في غيابك في فراغ
هي بدموع:
"الوقت المناسب؟! الوقت المناسب يبقى وأنا ألاقي كل حاجة متعانة في درجك بالصدفة؟"
يوسف غضب، صوته بقى هادي لكنه جارح:
"إنتِ ما سيبتِيش فرصة أشرح، هجمتِ عليا كإني مجرم. وأنا ما بطيقش الأسلوب ده… خلتيني أحس إني متهم، مش زوج."
سكتوا لحظة، الصمت تقيل بينهم… هي بتبص له بوجع، وهو بيبص لها بإحباط.
الليلة عدّت تقيلة…
يوسف نام في أوضة الضيوف، وليان رجعت أوضتها.
السرير حسّ بيها فاضي، والبيت بقى هادي بس الهدوء ده كان وجع.
ليان وهي متغطية بالبطانية، عينيها مفتوحة في الضلمة، تفكر:
"أنا غلطت… عليت صوتي. بس هو برضه… كان لازم يقول. ليه يخليني أحس إني غريبة عنه؟"
قلبها يوجعها من التفكير، غمضت عنيها بالعافية، نامت على ضيقة.
---
تاني يوم الصبح:
ليان قامت بدري، لكن ما عندهاش نفس تعمل الفطار.
غسلت وشها، لبست لبس عادي ونزلت تحت عند العيلة.
يوسف صحي، لقى المطبخ فاضي، الترابيزة من غير ريحة قهوة ولا صوت أواني.
اتنهد ببطء، حس إن في فراغ… لكنه ما قالش حاجة.
نزل هو كمان، لقى العيلة متجمعين على الفطار.
سلم بهدوء، قعد على الترابيزة، عينيه وقعت على ليان وهي قاعدة بعيد عنه شوية، مركزة مع العيال مش معاه.
الأم بصت لهم بتركيز، لكن ما سألتش.
أخته لمحت الموقف، ابتسمت ابتسامة صغيرة كأنها فاهمة إن في حاجة مش مظبوطة.
لكن الكل سكت، ما حدش حب يدخل.
الفطار خلص بسرعة غريبة… الجو كله كان باين عليه إن في حاجة ناقصة.
النهار عدى ببطء غريب.
ليان من أول الصبح ساكته… ملامحها مقفولة كأنها حاطة جدار حوالين نفسها.
الأطفال حاولوا يضحكوها، بس ابتسمت ابتسامة باهتة ورجعت تسكت.
على الغداء، السفرة مليانة أكل، والكل قاعد.
لكن ليان ما مدتش إيدها… شربت بس شوية ميّة، واعتذرت بهدوء إنها تعبانة.
قامت، وسابت السفرة وطلعت على الشقة من غير ما تبص لحد.
العيلة كلها تبادلت نظرات.
سلفتها "سمر" رفعت حاجبها كأنها بتسجّل كل تفاصيل اللي بيحصل.
حماتها بصت بقلق واضح، كأنها بدأت تربط الأحداث.
حتى عمتها حركت راسها وقالت جملة صغيرة:
– "البنات لما يسكتوا كده… يبقى في نار جوّه."
لكن محدش علّق أكتر.
الجميع التزم الصمت.
يوسف رجع من الشغل متأخر، دخل البيت…
أبوه ناداه: "يا يوسف، تعال اتغدى."
بس يوسف رد بهدوء: "مش جعان يا بابا… شكراً."
العيلة ساعتها تأكدت إن في حاجة مش مظبوطة.
عيونه مكسورة، خطواته تقيلة وهو طالع السلم.
كأن البيت كله لاحظ الغيوم اللي ماليه الجو، لكن الكل اختار يسكت.
يوسف وصل الشقة، فتح الباب… لقى المكان هادي، ريحته مختلفة من غير ضحكة ليان.
وقف لحظة يتنفس ببطء، كأن التعب مش بس من الشغل… التعب من المسافة اللي بتكبر بينهم من غير كلام.
يوسف دخل الشقة، رمى المفتاح على الترابيزة، وبص حواليه.
ليان قاعدة على الكنبة، ماسكة تليفونها، عينيها مركزة فيه… بس ملامحها باينة إنها مش "موجودة".
قرب منها، صوته هادي لكنه مشحون:
– "إنتِ ليه ما تغديتيش؟"
رفعت عينيها ليه، من غير تعبير، وقالت ببرود:
– "ما كانش ليّا نفس."
الجملة نزلت عليه تقيلة.
