الفصل 30
طالع عدنان من جوة السيارة في ظهر جاسم اللي جالس فوق الكبوت ويطالع في البحر , اخترق ظلام السيارة وصمتها نور الجوال المحطوط على صامت وصوت اهتزازه المزعج , رفعه وشاف اسم الوالد , زفر وخرج من السيارة ومد يده بالجوال وهو يقول : جاسم ما صارت أبوك يدق له ربع ساعة ..
سحب منه الجوال ورماه بطول يده في البحر , حك عدنان شعره وقال بمزح يبغى يخفف عنه : ياخي لو ما كنت تبغاه كان أعطيتني اياه , حرام جديد ..
ولمن جاوبه الصمت , زفر و جلس جنب جاسم بصمت , ما كان يلومه على جموده وغضبه وصمته , اللي صار مو شي بسيط , قلبه إلا الآن يدق بقوة كل ما تذكر دخلة عم أحمد عليهم في المجلس والصفعة القوية اللي وجهها لخد ولده البكر وهو يصرخ فيه إنه ما ربى رجال بعضلات عشان يفردها على الحريم , هو كان خايف لحظتها من ردة فعل جاسم ومن كون المضروبة هي العنود , وارتاح جزئيا لمن حنى جاسم راسه بأدب إلين خرج أبوه بسرعة زي ما دخل وعلى طول لف عنه وسحب جواله وخرج من المجلس , وهو لحقه وركب معاه في اللحظة الأخيرة وهو مازال خايف إنه صمت جاسم عن المشكلة سببه اكتشافه للي صار من العنود قال بعد تردد وهو يطالع في البحر وصوت موجه يبعث السكينة للواحد : جاسم صدقني أبوك ما قصد شي بالصفعة اللي صفعك إياها إلا إنه يعلمك إنه مد اليد على الحرمه جبن مو شجاعة ..
ولمن شافه ساكت وعيونه مثبته على الأفق قال : جاسم أ..
قاطعه جاسم وهو يقول : ليش فوت رحلتك للرياض ؟؟ ضيعت إجازتك كلها هنا ..
ابتسم وقال : ولو أبو أحمد , أروح الرياض و أسيبك في هالوضع , لا تشيل هم اتصلت على الأهل و قلتلهم صارت ظروف وما أقدر أجيهم هذي اليومين ..
وضحك وكمل : عارف اني غثيث ولصقة , الله يعينك علي ..
جاسم ما قدر يفتح فمه ويتكلم لكنه بداخله كان شاكر لعدنان من الأعماق إنه ما راح وجلس معاه ووقف معاه رغم كونه زعلان عليه ومحاربه حرب باردة من يوم ليلى , صح إنه صفعة أبوه له وقدام صاحبه اهانة و جرح كبيييييير ما يبغى أحد يشهده ولا يمكن ينساه طول حياته لكنه كان محتاج وجود شخص منصت صامت زي عدنان , أبوه اللي ما عمره في حياته عاقبه حتى وهو صغير ضربه عشان أزهار , تذكر عنادها وقوتها رغم الوضع اللي شافها عليه , كلامها ولمعة عيونها رغم كل الألم اللي كانت فيه ~ أي بنت هذي ؟؟ فكرت بعشرين بنت تخطبها ليه , هي أصلا تتذكر أحد عشان تحط في بالها مين بتخطبلي , أنا أصلا متزوجها الهبلة ومن حظي اللي يفلق الصخر تطلع زوجتي تحب ولد عمي ~ استغرب إنه صار في تفكيره الآن يعتبرها زوجته وهو من أول يعتبرها مجرد غريــــبـــه لا أخت ولا زوجة ولا حتى لها أي علاقه فيه , كان معتبرها زي سيتي و نور وخديجة , وجودها في بيت أهله حتمي لكن بلا مشاعر يكنها لها , بشكل مبسط مجرد إنسانة طفيلية لازم ما تاخذ من تفكيره حيز ولا تشغله للحظة , حتى وهو في الشرقية ما حاول يفكر فيها أكثر من دقيقتين , ما عمره سأل عنها لمن كان يكلم أمه وما عمره اهتم بأخبارها اللي تنقلها له العنود أو وحده من أخواته لمن تكلمه بالعكس كان يسكتهم وهو يقول لهم إنه ماله دخل فيها , ليه الآن صار يفكر بها كزوجة ؟؟ ولمن استرجع كلامها قال بداخله بسخرية ~ لا و مفتخرة فيني ست الحسن والجمال , هي تعرفني عشان تفتخر , والله البنت هذه بتجيب لي الجنان , تحب عبد الرحمن , متى مداها تعرفه ؟؟ مالها شهرين البنت عندنا , وفاقدة ذاكرتها وتحبه , والله إنها مصيبة , قلت لأبوية ما تدري كيف طباعها قال لا أنا وأنا , أهي واقفة بكل جرأة قدام غرفة نومه وتقول إنها تبغاه يخطبها وهو ..... ~ حس بدمه يفور وهو يتذكر عبد الرحمن وهو يطردها بكل وقاحة ~ زوجتييييييي تحب ولد عمي وواقفة تستجديه قدام غرفته وهو يطردها وقدااااااااام عيوني كمان , اش سخرية القدر هذي , حاطه نفسها شريفة وهي تقول ... أفففففف أنا ليش قاعد أتذكر كلامها الأهبل كل شوية وأفكر فيها , خلها تولي الحيوانة الحقيرة , والله لا أأدبها بنت الكلب ~ حس قلبه جمره من كثر القهر و الغيض والمشاعر المتضاربة بداخله ...
