الفصل 47
كانت وقتها تصبرها وتحاول تخرجها من ألمها وهي تطلب منها تكون أقوى وتذكرها إنها فقدت أبوها من الصغر , الآن حست بمقدار ألم مشاعل , الآن عرفت المعنى الحقيقي للفقد , أبوها لمن فقدته كانت صغيرة , صح ياما بكت وتألمت و اشتاقت لكن مو زي ألمها الآن , تذكرت كلماتها وهي تقول من وسط دموعها (( الكلام سهل يا أزهار لكن تطبيقه صعب )) ضمت البرواز وهي تقول بصوت مخنوق : والله صعب يا مشاعل , ياليتني أقدر أرجع لسنوات على ورى وأضمك ضمة واحد فاهم إحساسك ذاك الوقت ..
كملت شغلها وهي تدعي ربها تجتمع فيها في أقرب فرصة ...
: عممور , عموووور ..
شهق وهو يفتح عيونه , ابتسمت وقالت : آسفة حبيبي أزعجتك , بس أذن الفجر ..
فتح عيونه يبغى يستوعب ومسح وجهه وطالع في ساعته , انتبه إنه مغطى بلحاف ومتمدد على الكنبة وتحت راسه مخده , قالت : صلي العشاء , تراك ما قمت , حتى موية رشيت عليك لكنك في عالم آخر ..
استغفر وهو يقوم , و انصدم لمن لقي كراتين عند الممر وسريرين ساده الطريق , قالت وهي تأشر عليها : هذي تبرع بها كرتونين ملابس أمي وكرتون ثياب عامر وعمير وملابسهم الرياضية والكرتون الصغير فيه كتب عمار وقصص عمير يفضل إننا نتصدق بها كمان والأكياس السوداء فيها أوراق عمار وخطبه ومحاضراته يبغالها حرق عشان فيها اسم الله ..
قال بصدمة : انتي تنظفين من المغرب ؟؟
ابتسمت وقالت بفرح : خلاص ما بقي إلا المطبخ وغسيل الملابس ..
سحبته لغرفة أمها وقالت : تعال شوف غرفتك ..
تبعها وهو يحاول يطرد النوم من عيونه , انبهر لمن شاف مكتبه وأشياءه كلها في غرفة أمه الواسعة واللي تغير ديكورها بسبب تغير الأشياء , الشيئين الوحيدين اللي دله إنها غرفة أمه هو السرير اللي فرشته بفراش نظيف وحطت عليه مخداته المفضله , ودولاب الملابس , لف عليها وسأل بحيرة : و انتي ؟؟
قالت وهي تسحبه : أنا أخذت غرفتكم لأنها أصغر ..
كانت حاطة سرير واحد من أسرتهم ومكتبها و مجمعة كل أشياءها الخاصة في ركن وغرفة عمار الخاصة مفرغتها تماما , لف وطاااااااالع فيها وبعدين مسح على شعرها وقال : الله يقويك , حقيقة يا أزهار ......
وسكت طويل بعدين همس بصوت حاول يخليه ثابت : أنا سجدت لربي سجداااااااات شكر لأنك رجعتيلي , البيت من دونك ما كان له طعم ..
ابتسمت وضمته وهي تقول بتريقه عشان تغطي على دموعها اللي بتهزمها وتنزل : يا ناسو انته يا قلبو ماما أزهار ..
دفها وهو يقول بمزح : فكيني بأروح أصلي ..
ضحكت وهي تضمه أكثر وتقول بصوت مخنوق : ما أبغى ..
قال بحزم : أزهار الصلاة ..
لكنها ما سابته بالعكس زادت من قوة احتضانها وهي تدفن وجهها في كتفه , زفر و لف يدينه حولينها و ضممممممها وهو يهمس بصوت حنون : نفسي يرجع عمار عشان أقول له , بنتك وحبيبتك أزهار اللي ربيتها كانت قوييييييية زي ما كنت تتوقع ..
ولمن حس بأظافرها تنغرز في ظهره من كثر الألم , مسد ظهرها وهو يكمل : راحوا للي أرحم مني ومنك يا أزهار , راحوا للي أرحم مني ومنك ..
بعدت عنه بعد فترة وقالت بمرح : شكرا , يلا الصلاة , انتهت مهمتك هنا ..