يوسف شد نفسه، حاول يسيطر على انفعاله:
– "ليان، إنتِ طول اليوم ما كلتيش حاجة… ده مش طبيعي."
ردت بنفس الهدوء اللي شبه التحدي:
– "قلت لك… ما ليش نفس."
صمته لحظة، عضّ على شفايفه كأنه بيكتم العصبية.
البرود ده بيستفزه… بيخليه يحس إنه بعيد عنها رغم قربه.
هو اتنهد وقال بصوت منخفض:
– "أصعب عليّا من أي خصام… إنك تبردي معايا بالشكل ده."
لكن ليان ما علّقتش.
رجعت تبص في تليفونها كأنها بتهرب من المواجهة.
يوسف سابها، دخل الأوضة، وهو قلبه بيغلي.
حاسس إن اللي بينهم مش زعل عادي… ده جدار بيتبني طوبة طوبة، وصمته وصمتها بيزودوا في ارتفاعه
ليان دخلت أوضتها من غير ولا كلمة، قفلت الباب وراها، حاولت تقنع نفسها إنها تنام وتنسى اليوم كله.
لكن قلبها كان متلخبط… زعلانة منه، وزعلانة من نفسها كمان.
الساعة عدت منتصف الليل، وهي لسه متقلبة في السرير، عينيها مش عايزة تقفل.
وفجأة الباب اتفتح بهدوء.
يوسف واقف… لابس بيجامته، ماسك كباية مية في إيده كأنه داخل عادي.
عينيه فيها جدية وهدوء في نفس الوقت، الخطوة اللي خلت قلبها يتسارع.
قرب منها وقال بصوت واطي جدًا:
– "أنا مش هسيبك تنامي لوحدك… حتى وإنتي زعلانة مني."
من غير ما يستنى رد، حط الكوباية على الكومود، وفتح الغطا وقعد جنبها.
ليان اتفاجئت، رفعت عينيها وقالت بتوتر:
– "يوسف… لأ، أنا قلتلك إني عايزة أنام هنا."
هو مد إيده بكل ثقة، سحبها ناحيته وقال بابتسامة هادية:
– "وأنا قلتلك… زعلك مش هيبعدك عني. لو هتزعلي، هتزعليني وأنا جنبك… مش بعيد عنك."
الدفا اللي في صوته خلّى دموعها تنزل من غير ما تاخد بالها.
حط إيده على شعرها، مسح دمعتها وقال:
– "أنا وإنتِ فريق واحد يا ليان، واللي يوجعك يوجعني. ومهما حصل… مش هسمح لحاجة تفرقنا."
قلبها وقع من الكلمة دي، اتسحب حضنه بهدوء، وهي لأول مرة من ساعة ما اتخانقوا، حست إنها مرتاحة… كأن كل العصبية اللي بينها ذابت.
نامت على كتفه، وهو فضل ماسكها بقوة، كأنه بيأكد إن القرار اللي أخده خلاص نهائي:
حتى في زعلهم… لازم يكونوا مع بعض.
الصبح كان هادي زيادة عن اللزوم.
ليان صحيت على صوت يوسف في الأوضة التانية… صوت شنط بيتفتح، هدوم بيتطبق، ورق بيتحط في شنطة صغيرة على المكتب.
قلبها اتقبض.
مشهد هو ده اللي كانت خايفة منه من أول ما شافت الورق بتاع السفر في الدرج.
وقفت عند باب الأوضة، تبص عليه وهو مش واخد باله، مركز في تجهيزاته.
اللحظة دي كأنها كسرت جوه ليان حاجة… كان نفسها يكون أول حد يحكيلها، مش آخر حد يعرف.
دخلت بخطوات سريعة وقالت بحدة:
– "يعني كنت ناوي تسافر وتسيبني كده؟"
يوسف رفع راسه، اتفاجئ بوجودها، حاول يحافظ على هدوءه:
– "ليان… مش بالأسلوب ده. كنت هستنى الوقت المناسب وأقولك."
ردت بعصبية وهي ماسكة دموعها:
– "وقت مناسب؟! هو في وقت مناسب عشان أعرف إن جوزي مسافر وهيبعد عني، وأنا آخر واحدة تعرف؟!"
حاول يقرب منها، لكن هي رجعت خطوة لورا.
– "إنت فاكر إني مش هزعل؟ إنت عارف إني مش بحب الغياب، وبعدين… إنت مش لوحدك يا يوسف. في حياة، في بيت، في أنا…!"