***********************
وقف صاحبه السيارة قدام باب الفيلا وقال : هذا هو العنوان ..
طالع عمر في الفيلا وقال قبل مايخرج : جزاك الله خير ياأبو أمجد , سامحنا تعبناك ..
ضربه أبو أمجد على كتفه وقال : ماسوينا شي ياعمر , الله يوفقك وين ماكنت , لا بغيتني اتصل ..
بعد ما ودعه وقف عمر متردد وهو يطالع في سور الفيلا الفخم اللي له رصيف مزروع بنجيلة ونخل و غصب عنه حس بخوف غريب وهو يفكر بسكانه وإنه أزهار عايشة وسطهم فوق الشهرين , دق جرس الباب ووقف يستنى , فتح الباب إندونيسي قال : تفضل , تفضل ..
دخل عمر وهو يسلم , وشاف أحمد جاي بوابة جانبية وهو يقول : حياك الله , حياك الله ..
مد عمر يده ومن لمست يده يد الرجال اللي رعى أخته حس بقلبه يرتجف , غصب عنه سلم على راسه وضمه بقووووة , قال أحمد وهو يطبطب عليه بحنان : حمد لله على سلامتك ياعمر , الحمد لله ياولدي ..
شد عمر يدينه على أحمد وهو يزيد من قوة حضنه له , كان يبغى يوصله شكره العميق على اللي سواه , حط أحمد يده على راس عمر وهو يقول : الله يحفظك يا ولدي ويخليك لأختك , عظم الله أجرك في أمك وأخوانك , الله يؤجرك على مصيبتك ويخلفك خير منها يارب ..
كان عمر يسمع لكلامه الحنون وهو يشد عليه ويتمتم : جزاك الله خير , جزاك الله خير ..
ولمن بعد عنه تأمل وجه الرجال بإمعان , حس بالحب نحوه , عيونه فيها مسحة حنونه ولحيته اللي تخللتها شعرات بيضا طويلة دلت على سنه الكبير نوعا ما ..
دخله أحمد المجلس وقال : ارتاح ياولدي , دقيقة وجاي ..
خرج من المجلس ودق على جوال جاسم لقيه مغلق , زفر وهو يستغفر وأخذ صينية القهوة من هدى اللي واقفة بترقب وهو يقول : شوفي ولدك اللي تقولين لا تدعي عليه قفل جواله يعني ما أبغى أرد ..
قالت هدى : اصبر عليه شويه يا أحمد , تصفع الولد قدام صاحبه وتبغاه يرجع بسرعة , الشباب طول عمرهم كذا , اصبر شوية ..
رجع للمجلس وقبل ما يصب القهوة , قام عمر وسحب منه الدلة وقام يصب القهوة , جلس أحمد يتأمله فترة وبدأ يسأله عن أخباره وأحواله وهو يحاول يؤجل الكلام عن أزهار قد ما يقدر , ولم دق باب المجلس الخارجي قام أحمد وفتحه على أمل يكون جاسم لكن خاب ظنه لمن لقيه سوناردي اللي قال : بابا في رجال عند الباب ..
خرج أحمد وحس بالراحة لمن شاف الدكتور مطلق , ابتسم مطلق وقال : سامحني على التأخير ياعم أحمد ..
سلم عليه أحمد وهو يقول : أنا المفروض اللي أطلب منك السماح على الإزعاج اللي سببته , لا يكون كنت مشغول ولا شي ..
قال مطلق بضحكة : والله سويت فيني خير خرجتني من محاضرة مملة في المستشفى عن انفصام الشخصية المتعدد ..
وقفه أحمد وهمس بتوتر : أخوها جوة , وتراني ماكلمته عن أخته وعن حالتها ..
ربت على كتف أحمد المتوتر القلقان وقال : ولا تشيل هم , أنا جايب معايا ملفها وكل الكشوفات اللي سويناها وبمهد له عن حالة أخته وأحكيه بالتدريج ..
دخل أحمد المجلس وهو يحس براحه جزئية وقال : عمر , هذا الدكتور مطلق , عزمته عشان تتعارفون ..
سلم عليه مطلق وهو يقول : الحمد لله على سلامتك يا عمر وعظم الله أجرك في أهلك ..
قال عمر وهو يشد على كفه : جزاك الله خير ..
ابتسم له مطلق وقال بهدوء بعد ما جلسوا : أنا دكتور أزهار النفسي , أكيد وصلك خبر من مستشفى تبوك إنه أختك فقدت ذاكرتها ..
هز عمر راسه وهو حاس برعب لأنه مو فاهم اش هو فقدان الذاكرة بالضبط ..
