فصل الثاني
الفصل الثاني: الاستجواب
مع أول خيوط الفجر، كانت سماء طوكيو ما تزال رمادية، تتساقط منها قطرات المطر كأنها ترفض التوقف عن البكاء على ما جرى.
في الطابق الخامس من مركز الشرطة الجنائية بطوكيو، جلس المحقق كينجي ساتو في غرفة الاستجواب، يراجع ملفات الضحية بعناية.
ميكا فوجيمورا لم تكن صحفية عادية. ملفاتها مليئة بتحقيقات جريئة: فضائح شركات أدوية، قضايا غسل أموال، وشبكات سياسية مظلمة.
لكن ملفها الأخير هو الأكثر خطورة، حيث كانت تحقق في شركة تكنولوجيا كبرى يمتلكها رجل الأعمال المعروف هاروكي ياماموتو.
دخل هاروكي الغرفة بهدوء، مرتديًا بدلة رمادية أنيقة، يرافقه محاميه الخاص.
جلس أمام كينجي بثقة غريبة، عينيه ثابتتان كأنه جاء لمقابلة عمل لا للتحقيق في جريمة قتل.
ابتسم كينجي ابتسامة باردة وقال:
"سيد ياماموتو، أشكرك على حضورك طوعًا… لن نأخذ الكثير من وقتك، فقط بعض الأسئلة البسيطة."
أجابه هاروكي بنبرة هادئة:
"أنا رجل قانوني يا محقق ساتو، وأعرف حقوقي. تفضل، اسأل ما تشاء."
فتح كينجي الملف ووضع صورة مسرح الجريمة أمامه:
"الضحية ميكا فوجيمورا… هل كنت تعرفها؟"
هاروكي تظاهر بالتفكير لثوانٍ ثم قال:
"لا، لم ألتقِ بها أبدًا."
هنا تدخّل المحامي بسرعة:
"موكلي رجل مشغول، يقود واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في اليابان، من المستحيل أن يختلط بالصحفيين المغمورين."
ضحك كينجي ساخرًا وهو يقلب ورقة أخرى:
"صحفية مغمورة؟… غريب. لأننا وجدنا بصمات موكلك على هاتفها وعلى كوب قهوة داخل شقتها."
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يرد هاروكي بهدوء شديد:
"بصماتي؟… هذا مستحيل. لم تطأ قدمي تلك الشقة قط."
رفع كينجي حاجبه قائلًا:
"إذن كيف تفسر وجودها؟"
تنهد هاروكي وأجاب ببطء:
"ربما… تم تلفيق الأدلة. أنت تعرف يا محقق ساتو، خصومي كُثر."
كانت نظرة كينجي حادة، كأنه يحاول اختراق جدار الصمت في عقل هاروكي.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: هذا الرجل لا يتحدث بسهولة.
بعد ساعة من الاستجواب، خرج هاروكي من الغرفة حرًا، لكن مع أمر رسمي بعدم مغادرة طوكيو.
ظل كينجي جالسًا، يراقب الورق أمامه. كان يشعر أن القضية أكبر بكثير من مجرد رجل أعمال وضحية صحفية.
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت القاضية آيا كوباياشي تتلقى اتصالًا عاجلًا.
صوت المدعي العام ريوهي تاناكا بدا صارمًا:
"آيا، القضية انتشرت في الإعلام بشكل مخيف. أريدك أن تكوني مستعدة… هذه الجريمة ستُعرض أمام محكمتك قريبًا."
أغلقت الهاتف وهي تحدق من نافذة مكتبها نحو المطر المتساقط.
في قلبها، شعرت أن العدالة ستدخل امتحانًا عسيرًا، وأنها ستقف في مواجهة قوى لا ترحم.
في نفس الليلة، جلس المحامي الشاب دايسكي موريموتو في مكتبه المتواضع، يتفحص الأخبار.
لم يكن يصدق عينيه حين تلقى مكالمة من مكتب المحكمة تخبره أنه سيتولى الدفاع عن رجل الأعمال هاروكي في هذه القضية.
تجمد في مكانه، قلبه يخفق بسرعة:
"أنا؟ في قضية بهذا الحجم؟"
لكن سرعان ما ارتسمت على وجهه ابتسامة خجولة، ممزوجة بالخوف والطموح.
لقد بدأ خيط اللعبة يُحاك، ولن يكون الهروب خيارًا.
بين قاعات الاستجواب، وأروقة المحاكم، وعدسات الإعلام المتعطشة… بدأت جريمة غامضة تتحول إلى قضية رأي عام، قضية ستهز اليابان من جذورها.