يوسف سكت لحظة، وبعدين اتنهد وقال بنبرة جدية:
– "أنا فاهم كل كلمة بتقوليها. بس الشغل ده جزء مني، جزء من نجاحي اللي إنتِ نفسِك حبيتيه. لو كنت ضعيف وكسرت أي فرصة، عمرك ما كنتي هتبصيلي بنفس النظرة اللي بتبصري بيها دلوقتي."
ليان بصت له بعينين كلها دموع:
– "أنا مش ضد نجاحك يا يوسف… بس أنا ضد إني أحس إني على الهامش. ضد إنك تاخد قرار زي ده من غير ما تشاورني."
الكلام سكت يوسف… حس كأنها حطت إيده على نقطة ضعف هو نفسه عارفها.
قرب منها، وحط إيده على خدها وقال بهدوء:
– "معاكي حق… غلطت إني ما قلتش. أنا كنت خايف من اللحظة دي، من دموعك اللي قدامي دلوقتي. صدقيني، السفر ده مش عشان أسيبك… ده عشان أبني لنفسي مكان أكبر… ومكانك فيه أكبر."
هي نزلت دموعها بصمت، وهو مسك إيديها وقال:
– "أنا مش عايزك تكوني متضايقة… عايزك تبقي سندي حتى وأنا بعيد. وعد… هتفضلي أول اسم في بالي في كل لحظة."
ليان ما ردتش، لكنها لأول مرة من ساعة المواجهة حسّت إن قلبها بيتصارع بين عقلها وزعلها وحبها ليه.
يوسف قاعد على الكرسي في الأوضة، شنطته نصها فاضي ونصها مليان.
عينه على ليان اللي قاعدة قصاده على السرير، مش قادرة تبص له.
قرب منها وقال بنبرة هادية:
– "ليان… بلاش الزعل ده. أنا عارف إني غلطت، بس مش عايزك تفضلي شايلة في قلبك. لو السفر هو اللي مضايقك… خلاص، ما أسافرش."
ليان رفعت عينيها بسرعة، صوتها مليان حزن وغضب:
– "يوسف، الموضوع مش سفر وبس… الموضوع إني حاسة إني مش في الصورة، مش موجودة في قراراتك. أنا مش عايزة أعيش كده."
يوسف مد إيده يمسك إيديها، لكن هي سحبت إيديها بسرعة وقالت بجملة كأنها طلقة:
– "أنا هاخد قرار، هروح عند ماما شوية."
الصدمة انعكست في عينه، قلبه اتقبض وهو يكرر الكلمة:
– "هتروحي عند مامتك؟! دلوقتي؟!"
ليان وقفت قدامه، رغم إنها لسه تعبانة من البرد، صوتها كان ثابت:
– "أيوه. محتاجة أبعد شوية… محتاجة أرتاح. يمكن هناك أعرف أفكر."
يوسف وقف بغضب مكبوت، إيده اتعصبت على ضهر الكرسي:
– "يعني كل مرة نزعل هتفكري تسيبيني وتروحي؟! ليه دلوقتي؟ ليه وقت ما أنا محتاجك تكوني جنبي، تختاري تمشي؟"
ليان دموعها نزلت، بس ما رجعتش في كلامها:
– "أنا مش ماشية عشان أسيبك… أنا ماشية عشان نفسي. عشان أعرف إذا كنت قادرة أكمل وأنا متطمنة ولا لا."
يوسف لف وشه، مش قادر يبص لها، وقال بصوت واطي مليان وجع:
– "طب روحي… بس اعرفي إني ما كنتش هقدر أسيبك ولا ثانية. إنتي اللي اخترتي البعد دلوقتي، مش أنا."
سابت الأوضة وهي بتبكي، ويوسف فضل واقف مكانه، صوته الداخلي بيصرخ:
"هي ليه اختارت تمشي دلوقتي بالذات؟ ليه قررت تسيبني وأنا كنت بحاول أصالحها؟"
الصبح بدري…
ليان واقفة قدام الدولاب، بتلم هدومها بسرعة، بتحطهم في شنطة السفر الصغيرة. إيدها بترعش بس بتحاول تثبت نفسها.
يوسف طالع من الحمام، لابس هدومه ومستعد يروح شغله، لكنه اتفاجئ بالمنظر.
وقف مكانه ثواني، صوته جه متقطع بين الغضب والخذلان:
– "يعني بجد؟ بتجهزي شنطتك؟"
ليان ما بصتش عليه، فضلت تلم وتطوي، وهي بتقول:
– "يوسف… أنا قررت. محتاجة أروح عند ماما شوية."
