الفصل السادس والثلاثين :
ربى كانت قاعدة في بيتها بعد ما رجعت من الشركة عند ناجد.
حاولت تجهّز لنفسها حاجة تاكلها قبل ما تذاكر كام محاضرة. من فترة وهي مش مركزة خالص في دراستها، مع إنها قبل كده كان هدفها الأول.
بس المرة دي قررت ترجع تدي لنفسها الأولوية، تعيد ترتيب حياتها.
مع ذلك، الحقيقة إن أولويتها دلوقتي كانت ناجد…
تحاول تحميه من مؤامرات هشام، اللي من يومين مختفي ومش باين في الصورة. وده زوّد إحساسها إنه بيخطط لِحاجة كبيرة.
الساعة عدّت تسعة بالليل.
وفجأة سمعت صوت المفتاح وهو بيفتح الباب.
قلبها وقع… ناجد!
هو جه؟ بعد اللي حصل ما بينهم!
سابت كل حاجة من إيدها وقربت ناحية الباب.
ماقالتش ولا كلمة، بس عينيها كانت كلها أسئلة.
"انت بتعمل إيه هنا؟"
ناجد لمح السؤال في نظرتها. الحقيقة هو نفسه مش عارف بيرجع لها كل مرة ليه، مع إنه زعق واتخانق معاها امبارح.
هو مش المفروض يبقى بعيد؟ طب ليه رجع تاني دلوقتي؟
حاول يخفي التردد جواه، وادعى الثقة، وقال كأنه ماسك حجة
"لقيت لسما شغل فقلت اطمنك"
أول حاجة ربى سألتها بحدة تخفي توتر وخوف
"شغل إيه بالظبط؟"
كانت بتسأل وهي متلبسة بالشك.
ناجد فهم قصدها، وفي أعماقه كان فرحان بغيرتها، بس أخفى ابتسامته وقال
"متقلقيش، شغل في الاستقبال."
ربى حسّت بالراحة في قلبها، بس بسرعة كبّرت دماغها وردّت كأنها مش فارق معاها
"هو أنا هقلق ليه؟ مجرد استفسار…"
وبعدين سألت
"هي عارفة؟"
ناجد هز راسه
"لأ، كنت هكلمها."
ربى بسرعة هتفت
"لأ، أنا اللي هقولها."
بص لها باستغراب
"ليه؟"
ارتبكت. هي جواها مش عايزة ناجد يكلم سما ولا يشوفها حتى، كانت حاسة إن سما مركزه معاه زيادة ولولا حبها لطنط رحمة مافكرتش تدخل .
لكن مش ممكن تقول حاجة زي دي.
فاكتفت تقول
"ماهو أنا اللي كنت عايزة اساعدها من الاول، مش إنت."
ناجد رفع حاجبه بدهشة، وكتم ضحكة كانت عايزة تفلت منه.
هو نفسه مش فاهم… إزاي لسه زعلان منها، وبرغم كده قادرة تضحكه بالطريقة دي؟
قطع لحظة الصمت دي لما مدّت ربى إيدها باستعجال.
هو بصلها ثواني، وبعدها طلع الموبايل من جيبه وادهولها.
وفي نفس اللحظة…
سما كانت في بيتها.
كانت واقفة في المطبخ بتجلي أطباق العشا بعد ما خلصت هي ومامتها الأكل.
وفجأة سمعت صوت أمها "رحمة" بتناديها من الصالة.
رحمة كانت متسطحة على الكنبة قدام التلفزيون، ملامح التعب واضحة جدًا على وشها.
رحمة من مكانها على الكنبة نادت
"سمااا… يا بنتي، تليفونك بيرن. تعالي شوفي مين!"
سما غسلت إيديها بسرعة في الحوض، مسحتهم في الفوطة، وخرجت تجري تشوف مين المتصل.
بصّت على الشاشة… اسم "ناجد".
اتسعت عينيها والابتسامة طلعت غصب عنها.
قلبها دق بسرعة، وأفكار كتير ملّت دماغها:
يمكن لسه فاكرها… يمكن ما اتخلاش عنها… يمكن بيرن مخصوص عشانها.
ردت بصوت مليان سرور
"ألو!"
لكن الفرحة وقفت فجأة، اتبدلت بتوتر.
الصوت اللي جه مش صوت ناجد… صوت ست.