ضحك وقال بتريقة : يــــمــــه على بالي قاعدة تصيحين ..
ابتسمت وقالت بصدق : عندي عمر قلبي وأصيح ...
كان شايف دموعها الحبيسة داخل عيونها ومعجب بقوتها اللي خلتها تحبسها وما تطاوعها وتذرفها ...
حط يده على شعرها ومسحه بعنف , قالت وهي تضرب يده : آآآآآآي عورتني وفرقعته ..
: هو أصلا مفرقع وشعافله واصل السقف ..
: عمــــــر ...
: بروح الصلااااااااااااة ..
: أوريك لمن ترجع ...
************************
بعد 16 يوم :
عصر يوم الأربعاء 19 / 4 / 1428 هـ
في الشقة :
: أزهااااااار ..
خرجت من المطبخ وقالت : خيييييير سيد عمر..
قال وهو يأشر على الملاعق والعيش اللي على السفرة : تراك سقطتي بي اش هذا , ملاعق وعيش من غير أكل ..
قالت وهي تحرك المغرفة في الهوا : اش تبغاني أسوي , انت اللي تأخرت وخليت الأكل يبرد , تبغاني أغرفه بارد ترى ما عندي أي إشكال ..
حك شعره المبلل من الترواشة وقال : ما توقعت إنه لي ساعة في الحمام ..
رفعت يدينها وقالت قبل ما تدخل المطبخ : يا ااااااارب ترحم منى مرة عمر يا رب ..
ابتسم وهو يلعب في الملعقة اللي طاحت من يده لمن انتبه لكلامها وسأل : منى مييييييييييين ؟؟
ضحكت أزهار وقالت بصوت ممطوط عالي من داخل المطبخ : مــنـــى بنت جارنا العزيز سامي , يعني يعني ما أعرفها ..
قال بحيرة : و مين جابلك سيرتها ؟؟ أنا قيد نطقت اسمها على لساني , أصلا أول مرة أدري إنه أبو صلاح عنده بنت اسمها منى ..
خرجت راسها من عند الباب و رسمت ابتسامة معجون أسنان وهي تقول : هذاك عرفت , من بعد ماماتي الله يرحمها أنا المسؤولة الأولى عن اختيار زوجة المستقبل ..
ورجعت دخلت المطبخ , قال بصوت عالي : الله يستر ..
غرفت الأكل وخرجت لقيته مسرح , قالت : هيييييييي على وين وصلنا ؟؟
قال بتريقة : عند بيت الجيران ..
قهقهت أزهار من قلبها وقالت : سم بالله وكل ..
وهو ياكل قالت : شوف يا حبيبي , منى هذي وحيدة أبوها وأمها , أصغر منك بسنتين , سنة ثالث كلية قسم لغة عربية , طيوووووبة وأخلاق وشكلها نعوم , أمي الله يرحمها كانت تحبها وتحب أمها , صراحة أحسها لايقة عليك ..
لف عليها وقال بصدمة : دحين انتي من جدك تتكلمين ؟؟
قالت وهي تحط يدينها على خصرها : لا من عمي , لو ماكنت جادة ماكان فتحت الموضوع ..
رفع حواجبه وقال بتريقة وهو يرجع للأكل : ومنى هذي جالسة تستنى اشارة من يدي عشان توافق ..
زفرت وقالت : عمر لا تتريق , اش اللي يخليها ترفض ؟؟ شاب ملتزم وطيب وعنده وظيفة وراتب زين , والشقة جاهزة وقدام باب أهلها كمان اش تبغى البنت أكثر من كذا ..
قال بهدوء : إذا انتي قنوعة براتب 3500 لا تحسبين الناس كلها زيك , فكري بالعقل 3500 ما تفتح بيت هالأيام ..
قالت بعصبية : والله تفتح , إذا انت مدبر فلوسك وحرمتك قنوعة بالشي المعقول تكفيكم الفلوس بزيادة ربنا يقول (( نحن نرزقهم وإياكم )) والله صدقني ربي بيبارك في فلوسك إذا كملت نص دينك , بعدين أنا ما أتكلم من فراغ , صح في فرق 5 سنوات بيني وبين منى لكنها صحبتي ومعاشرتها , ما شاء الله عليها إنسانة قنوعة ..
