فصل إحدى عشر
الفصل الحادي عشر: الفريسة في العاصفة
المطر كان ينهمر بغزارة تلك الليلة، وكأن السماء نفسها أرادت غسل الدم الذي لم يُسفك بعد. نسلين خرجت من المكتبة بعد إغلاقها متأخرة، تحمل مظلتها السوداء وحقيبة كتبها الثقيلة. الشوارع كانت شبه فارغة، سوى من أضواء النيون التي تتراقص على برك الماء.
كانت تشعر أن خطواتها تُراقَب، نفس الإحساس الذي لازمها منذ أسابيع. صوت خطوات أخرى خلفها، منتظمة، تتوقف حين تتوقف. حاولت أن تقنع نفسها أنه مجرد شخص آخر يسلك نفس الطريق… لكن شيئًا في داخلها صرخ أن الأمر أكبر من ذلك.
انعطفت بسرعة إلى زقاق ضيق محاولة قطع الطريق نحو الحي الذي تسكن فيه. فجأة، امتدت يد قوية من الظلام، سحبتها بعنف، وأسقطت المظلة من يدها. صرخت، لكن المطر ابتلع صوتها.
– "أخيرًا…" همس صوت منخفض قرب أذنها. "أخيرًا أنتِ بين يدي."
حاولت المقاومة، ركلته بقدمها، ضربته بحقيبتها، لكن الرجل كان أضخم منها بكثير. كمامة سوداء وضعت على وجهها، رائحة مواد كيميائية نافذة اخترقت رئتيها، وكاد وعيها يختفي.
لكن قبل أن تُغشى، دوى صوت آخر من نهاية الزقاق:
– "توقف!"
كان المفتش تشينغ هوا، يركض ومعه مصباح يدوي، وخلفه صديقتها لي هوا تلهث من شدة الجري. صرخ تشينغ باللغة الصينية الحادة المألوفة للشرطة، وأشهر مسدسه.
المهاجم دفع نسلين أرضًا، وحاول الفرار وسط العتمة والمطر. ركضت لي هوا نحو نسرين، رفعتها بذراعين مرتجفتين:
– "نسلين! هل أنت بخير؟ تكلمي!"
لكن نسلين لم تستطع الرد سوى بأنفاس متقطعة، وجهها شاحب، عيناها نصف مغمضتين.
تشينغ هوا ركض خلف المهاجم، لكن الزقاق تفرع، والظلال ابتلعت الرجل بسرعة. توقف المفتش وهو يلهث، يوجه المصباح في كل الاتجاهات، لكن لا أثر سوى جدار مبلل وصدى خطوات تلاشى في المطر.
عاد غاضبًا نحو نسلين ولي هوا.
– "لقد كان هنا، أمامي تمامًا…" قال ببرود مشوب بغضب. "كأنه يعرف الطرق المظلمة أفضل من الشرطة نفسها."
لي هوا تمسكت بصديقتها، تحاول تهدئتها، لكن دموعها اختلطت بالمطر.
– "لقد كان سيأخذها… لولا أنك جئت يا سيدي…"
تشينغ هوا انحنى ليتأكد من حال نسرين، نظر إلى عينيها التي ترتجفان، ثم قال بهدوء:
– "اسمعيني جيدًا، نسلين. ما يحدث لم يعد مجرد مطاردة عابرة. هذا شخص مهووس بكِ، ومنظم جدًا. إنه يترك رسائل، يقتحم شقتك، ويحاول خطفك الآن. هذا هوس قاتل… ولن يتوقف."
رفعت نسلين رأسها بصعوبة، همست بصوت مرتجف:
– "لكن… هو؟ لماذا أنا؟"
المفتش لم يُجب مباشرة، بل نظر حوله في الظلام قبل أن يعود إليها قائلاً:
– "هذا ما سنكتشفه. لكنه ليس رجلاً عادياً… أشعر أنه يملك وصولًا إلى أماكن لا يجب أن يعرفها."
المطر لم يتوقف، لكن البرودة التي غمرت قلب نسرين تلك اللحظة كانت أعمق بكثير. لقد فهمت أن حياتها لم تعد حياتها. هي الآن فريسة في لعبة مظلمة، لاعبها مجهول، لكن خطواته أقرب من أي وقت مضى.
لي هوا أمسكت بيدها بإصرار:
– "لن أتركك وحدك، نسلين. لن أدعه يأخذك."
أما تشينغ هوا، فرفع عينيه نحو السماء، وكأن المطر يخفي أكثر مما يكشف، وقال في نفسه:
"إذا لم أجد هذا الرجل قبل أن يجدها… فلن يبقى لدينا سوى جثة لنبكي عليها."