سكتت لحظة، وبعدين استوعبت…
ده صوت ربى.
ربى بهدوء
"إزيك يا سما؟ عاملة إيه ؟"
سما اتلخبطت شوية، بس حاولت ما تبينش وقالت
"الحمد لله… إنتي كويسة؟"
ربى كملت كلامها:
"أنا تمام، بس حبيت أطمن عليكي… وبالمرة أقولك إن جوزي ناجد لقى لك شغل، في الاستقبال. ودي حاجة هتفيدك جدًا. "
وكملت حكت لها عن شوية تفاصيل ...
سما ابتسمت ابتسامة نص نص.
الفرحة مش كاملة… ماكانش ناجد اللي كلمها زي ما اتصورت.
بس على الأقل ارتاحت، أخيرًا لقت فرصة عمل.
"متشكرة أوي يا ربى… ربنا يخليكي."
سما رفعت عينيها ناحية أمها رحمة، اللي كانت قاعدة متشوقة تعرف مين المتصل.
بعد ثواني قالت سما
"ماما… ربى عايزة تكلمك لو فاضية."
رحمة اتفاجئت وسألتها
"مين؟"
سما وهي بتمد الموبايل
"ربى."
أول ما سمعت الاسم، عينيها لمعت ووشها نور
"الله! يا حبيبة قلبي… وحشتيني!"
ربى من الطرف التاني، صوتها كله حنية
"وحضرتك وحشاني أكتر يا طنط رحمة، إزيك؟ أخبارك إيه دلوقتي؟ والله بجد مفتقداكي، ونفسي أجيلك قريب اوي."
رحمة ابتسمت، والنبرة في صوتها مليانة محبة
"ده نورك يا بنتي، ده أنا اللي مفتقداك. ياريت تيجي، تنوري البيت ."
ناجد كان واقف من بعيد، بيراقب.
شايف مراته وهي ماسكة التليفون، ملامحها كلها صفا ونور.
بتتكلم مع طنط رحمة بلطف ودفء، كأنها ملاك.
وهو مش قادر يفهم…
إزاي الست دي، اللي شايفها دلوقتي ملاك قدامه، ممكن تخونه بالطريقة دي؟
حس بالوجع بيخبط في قلبه.
الاستياء رجع يسيطر عليه، الذكرى كسرت اللحظة الحلوة، فسحب نفسه ومشي بعيد، مش قادر يكمّل وقفته.
ربى كانت لسه بتكمل كلامها مع رحمة، كلام كله شوق واعتذار، بس عينيها في النص كانت متتبعة حركة ناجد… شايفة إنه انسحب من المكان، وقلبها اتقبض.
بعد دقايق ...
ربى بعد ما قفلت المكالمة، قلبها كان لسه بيرجّ من الكلام اللي حصل. عينيها لقطت ناجد واقف في البلكونة، سيجارة في إيده والدخان طالع حواليه. اترددت ثواني، حست بخوف خفيف من رد فعله خصوصا بعدما مشى فجأة وصارت عارفة إنه مزاجه مش تمام، بس مسكت نفسها وقالت "عندي حجة.. الهاتف."
مشت ناحيته بخطوات محسوبة، وهي بتحاول تبين هدوء مش حاساه جواها. وصلت له، مدت له الموبايل وقالت
"أنا خلصت، ممكن تاخده."
هو مد إيده وخده من غير ما يرفع عينيه من الأرض ولا حتى ينطق كلمة. اللحظة دي حسّت ربى إنها عايزة ترجع خطوتين لورا، بس غصب عنها لقت نفسها بتسأله
"ناجد.. انت جعان؟ أنا ماحضرتش حاجة كبيرة، بس ممكن ..."
قطع كلامها فجأة، صوته جاف
"لا.. أكلت خلاص."
عضت شفايفها، اكتفت بإيماءة صغيرة وسكتت. بعد ثواني، طلعت منها الجملة التانية بنبرة ألطف شوية
"ناجد.. ينفع تبطل تدخين؟ مش كويس لصحتك."
المفاجأة كانت في ردّه، ما رفعش حتى عينه، وقال ببرود تقيل
" سيبك من صحتي وادخلي لو مش عاجباكي الريحة."
