قلوب تائهة في ظلال القدر - الفصل الثامن عشر: الهروب من الظلال - بقلم HSM AJ | روايتك

اسم الرواية: قلوب تائهة في ظلال القدر
المؤلف / الكاتب: HSM AJ
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن عشر: الهروب من الظلال

الفصل الثامن عشر: الهروب من الظلال

الليل هذه المرّة كان أثقل من الحديد. الجدران في بيت أبيها صارت أضيق من صدرها، والعيون تتحول إلى شفرات تجرح صمتها. إبتهال لم تعد تحتمل. حقيبة صغيرة على كتفها، والخروج في المطر مثل قفزة إلى فراغ. لا صوت إلا ارتطام المطر بالأرصفة، ولا ضوء إلا انعكاس مصابيح باهتة تراقبها. الرسائل على الهاتف تتوالى كأشباح: > «الهروب وهم.» «كل الطرق تقود إلى تلك الليلة.» أغلقت الشاشة. الهواء صار أبرد من دموعها، والرائحة في الشارع تشبه صدأًا قديمًا. ⸻ في مكان آخر، كان حسام يقود بسرعةٍ جنونية. عنوان غامض وصورة مبنى مهجور وصلته من رقم مجهول: > «إن أردت الحقيقة… تعال وحدك.» لم يكن يعلم أن أمير يتبعه بصمت. الطريق يلتف كأفعى، والذكريات تتسرّب كدخان: أقدام مبللة بالدم، أصابع صغيرة ترتجف في الظلام، وصوت ينادي اسمه. ⸻ في البيت، فتح والد إبتهال باب غرفتها فوجدها خالية. السرير بارد، الحقيبة الصغيرة اختفت. تجمّد للحظة ثم دوّى صوته في أرجاء البيت: – «إبتهال!» ركل الكرسي فسقط على الأرض، عروقه تنتفخ والغضب يتصاعد في صدره. أمسك بالهاتف واتصل بالشرطة، صوته متقطع لكنه حاد: – «بنتي هربت من البيت… لازم تلقاوها الآن.» ⸻ على بُعد شوارع، إبتهال تمشي بسرعة تحت المطر، حقيبتها تضرب جنبها كلما أسرعت الخطى نحو بيت هديل. لم تلاحظ أن عينيْن تراقبانها من بعيد. في سيارة سوداء متوقفة على بعد خطوات، جلست سارة تتابعها بنظرات ثابتة. الهاتف في يدها يعرض خريطة الحيّ، نقطة تتحرك أمامها. همست لنفسها: – «الآن لن تهربي منّي.» أغلقت الهاتف، أشعلت المحرك وبدأت تتبع إبتهال بصمت عبر الأزقة المبتلة. ⸻ عند هديل، الباب ينفتح على وجه إبتهال الشاحب. انهارت على الأريكة، الكلام يتكسّر: الرسائل، الاتهامات، كلّ شيء. هديل وضعت يدها على كتفها، صوتها مثل نصيحة تأتي من بُعد: – «الماضي لعبة في يد من يعرف أسرارك… لا تتركيه يبتلعك. اسمعي حسام قبل أن تحكمي.» إبتهال رفعت رأسها، عينيها دامعتان: – «وإن كان هو…؟» هديل همست: – «لن تعرفي إلا إذا واجهته.» ⸻ المبنى المهجور كان يتنفس ظلامًا. هواء بارد، رائحة تراب قديم ونسيان. حسام يدخل القاعة الواسعة، صدى خطواته يشبه طلقاتٍ في نفق. في المنتصف طاولة خشبية متشققة، عليها مظروفٌ بنيّ. فتح المظروف. صور باهتة: شبح رجل يسقط، ظلّ طفل في زاوية مظلمة… ولون أحمر ما يزال طريًا في الذاكرة. صوت يخرج من الظلام: – «حان وقت التذكّر.» حسام يهمس: – «من أنت؟ ولماذا تفعل هذا؟» ضحكة خافتة، مثل زجاج ينكسر: – «أنا ما حاولتَ نسيانه… وأنا الوحيد الذي يعرف من أنت.» أنفاس حسام تتسارع. الحقيقة صارت قريبة… أقرب من سكين. الصوت نفسه يعود، هذه المرّة أقرب، كأنه يمشي حوله بلا جسد: – «الآن… ستفهم لماذا لا تتذكّر.» حسام يلهث: – «ماذا تقصد؟ أنا… لا أذكر إلا شذرات.» الضحكة الخافتة تتسلّل: – «هناك من أراد لك أن تنسى. هناك من مسح جزءًا منك كي لا تعرف من كنتَ، ومن كان بجانبك تلك الليلة.» حسام يتراجع، يده ترتجف: – «من هو؟ ولماذا؟» – «كلّ شيء له ثمن، يا حسام. أنت كنت أكثر من شاهد… كنت جزءًا من ما حدث. وذاكرتك… لم تُمحَ صدفة.» الكلمات تلتف حوله مثل دخان ثقيل. الصور في المظروف تومض فجأة أمام عينيه، لكن وجوهها بلا ملامح. شيء في داخله ينكسر، وشيء آخر يبدأ في التذكّر رغمًا عنه. ⸻ في تلك اللحظة، كانت سارة قد وصلت إلى باب الشقة. وقفت في الممرّ المبتل بالمطر، شعرها ملتصق بوجهها، عيناها تتوهجان ببرود غامض. مدّت يدها إلى الجرس وضغطته ببطء… رنّ الصوت في الداخل، ارتجفت إبتهال ونظرت إلى هديل بقلق. الريح تعصف بالنافذة المفتوحة، والستارة ترفرف مثل جناح أسود. سارة على الباب، والمدينة كلّها كأنها تحبس أنفاسها لما سيأتي.