عهد القلوب المنقرضة - الفصل الثالث - بقلم اشواق | روايتك

اسم الرواية: عهد القلوب المنقرضة
المؤلف / الكاتب: اشواق
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

❖ الفصل الثالث: على حافة الجنون ❖ الأيام مرّت ثقيلة، والمشفى صار سجنًا مغطى بجدران بيضاء ورائحة أدوية خانقة. كانت أشواق تمضي ساعاتها في صمت تام، ثم فجأة تنفجر بالحديث… ليس مع أحد، بل مع الفراغ الذي بجانبها. كانت تبتسم وتضحك بخفّة وهي تهمس: – عزيزي، هل تذكر أول نزهة لنا؟… ثم تعانق الهواء، وكأنها تضمّه. في يدها كانت دمية صغيرة، قديمة وبالية، لكنها تراها كأنها طفلها. كانت تهدهدها وتغني لها، ثم تضحك فجأة، وتبكي فجأة، في مزيج لا يفهمه أحد. الممرضون يراقبونها بحزن، والمرضى يشيحون بوجوههم، غير قادرين على النظر طويلًا. كانوا يعرفون أن ما فقدته لم يكن بسيطًا… بل كان كفيلًا بأن يسلب منها عقلها. ذات صباح، جلست أشواق في حديقة المشفى، تتحدث مع زوجها غير الموجود. كانت ترفع عينيها نحو السماء وتضحك، وكأنها ترى انعكاسه في الغيوم. لكن السكينة لم تدم طويلًا. اقترب منها رجل غريب، عابر ملامحه خبيثة، وقف أمامها بوقاحة. حاول أن يمد يده إليها متحرشًا، وهمس ببرود: – امرأة وحيدة… أرملة ضعيفة… لا أحد يحميكِ بعد اليوم. ارتجفت أشواق، ثم دفعت يده بعنف وصرخت: – ابتعد عني! زوجي هنا… سيحطمك إن لم ترحل! وعلى الفور، انطلقت خيالاتها. رأت زوجها يقف بجانبها، غاضبًا، ينهال على المتحرش بالضرب ليحميها. لكن صوت الرجل القاسي أعادها إلى أرض الواقع: – زوجك مات… وطفلك معه. استيقظي! أنتِ مجرد امرأة وحيدة مكسورة. كلماته اخترقت قلبها كسكين. شعرت بجدران الوهم تنهار من حولها، فمدّت يدها إلى جيبها المرتجف… وأخرجت مقصًا حادًا كانت تحتفظ به خلسة. صرخت وهي تطعنه بجنون: – انت كاذب! انت حقير! سقط الرجل أرضًا، غارقًا في دمائه، بينما كانت أشواق ترتجف فوقه. التفتت للهواء، مخاطبة زوجها الوهمي: – عزيزي… لماذا هذا الحقير لا يتحرك؟ أخبرني… ثم ابتسمت ابتسامة باردة، وأجابت نفسها بصوت مرتجف وكأنها تسمع رده: – لا تقلقي… إنه فقط مغمى عليه… أليس كذلك؟ كانت الدماء تنتشر تحت قدميها، والناس يتجمعون حولها، صرخات تملأ المكان، لكن أشواق كانت واقفة وسط كل ذلك المشهد الدموي… كأنها في مسرح عادي، غير مدركة لحقيقة ما ارتكبته. --- ❖الفصل الرابع: حـيـن يـخـتـلـط الـعـقـل بـالـجـنـون ❖ لم يمض وقت طويل حتى وصلت أصوات صفّارات الشرطة، تتعالى في أرجاء المكان حتى توقّفت قرب الحديقة. رجال بزيّهم الرسمي أسرعوا نحو المشهد، حيث كانت أشواق واقفة وسط بركة دماء، وجهها باهت وعيناها شاردتان كأنها ما زالت تعيش في عالمها الخاص. اقترب أحد الضباط منها بحذر وقال بصوت هادئ: ـ سيدتي… هل يمكنك أن تخبرينا بما حدث هنا؟ نظرت إليه أشواق ببراءة، ابتسمت ابتسامة مشوشة وأجابت: ـ لم أفعل شيئاً… زوجي هو من ضربه، لا أكثر… لقد حاول التحرش بي، وزوجي دافع عني. ساد صمت ثقيل بين رجال الشرطة، تبادلوا نظرات سريعة فيما بينهم، وأدركوا جميعاً أنهم أمام امرأة لم تعد تميّز الحقيقة من الوهم. لم يجرؤ أحدهم على توبيخها أو اتهامها، فالدموع التي علقت في طرف عينيها، والارتجاف في يديها، كانت أبلغ من أي دليل. اقترب الضابط الآخر وقال بنبرة هادئة: ـ لا تقلقي، لن يلومك أحد… لقد كان دفاعاً عن نفسك. ثم أشار لرجاله، وتم تسجيل الحادثة كحالة دفاع شرعي. أُغلقت القضية سريعاً، لكنهم لم يتركوها هكذا. فقد بدا واضحاً أن أشواق فقدت صوابها، وأن ما حدث لم يكن سوى بداية لانهيار أعمق. بعد أيام قليلة، تقرّر نقلها إلى مشفى خاص بالأمراض العقلية، لتخضع للعلاج تحت إشراف أطباء مختصّين. وهناك، بين جدران بيضاء صامتة، بدأت رحلة أشواق الجديدة… رحلة لم تكن تعرف إن كانت طريقاً للشفاء، أم بداية أخرى للغرق في ظلام أعظم. ---