يوسف خطا خطوتين قدام، عينه بتلمع بالغضب وكأن في صوت جوا دماغه بيصرخ:
"يعني هتسيبيني دلوقتي؟ دلوقتي وأنا فاضللي يومين وأسافر… تمشي وتخليني أواجه كل ده لوحدي؟"
مسك الشنطة من إيديها بعصبية وقال بصوت عالي:
– "مش هتروحي. فاهمة؟ مش هتروحي!"
ليان اتراجعت خطوة لورا، دموعها كانت على وشك تنزل:
– "يوسف، إنت مش من حقك تمنعني. أنا مخنوقة… مخنوقة منك ومن البعد اللي بينا. ومش لاقية غير ماما اللي تريحني."
يوسف قرب منها، صوته عالي لكنه مهزوز:
– "مخنوقة مني؟! وأنا اللي من يوم ما اتجوزنا بحاول أرضيكي وأبني معاكي حياة… وبمجرد أول خلاف حقيقي تقوليلي هروح عند ماما؟!"
ليان انفجرت دموعها، صرخت:
– "عشان إنت مش فاهم! أنا مش بلجأ لماما ضدك، أنا بلجأ لماما عشان أنا محتاجة أحس بالأمان… وإنت يا يوسف مش مخليني حاسة بيه!"
يوسف سكت، الكلمة وجعته أكتر من أي حاجة.
ساب الشنطة على الأرض وبص لها بعين مكسورة:
– "يعني أنا مش أمانك يا ليان؟… كل اللي بينا ما حسستكيش بالأمان؟"
ليان مسحت دموعها، قلبها بيتقطع لكنها فضلت واقفة قدام اختياراتها:
– "إنت الأمان اللي حلمت بيه… بس مش الأمان اللي لقيته."
سكتت… وسابته واقف، وبدأت تكمل تجهيز الشنطة.
يوسف وقف يتابعها، جواه صراع رهيب: بين إنه يمنعها ويشدها حضنه بالعافية… وبين إنه يسيبها تمشي ويشوف إذا كانت هترجع له بإرادتها ولا لأ.
يوسف وهو ماسك إيدها شدّها بقوة لحد ما وقعت في حضنه، قلبه كان بيخبط بسرعة وكأنه خايف يسيبها تضيع من بين إيديه:
– "ليان… بالله عليكِ بلاش العند ده، أنا مش ناقص دلوقتي."
ليان حاولت تفلت، بس حضنه كان أقوى، دموعها نزلت غصب عنها:
– "يوسف، أنا تعبت… عايزة أروح لماما. يمكن هناك أهدى شويه."
يوسف ضمها أكتر، صوته مبحوح:
– "ليه كده؟ أنا محتاجك جنبي قبل ما أسافر. محتاج أحس إني مش لوحدي."
دموعها غرقت قميصه، وصوتها بيتهز:
– "وأنا كمان محتاجاك… بس إنت ما حسستنيش بكده، ما قولتليش حاجة عن السفر… خليتني أعرف لوحدي!"
يوسف سكت لحظة، كأنه اتخنق من الكلام، عينيه مليانة غضب وحزن في نفس الوقت.
– "طيب أعمل إيه؟ أسيب شغلي وأضيع مجهودي علشان مش عايزة تزعلي؟"
ليان رفعت راسها وبصت له بعين مليانة دموع:
– "أنا مش ضدك يا يوسف… بس خايفة. كل مرة تقوللي شغلي أهم، وأنا بقى لي فين؟"
هو حط إيده على شعرها، حاول يهدّيها، بس جواه كان بيغلي. زعل إنها بتسيبه وهو محتاجها، وزعل أكتر لأنه مش عارف يمنعها بالعافية.
في الآخر ساب نفس طويل وقال:
– "عايزة تروحي… روحي. بس عارفه؟ وجعك في قلبي قبل ما تسافري."
ليان فضلت تبكي في حضنه، وهو سايبها تعيط، متضايق بس عاجز… بين حبه ليها وبين عِنادها.
ليان وهي بتفلت من حضنه بعناد، قامت بسرعة علشان تدخل تكمل شنطتها، بس فجأة عينيها اسودّت والدنيا لفت بيها… جسمها ما استحملش الزعل والتعب. وقعت على الأرض من غير ما تحس.
