الله قدرة فائقة على تحمل المشاق وكان يحمع بين عمله بعد المدرسة وعمله في مراقبة قوات الأحتلال وأبلاغ التقارير للثوار فكانت المسافات قريبة ويستخدم دراجة هوائية في تنقلاته كان والده قد اشتراها له قبل وفاته . وبعد أن أنهى ثائر المرحلة الأعدادية وعمره 11 عاما اذ وفر 4 أعوام انتقل الى المرحلة الثانوية وكان كاهله مثقل بالدراسة وبالعمل لتوفير قوت اخوته الأطفال وعمله مع المقاومة كمرشد . وقد أعانه الله على أداء كل عمله وحافظ على تفوقه الدراسي وعمله مع الثوار وعمله من أجل أعالة أخوته وقد كان أخ له من أمه زوج السيدة التي ربت ثائر يساعده بما يستطيع في أعالة اخوته الصغار . ولم يستطع ثائر أن يوفر سنه دراسية في المرحلة الثانوية كما وفر في الأعدادية وأنهى دراسته الثانوية عام 1981 وحصل على معدل عالي يؤهله لدخول الجامعة وفعلا دخل الجامعة وتخصص في مادة الرياضيات التي كان متفوقا فيها اذ كان يحصل دائما على النهاية العظمى فيها . وكان أثناء دراسته الجامعية يعمل في فصل الصيف بكل طاقته ليوفر مصرفا الى أخوته وكان أخيه من أمه يوفر له مصروفه في فترة تواجده في الجامعة . وهذا لم يوقف عمله مع الثوار اذ تطور واصبح يقوم بعمليات نوعية مع الثوار داخل فلسطين المحتلة أناء فصل الصيف مثل حرق مزارع المستوطنين وتسميم المياه التي يسقون بها ماشيتهم أو أتلاف فرامل سياراتهم أومداهمة المستوطنين أثناء أحتفالاتهم برش مواد حارقة عليهم أو ألقاء قنابل يدوية على تجمعات الجنود وهم ينتظرون الحافلات وكانت رعاية الله دائما تحفظه والمجموعة التي معه ألا أنه كانت تحدث أحيانا بعض الأصابات في الثوار نتيجة أطلاق نار عليهم من الصهاينة بعد قيامهم بالعمليات ولكنهم كانوا بفضل الله ورعايته لايتركون مصابيهم و أنما يحملونهم على ظهورهم الى المكان المتواجدة فيه السيارة التي كانت تقلهم والتي كانت دائما تحمل اللوحة الصهيونية والذي كان يزودهم بها الفلسطينيون الموجودون داخل فلسطين المحتلة وكانوا يساعدونهم في توفير مايحتاجونه من مأكل وملبس وعتاد وأيواء وعلاج الجرحى وكل مايلزمهم .