فصل سابع عشر
الفصل السابع عشر: ظلال الماضي – فلاش باك
الهواء في الأنفاق الحجرية كان خانقًا، رائحة رطوبة ممزوجة بصدأ وأثر مواد كيميائية قديمة. كانت نسرين ترتجف وهي تنزل الدرج مع المفتش تشينغ هوا، كل خطوة تشعر وكأنها تنزل أعمق نحو قلب كابوس حي. فجأة، ارتجفت الجدران، واشتعلت مصابيح قديمة مثبتة على السقف، لتضيء الممر الطويل.
الجدران لم تكن عادية. كانت مغطاة بشاشات زجاجية كبيرة، خلفها أشرطة تسجيل قديمة بدأت تدور من تلقاء نفسها.
الصوت المعدني البارد انطلق من مكبرات مخفية:
– "مرحبا بكِ يا (العينة 17)… لقد حان وقت استعادة ذاكرتك."
توقفت نسلين مكانها، بينما ظهر على إحدى الشاشات مشهد من الماضي…
فلاش باك – قبل عشرين عامًا
مختبر ضخم تحت الأرض، أطباء يرتدون معاطف بيضاء، أطفال صغار يجلسون على مقاعد معدنية، موصولين بأسلاك وأجهزة كهربائية. الصرخات تمزجها أصوات آلات ضخمة، بينما يُحقَن الأطفال بمواد غير معروفة.
ظهر اسم المشروع على لوحة إلكترونية: "المشروع 17 – السيطرة على الإدراك والوعي البشري".
كان الهدف: خلق جيل من البشر قادر على مقاومة الخوف، التلاعب بالعقل، وربما… التحكم في الآخرين.
في وسط الغرفة، طفلة صغيرة بملامح مميزة – عيناها عسليتان، شعرها أسود ناعم، تشبه بشكل مريب نسلين. الأطباء يحيطون بها، بينما طبيب يُدعى لي يانغ يكتب في دفتره:
– "العينة ( ن.) هي الأكثر استقرارًا. دمها يحمل جينات هجينة نادرة… مزيج يجعلها قادرة على البقاء حيث فشل الآخرون."
لكن لم يكن كل الأطفال ناجحين. معظمهم ماتوا تحت التعذيب أو تحولت أجسادهم إلى أشكال مشوهة. الصرخات كانت مرعبة، والدماء لوثت الأرضية.
في أحد الأركان، كان هناك صبي صغير، ملامحه قاسية، عيناه سوداوان كالحجر، يراقب المشهد بصمت. لم يكن يخضع للتجارب مثل البقية… بل كان ينفذ أوامر القائمين على المشروع. كان ذلك الطفل هو لي وينشاو.
كان يُستخدم كحارس حي، كأداة لإخضاع "العينات الهاربة". كان يراقب نسلين الصغيرة أكثر من غيرها. في كل مرة تحاول الصراخ أو المقاومة، كان يقترب منها، يضع يده على كتفها، ويقول ببرود:
– "اصمتي… إنهم يراقبون."
ومع مرور الوقت، تطور داخله شيء غامض. بينما الأطفال يموتون، كان يرى في نسلين الوحيدة التي لم تنهار. كان يراها خاصة. تعلق بها تعلقًا مرضيًا، حتى أصبح جزءًا من "المشروع" مرتبطًا بمصيرها.
لكن التجربة لم تكتمل. وقع حادث تسرب في المختبر، حريق هائل، صرخات الأطباء تتلاشى وسط الدخان. تم تهريب بعض "العينات" الناجية سرًا إلى الخارج. أحدهم كانت نسلين، أُرسلت بعيدًا إلى الجزائر بطرق ملتوية، وتم مسح ذاكرتها جزئيًا عبر عقاقير خاصة، لتعيش حياة طبيعية… أو هكذا ظنوا.
أما لي وينشاو؟ فقد بقي في الصين، تربى في الظل، محاطًا بالكوابيس نفسها. مع مرور السنوات، تحول هوسه بتلك الطفلة – نسلين – إلى هوس قاتل. ظل يبحث عنها عبر الوثائق القديمة، حتى عثر على أثرها عندما عادت للصين كطالبة جامعية.
عودة للحاضر
الشاشات انطفأت فجأة، تاركة نسلين جاثية على ركبتيها، عيناها تدمعان وهي ترتجف:
– "إذن… حياتي كلها كانت كذبة؟ طفولتي… عائلتي… حتى أنا نفسي؟!"
تقدم تشينغ هوا بخطوات بطيئة، يضع يده على كتفها بحذر:
– "ليس كذبة… بل خدعة. لقد أرادوا دفنكِ في الماضي. لكن الآن… كل شيء انكشف."
صوت لي وينشاو ارتد في الأنفاق، هذه المرة حقيقيًا لا عبر التسجيلات، صوته يقطر جنونًا:
– "رأيتِ الآن… أتذكرينني يا نسلين؟ كنتُ ظلّك منذ البداية… وسأبقى حتى النهاية."
وبينما صداه يختفي في الممرات، أدركت نسلين أن الهروب لم يعد خيارًا… لأن الماضي قد لحق بها أخيرًا.