يوسف اتخض، قلبه وقع في رجليه:
– "ليان!! حبيبتي قومي… ليان!"
جرى ناحيتها، رفع راسها على حجره وحاول يفوقها، صوته بيرتعش:
– "بالله عليكي افتحي عينيكي… متخوفينيش كده."
بدأ يرش مية على وشها وهو مضطرب، لحد ما هي بدأت تتحرك وتفتح عينيها ببطء. أول ما فاقت، لقت نفسها في حضنه، حضن مليان خوف وارتباك.
ليان صوتها مبحوح من البكا:
– "يوسف… أنا آسفة… والله ما قصدي أوجعك، بس أنا فعلاً تعبت."
يوسف حضنها بقوة، كأنه مش عايز يسيبها لحظة:
– "تتعبيني إنتي؟! إنتي روحي… ما فيكيش حاجة أهم عندي من إنك تكوني بخير. يا ريتك تحسي أنا قد إيه بخاف عليكي."
هي فضلت مرمية في حضنه، دموعها نازلة بغزارة:
– "ما تسيبنيش يا يوسف… حتى لو هتسافر، ما تسيبنيش جواك."
يوسف مسح دموعها بإيده، عينه حمراء من الرعب اللي لسه عايشه:
– "عمري ما هسيبك… لا جوايا ولا برّا. إنتي أمانتي اللي بحافظ عليها."
في اللحظة دي، ليان حسّت إنها مهما زعلت أو خاصمت، وجود يوسف جنبيها هو الأمان اللي بتدور عليه.
يوسف بعد ما حضنها وفوقها، فضل ماسك إيدها وهو بيبص في عينيها بحب وحنان. ابتسم ابتسامة صغيرة كأنه بيحاول يهوّن:
– "خلاص بقى… ولا في ماما ولا في سفر… مفيش مروح في مكان."
ليان دموعها لسه على خدها بس ابتسمت غصب عنها:
– "يعني إيه؟ أنا مش أسيرة عندك يا يوسف."
ضحك بخفة وحاول يغيّر الجو:
– "أسيرة؟! ده إنتي ملكة البيت واللي حواليه كمان. بس معلش، القرار صادر: ليان مش هتسيبني دلوقتي… اتحجزتِ رسمي عندي."
هي ضربته بخفة على كتفه، وقالت بخجل:
– "إنت عارف أنا كنت بس مضايقة… مش قصدي أسيبك وإنت مسافر."
يوسف قرب منها أكتر، صوته واطي ودافي:
– "عارف يا حبيبتي… بس بلاش تقوليها تاني. أنا من غيرك ولا هعرف أشتغل ولا هعرف أعيش."
ليان أخدت نفس عميق وحطت راسها على صدره، كأنها بتستسلم لراحته.
– "ماشي… مش هروح في حتة. بس أوعى تزعلني تاني يا يوسف."
يوسف وهو بيضحك:
– "لو زعلتك، يبقى لازم أتحمّل العقاب."
هي تبص له بابتسامة طفولية:
– "عقابك إني هافضل ماسكة فيك ومش هسيبك."
هو ابتسم وضمها أقوى:
– "أحلى عقاب في الدنيا."
ليان قاعدة على السرير وبتبص على يوسف وهو فاتح الدولاب بيطلّع هدومه، صوته عادي جدًا:
– "هاتِ لي الشنطة الكبيرة من تحت السرير، دي أنسب واحدة للسفر."
قلبها وجعها من الكلمة، بس قامت بسرعة وجابت له الشنطة. قعدوا جنب بعض يطووا هدومه ويحطّوها جوه. ليان بتحاول تضحك بخفة:
– "هو انت ناوي تسيبلي هدوم في الدولاب ولا أخدتها كلها؟"
يوسف ابتسم وهو بيبص لها:
– "أنا سايب أهم حاجة… إنتي."
ليان ضحكت بخجل، بس عينها دمعت غصب عنها. بسرعة مسحت دموعها عشان ما يلاحظش، وقالت وهي بترتّب له القميص:
– "طب خُد بالك من نفسك هناك، وما تجهدش روحك بالشغل زيادة."
يوسف قرب منها ولمس إيدها اللي بترتّب:
– "إنتي بس ادعيلي، وأوعِدك أرجع لك بسرعة."
سكتت ثواني، وبعدين بصت له بجدية:
– "أنا مش همنعك تسافر، عارفه شغلك مهم… بس أنا مش متعودة أبقى من غيرك. يمكن تبان تافهة، بس كل لحظة وانت مش هنا بتبقى ناقصاني."