الكلمة دي وقفت في حلقها، قلبها اتقبض، بس كبّت غضبها جواها. حاولت تتجاوز الموقف وقالت وهي بتلف ناحيته
"أنا داخلة.. بس كنت عايزة أعرف.. هتفضل واقف هنا كتير؟"
هي قصدها البلكونة عشان الجو برد، وهو كان مريض اليومين اللي فاتوا. لكن هو خدها بمعنى تاني، لف ليها ببطء، وعينيه فيها سخرية مرة
"ما تقلقيش.. مش هافضل هنا كتير. ولا انتي عايزاني أطلع؟ مش ده بيتك برضه؟"
ربى اتصدمت، عينها اتسعت وقالت بسرعة
"ده ماكانش قصدي!"
هو ضحك بسخرية وهو بيقول
"خلاص.. ماشي."
ولف عشان يمشي يعدي جنبها. هي وقتها، من غير ما تاخد بالها، مسكت دراعه بقوة خفيفة، وخلته يبص في عينيها. صوتها كان مليان حيرة حقيقية
"هو إيه مالك يا ناجد؟ ليه بتفسر كلامي زي ما انت عايز؟ ليه بتتعامل معايا على مزاجك؟ مرة بتكلمني ومرة بتكرهني؟"
شد دراعه بعصبية وقال بحدة متوترة
"أنا حر! أعمل اللي أنا عايزه."
دمها غلى، وقالت له وهي عايزة تفهم
"لأ! لازم تفهم نفسك الأول عشان أنا أفهمك. انت عايز إيه مني بالظبط؟ امبارح كلامك زي السم، ودلوقتي واقفلي بالبرود ده!"
هو رفع صوته، غضبه بان في عينيه
"عايزاني أعمل إيه يعني؟ آخدك بالأحضان؟!"
صرخت ربى من غير ما تحس
"يبقى طلّقني! لو كارهني كده، سايبني ليه معاك؟"
الكلمة دي كسرت حاجة جواه. تعصّب أكتر، صوته علا وهو بيقول
"أطلّقك؟! أول ما ألاقي قليل الشرف ده، هشام، ساعتها هتطلعي من حياتي! ومش عايز أشوف وشك تاني."
أكد كلامه مرة تانية، كأنه بيطعنها بالكلمة
"أول ما أمسكه.. هاطلقك. فهمتي؟!"
وسابها ومشي بخطوات غاضبة، الباب اتقفل وراه بعنف.
ربى وقفت مكانها، جسمها كله بقى تقيل، عينيها لمعت بالدموع اللي كابتاها بالعافية. حست إنها منهارة، وكل قوتها اتسحبت منها، لدرجة إنها اضطرت تسند على الحيطة عشان ما تقعش.
_______
في اليوم الموالي ...
ربى قضت صبحيتها في الجامعة. حاولت تركّز في المحاضرات، كتبت ملاحظات كتير، حتى ضحكت مع صاحبتها شوية عشان تهوّي عن قلبها، بس الحقيقة إن عقلها كان بيرجع لناجد كل شوية، والوجع لسه ماسك فيها. ومع كده أصرت تلهي نفسها، قالت يمكن المذاكرة تنسيها ولو لحظة.
أما في الشركة، كان الوضع غير…
ناجد دخل المبنى بخطوات تقيلة، ملامحه مشدودة، عينه مليانة غضب كأن في حرب جوا دماغه. "الوحش" اللي جواه كان طالع النهارده بقوة. ورا منه كان أيوب ومعاه راجل تاني من رجاله.
وفجأة سمع صوت ناداه ، صوت انثوي عذب
" ناجد!"
وقف مكانه، ورجالته وقفوا وراه.
لفّ وشه ببطء، وعيونه ضاقت أكتر.
كانت سما واقفة قدامه قريب من مكتب الاستقبال ببدلة رسمية بسيطة، شعرها معمول كعكة، ووشها منوّر بالحماس والامتنان. ابتسمت وقالت بنبرة مليانة سعادة
"أنا عايزة أشكرك من قلبي… أنا وماما بندعيلك كل يوم، لولاك ماكنتش لقيت الشغل ده "
اترددت لحظة، وبصت لأصابعها وهي بتلعب فيهم بعصبية وقالت بنبرة أهدى وذات مغزى
" كنت متأكدة إنك مش ممكن تسيبني أتعذّب…"
لكن رد ناجد جه بارد وقاطع
" ماعملتش حاجة… لو عايزة تشكري حد، اشكري ربى. هي اللي همّها أمركوا، خصوصًا امر طنط رحمة."