سألها بحزم : انتي دحين تتكلمين معايا عن جوازي وناسية موضوعك المعلق انتي وجاسم , إلى متى بتماطلين وتلتزمين الصمت على هالموضوع ؟؟..
من سمعت اسمه حست بمشاعر متضاربة فضيعة , كمل بحزم : ومطلق يقول ضروري يشوفك , تراك تهربتي من جلستين إلى الآن ..
دارت مشاعرها المتضاربة وقالت وهي تخرج ورقة وآلة حاسبة وقلم من جيبها : انسى موضوعي , شوف إذا جمعنا فلوس التعويض مع الفلوس اللي في حسابك واللي في حساب التوفير اللي سواه عمار وأضفنا عليها الفلوس اللي حنطلبها من مشروع مساعدة تزويج الشباب وعلى فكرة أنا اتصلت عليهم وقالوا لي إنك مطابق للمواصفات وإنه تقدر تاخذ المساعدة المالية , وجمعنا معاها فلوس ذهبي بتطلع تقريبا تقريبا , قول ما شاء الله ..
طالع فيها بصدمة وقال : اتصلتي عليهم , متى مداك تسوين هذا كله ؟؟..
ابتسمت وهي تطقطق على الآلة الحاسبة وقالت : قول ما شاء الله , بتطلع 90 ألف ..
وابتسمت وهي تقول بحماس : بسم الله ما شاء الله ............ شوف ..
وقامت تكتب في الورقة : 30 للمهر , و 25 يادوب تزبط فيها البيت وتغير الأثاث شاملة الحركتات حلوة من بوية وغيرها , و 15 الله يعينك انت و اياها تشترون سيارة مستعملة تمشون فيها حالكم إلين تجيكم فلوس وتشترون وحدة جديدة , و الـ20 الباقية حق استراحة حلوة والعشا , وإذا قلنا إنك جمعت 9 من أصحابك على جمعية بـ 500 ريال في الشهر بتطلع لك 5000 ريال كاش تمشي فيها البنت في ربوع الطايف والجنوب , صح ال 5000 ما تسوي شي بس اسم إنه , شي أحسن من لا شي ..
تأملها وهو يقول بتعجب : مداك تسوين هذا كله وتفكرين بهذا كله ..
لفت عليه وقالت : اش أسوي ولدي ولازم أدور على راحته واستقراره !! شوف حبيب أزهار , أنا لا يمكن أرتاح قبل ما أشوفك مستقر مع بنت الحلال اللي بترعاك وتداريك وتطبخ لك وتغسلك وتحطك في عيونها , إذا من جد تبغاني أشوف حياتي , شوف حياتك ..
كان وده يضمها لكنه عرف إنها حتبدأ مناحة حاربتها وقاومتها طويييييييييل , الأيام اللي مرت عليهم كانت فيها مثااااااال للهدوء والقوة , لكنه كان عارف دواخلها , كان حاس بأوجاعها وآلامها , كان يشوف دموعها الحبيسة وسط ابتسامتها العريضة , همس وهو يطالع في ابتسامتها العريضة : الله لا يحرمني منك ..
حمرت خدودها من الخجل وهي تضربه على كتفه وتقول بتريقة عشان يروح الخجل عنها : طبعا تقولها دحين مو جبتلك عروس الهنا ..
ضحك وقال بتريقة مقصودة : الله يعينك يا جاسم على خبالها ..
كان وده يدخل داخل عقلها ويسمع أفكارها عن جاسم , حطت يدينها على خصرها وقالت : نـــــعــــــم سيد عمر ..
: ماقلنا شــــــــي , لا تنسين بكرة إن شاء الله بنروح لبيت أبو جاسم بعد العشاء , عازمنا على العشا ..
حست بفرح ممزوج برهبة , ما تنكر إنها اشتاقت لهم كلهم , أبوها وأمها وحنانهم الفياض , الهنوف وابتسامتها , العنود وخبالها حتى لسان البندري السليط اشتاقت له , لكنها خايفة من ردة فعلها بعد ما توصل البيت , كيف حتقابلهم ؟؟ وكيف حيستقبلونها بعد هالغياب كله ؟؟ هي حتى اتصال ما اتصلت عليهم , هدى كانت تتصل عليها كل يومين عشان تتطمن عليها وحريصة إنه محد من بناتها يكون عندها عشان ما يصرون يكلمونها ..