فصل تاسع
الفصل التاسع: تحت الجلد
كانت نسلين قد بدأت تعتقد أنّها استطاعت أن تخلق لنفسها منطقة آمنة وسط هذا الجحيم، بعد أن تكيفت مع الحصص الدراسية والعمل الجزئي في المكتبة. حتى ابتسامة لي وينشاو الباردة صارت مألوفة بالنسبة لها، كأنها جزء من المشهد الذي لا يمكن تجاوزه. لكن في الداخل، كان هناك شيء أعمق يتكون، شيء يشبه العنكبوت وهو ينسج خيوطًا حولها ببطء.
في تلك الليلة، عادت متأخرة من المكتبة. المطر كان يهطل بغزارة، والمصابيح في الشارع تُلقي ضوءًا أصفر متقطّعًا على الأرصفة المبللة. حين وصلت إلى باب شقتها، وجدت ورقة صغيرة مطوية بعناية تحت العتبة. يدها تجمدت لثوانٍ قبل أن تلتقطها.
الخط كان مألوفًا، أنيقًا، مرتبًا، والرسالة تقول:
"أنتِ لم تُولدي لتختبئي، نسرين. وُجدتِ لتُشاهدي، لتُملكي… أنتِ لي."
تراجعت خطوة إلى الوراء، نظرت حولها في الرواق المظلم. لا أحد. الهواء نفسه بدا أثقل من المعتاد، وكأن العيون كانت تختبئ خلف الجدران.
دخلت الشقة، قلبها يخبط بجنون. أغلقت الباب جيدًا، سحبت الستائر، ثم جلست على الأرض تحدق في الرسالة. من يكتب لها؟ أهو مجرد مزاح مريض؟ أم… لي وينشاو؟
لكن عقلها رفض التصديق. حاولت أن تُبعد الفكرة، إلا أن التفاصيل الصغيرة بدأت بالعودة. النظرات الطويلة. ابتسامات باردة. وجوده الدائم حيث لا تتوقعه.
في اليوم التالي، وجدت نفس الخط على دفتر ملاحظاتها داخل الحقيبة:
"أنا أحبك حتى عندما تنامين. حتى عندما تخافين. الخوف يجعلك أجمل."
شعرت بالغثيان. لم تعد تعرف كيف تتحرك أو كيف تتنفس. كل شيء أصبح مراقَبًا: خطواتها، كلماتها، حتى نبرات صوتها.
لي هوا، صديقتها، لاحظت ارتباكها وسألتها بقلق:
– "نسلين… هل كل شيء بخير؟ تبدين شاحبة."
– "لا شيء، فقط ضغط الدراسة…" قالت وهي تُجبر نفسها على ابتسامة.
لكن في داخلها، كانت تصرخ.
مرت أيام، والرسائل لم تتوقف. بل ازدادت حدة:
"إن حاولتِ الهرب، سأكسر كل من يقترب منك."
"ابتسمي لي غدًا، وإلا سأجعل أحدهم يدفع الثمن."
بدأت ترى الدم في أحلامها، وجه مجهول يتقرب منها في الظلال، صوت همسات عند أذنها وهي بمفردها. لم تعد تعرف إن كانت تهلوس، أم أنّ الواقع يلتهمها ببطء.
وذات ليلة، بينما كانت تفتح كتابها للدراسة، وجدت صورة لها ملصقة بين الصفحات. صورة لم تتذكر أنها التُقطت لها. كانت تجلس في مقهى قبل أسبوع، تكتب ملاحظاتها. التقطت من زاوية خلفية.
وتحتها تعليق صغير:
"أنتِ جميلة عندما لا تدرين أنّك مراقبة."
تجمدت يدها. هذه المرة لم يعد هناك شك. هناك عين تلاحقها بالفعل. لم يكن مجرد خيال أو لعب أعصاب.
لكن السؤال الأكبر: من هو؟ ولماذا هي؟
ولم تعرف نسلين أنها في اللحظة ذاتها، كانت تُشاهد فعلاً.
عينان داكنتان تحدقان من نافذة بعيدة، وفم يبتسم ببطء شديد، كأن الانتظار أصبح أخيرًا يؤتي ثماره.