اتسعت عيون سما بصدمة صغيرة، كأنها ما كانتش متوقعة يرد عليها بالنبرة دي .
هو ما استناش ردها، كمل بصوت حاد ونبرة لاذعة وهو بيرفع حاجبه
" وبعدين ما تنسيش نفسك… إنتي هنا موظفة، مش أكتر. أنا السيد… أنا الباشا فراقبي الفاظك احسن "
رمى الكلمة في وشها وسابها، ومشى بخطوات تقيلة والرجالة وراه، وساب سما واقفة مكانها، ضحكتها اختفت، وبقت عينها تلمع بالخذلان والكسوف.
_______
المسا ...
زين كان واقف بالعربية قدام باب الجامعة الرئيسي. الجو كان ريح شوية ، والزحمة رايحة جاية، بس عينه كانت مركزة على باب الخروج.
السيجارة نصها اتحرقت بين صوابعه وهو بيفكر في كلام ناجد اللي زعقهوله قبل يومين
" المرة دي، يا زين، لو غلطت غلطة… مش هسامحك."
الكلمة دي نزلت زي السيف على رقبته، مخلياه واقف متحفّز، عينه مترقبة كل بنت طالعة.
يبص في وش كل واحدة ويقول في نفسه
" دي لأ… دي كمان مش هي… طيب فين المدام؟ اتأخرت ليه؟"
فضل مستني، لحد ما بدأ الشك ياكل في عقله
" يمكن راحت من باب تاني؟ لأ، مستحيل…"
لكن اللي ماكانش يعرفه زين إن في البوابة الخلفية الكابوس كان بيبدأ.
ربى، وهي خارجة من المحاضرة، قررت تمشي على طول للباب الرئيسي. كانت مرهقة شوية، شنطتها على كتفها، وبتجهز تمشي. فجأة بنت صغيرة، شكلها طالبة، وقفتها بابتسامة بريئة:
" حضرتك ربى؟"
"أيوه، تفضلي"
" في واحدة مستنياكي عند الباب الخلفي، قالت لي لازم تقابلك."
ربى وقفت لحظة، استغربت جدًا
" واحدة؟ أنهي واحدة؟ أنا مش مستنية حد."
" والله ماعرفش ، هي قالتلي بس أوصّلك الرسالة."
ربى اتنهدت وقالت لنفسها
"يمكن تبقى زميلة… أو واحدة شافتني. مش هخسر حاجة."
اتجهت بخطواتها ناحية الباب الخلفي. الجو هناك أهدى، مافيش زحمة، بس قلبها حس بحاجة مش مريحة.
في ثانية، قبل ما تستوعب أي حاجة، حاجة باردة مسّت جلدها… صاعق كهربا!
جسمها كله اتشنج، شهقة طلعت من صدرها، وبعدين وعيها اختفى، عينيها اتقلبت وسقطت.
اتنين رجالة كانوا واقفين مستنيينها بالظبط، لبسهم عادي جدًا، شدّوها بسرعة وحطوها جوه عربية سودا مزجّجة.
واحد منهم قال وهو بيقفل الباب بقوة
"خلصت يا باشا."
جوه العربية، هشام كان قاعد، نظراته كلها سمّ.
ابتسامة حقودة ظهرت على وشه وهو يبص على ربى المغمى عليها، شعرها واقع على وشها، ملامحها بريئة، لكنه شافها بشكل تاني خالص.
قرب منها وقال بنبرة كلها غضب مكبوت
" أخيرًا يا ربى… أخيرًا وقعتِ في إيدي."
ضحك ضحكة صغيرة وهو يكمل
"ياه… كنت فاكرك بتساعديني طلعتي بتخونيني انا ؟"
العربية اتحركت بسرعة من الباب الخلفي، والجامعة في وراها ما خدتش بالها من حاجة.
أما زين… لسه واقف قدام الباب الرئيسي، عينه بتدور في الناس اللي طالعة، قلبه بيقول في حاجة مش مظبوطة.
بص في الساعة، وبعدين مسح شعره لورا
"هو في إيه؟ ليه اتأخرت كده؟"
لكن الحقيقة… إن المدام ربى ماكانتش هتطلع من الباب ده تاني.