وبعد ما شرح له مطلق كل شي عن حالة أزهار وعن كونها زوجت لجاسم عشان تقابل أبوه , حس بالتعقيد اللي هو فيه وزاد الخوف بداخله من المستقبل وكبرت عقدة الذنب عنده خاصة لمن ختم مطلق كلامه وهو يقول : واحنا إلى الآن ما نعرف اللي مرت به أزهار وخلاها تفقد ذاكرتها ..
زفر عمر وقال : أنا ما أعرف بالضبط اش صار لها بعد ما افترقنا ..
قال مطلق وهو يخرج دفتر ملاحظاته من حافظة أوراقه الجلدية اللي خرج منها التقارير والفحوصات الخاصة بأزهار : إذا ما يزعجك الموضوع تقدر تحكيني اش صار إلين افترقتم , يمكن هذا يساعدني على علاجها إن شاء الله , وإذا كنت تعبان ولا شي نقدر نأجل كلامنا ..
هز عمر راسه وقال : دحين أحسن ..
وبعد مدة طويلة زفر و قال : ومن بعدها ما شفت أزهار ...
كان أحمد ملتزم الصمت وهو يستمع لشرح عمر وأسئلة مطلق , وبعد ما انتهى هذا كله رجع مطلق كل الأوراق لشنطته الجلدية ورفع راسه وحدق في عيون عمر وقال : أقدر أطلب منك طلب يا عمر وأتمنى إنك تتفهم هذا الطلب ..
حس بتوتر من نظرته ونبرة صوته فقال : خير يا دكتور ..
ركز مطلق عيونه على عيون عمر المرهقة وقال بهدوء : أنا عارف إنه صعب جدا , لكني متأكد إنه مصلحة أزهار عندك فوق كل شي ...
وسكت شويه بعدين كمل : ممكن ما تقابل أزهار حاليا ..
انصدم عمر بالطلب وحس أحمد غصب عنه براحة فضيعة ممزوجة بعقدة الذنب وهو يشوف صدمة عمر وخيبة أمله , كمل مطلق وهو يحط كفه على يد عمر القابضة على ثوبه بقوة : عمر , أزهار دحين في حالة فوضى , فاقدة الذاكرة وعايشة عند ناس في بالها إنهم هم أهلها تحاول قد ما تقدر تتأقلم معاهم من جديد , صعب نجي دحين ونقول لها كل الحقيقة بلا مقدمات ونشيلها من البيت اللي جاهدت فيه شهرين عشان تتأقلم ونرميها معاك ونقولها يلا هذا أخوك الحقيقي هيا ارجعي وجاهدي من جديد , أنا عارف إنك بتسألني ليش ما قلنالها على كل شي من البداية , أولا أختك كانت في حالة صدمة من عدم معرفتها لنفسها وماضيها وأسباب الحالة اللي هي فيها , ثانيا كان من المستحيل إني أقولها على اللي صار وأخبرها إنه ما عاد بقي من أهلها أحد وإنها فوق هذا كله لازم تعيش عند ناس غرب , لو إنك كنت موجود وقتها كان قلتلها كل شي بالتدريج إلين تستوعب اللي صار , و ما كان هذا حيأثر عليها في شي ..
سحب عمر يده من تحت كف مطلق وهو يستغفر عمر ورجع دفن وجهه وسط كفوفه وهو يتكي بأكواعه على فخذيه , حط أحمد يده على كتفه مواساة , وكمل مطلق : أنا ما حأمنعك عنها نهائيا , خليني أقابلها في جلسة أو جلستين بعد المعلومات اللي عرفتها عنها وبعدها حأحكم إذا كانت مؤهلة إنها تعرف كل شي , صدقني يا عمر , الكلام اللي بأقوله مو عشان أخفف عنك , والله ما عمره مر علي مريض زي أختك , ما شاء الله عليها صبورة ومتفائلة وعندها عزيمة وإرادة قوية ..
ابتسم عمر وقال بهمس حزين : تعلمني على أختي يا دكتور ..
ورجع سأل باهتمام : طيب ما حيضرها لو عرفت بعد هذا كله إنه جاسم زوجها مو أخوها ؟؟
قال مطلق بعد صمت : من المبكر جدا إننا نتكلم في هذه النقطة لكن هذا يتعلق بأزهار لوحدها , يعني هي اللي ممكن تحكم في الموضوع , وأنا حقيقة طلبت من عم أحمد إنه يبعد جاسم عن أزهار قدر الإمكان وإنه ما يختلطون ببعض أكثر من اللازم عشان ما تتأثر أزهار في المستقبل ..
حس أحمد بسكين تخترق قلبه وهو يتذكر شكل أزهار اللي خلاه يثور ويروح بلا إحساس يصفع ولده , اش حيسوي ؟؟ هو مرتاح إنه مطلق من عنده طلب من عمر ما يقابلها دحين لكن اش حيسوي للمشكلة اللي طلعتله ؟؟
: عم أحمد ..
رفع أحمد راسه لمطلق وقال : نعم ..
ابتسم مطلق وقال : أنا أستأذن دحين ..
قال أحمد : والله ما تتحرك من هنا قبل ما تتعشى , العشى خلاص جاهز ..