يوسف حس باللي جواه، ساب الهدوم وأخدها في حضنه وهو بيهمس في ودنها:
– "وأنا كمان يا ليان… بس أوقات النجاح محتاج تضحية. وصدقيني، كل خطوة بعملها هناك… عشانك إنتي وعلشان اولادنا في المستقبل."
هي حطت راسها على صدره، وصوتها واطي:
– "يبقى أوعى تتأخر عليّ."
يوسف بابتسامة:
– "ولو أقدر… هرجع قبل الطيارة ما تقلع."
ضحكوا مع بعض ضحكة صغيرة، بس جوا كل واحد فيهم كان في شعور مختلف… يوسف بيحاول يبان قوي، وليان بتحارب دموعها عشان تبان داعمة.
—
نزل يوسف وليان من شقتهم بهدوء، كان في بهو البيت تحت صوت ضحك الأطفال وريحة الشاي بالنعناع طالعة من السفرة. الكل مجتمع؛ أبوه وأمه قاعدين بيتكلموا مع عمه، وأخوه مع سمر قاعدين جنب الأطفال. الجو كان عائلي جدًا، بس ليان حساه مختلف… كأنه ليالي الوداع بتكون ليها طعم خاص.
أول ما نزلوا، أم يوسف ابتسمت:
– "تعالوا يا حبايبي، كنت لسه بقول ليه اتأخرتوا."
يوسف قعد جنب أبوه، وليان جنب أمه. العيلة كلها بدأت تتكلم عن مواضيع عادية: أخبار الجيران، والمدارس، وشوية نكت من الأطفال. بس ليان كانت سرحانة، كل ضحكة من يوسف قدامها كانت بتحاول تخزنها جواها، كأنها بتجمع الذكريات قبل ما يسافر.
بعد شوية يوسف لمحها، لاحظ إن عيونها ساكتة، مد إيده تحت الطاولة ومسِك إيدها برفق. بصت له باستغراب وهو همس لها:
– "مش عايز أشوفك زعلانة… الليلة دي لينا."
ليان ضحكت بخفة وقالت:
– "إزاي لينا والبيت كله قاعد؟"
يوسف رد بهدوء:
– "حتى لو الدنيا كلها موجودة… وجودك جنبي بيخليني مش شايف غيرك."
حرارتها عليت فجأة، حست كل كلمة منه نازلة على قلبها زي البلسم.
بعد العشا، يوسف اقترح على الكل:
– "إيه رأيكم نطلع الجنينة نقعد شوية؟ الجو جميل."
نزلوا كلهم، الأولاد يجروا ورا بعض، والكبار قاعدين حوالين ترابيزة خشب، الشموع منورة والجو فيه نسمات هادية. يوسف استأذن العيلة وقال:
– "أنا وليان هنمشي نتمشى شوية حوالين البيت."
الكل ابتسم، وأمه قالت:
– "خدوا راحتكم يا ولاد."
يوسف مسك إيد ليان ومشي بيها بعيد عن العيلة. كانوا بيمشوا جنب الزرع المبلول بالندى، وصوت ضحك الأطفال جاي من بعيد.
ليان وقفت فجأة وبصت له:
– "يوسف… بكره هتسافر. أنا مش عارفة إزاي هعدّي الأيام من غيرك."
قرب منها ولمس خدها:
– "عارفة إيه اللي هيساعدك؟ إنك تفتكري إني راجع عشانك. كل يوم هناك… هكون مشغول، بس قلبي معاكي."
ليان دمعت، حاولت تمسح دموعها بسرعة، بس يوسف شافها وضحك بخفة:
– "يا بنتي أنا مسافر أسبوعين مش سنين، إيه الدراما دي؟"
ليان رمت عليه نظرة زعلانة طفولية:
– "أسبوعين عندي بحسابه سنين… وأنت عارف كده كويس."
يوسف حضنها وهو يهمس:
– "طب تعالي نخلي الليلة دي كلها ليكي… نضحك، نتكلم، ونخزن لحظات تدفيكي لحد ما أرجع."
قعدوا على كرسي خشب تحت شجرة كبيرة، يوسف حكى لها عن سفره، عن المستشفى اللي هيروح يشتغل فيها، وعن التحديات اللي قدامه. وهي قعدت تسمع باهتمام، تحاول تشجعه رغم قلبها موجوع.
بعد شوية، قال لها بخفة وهو بيبص في عيونها:
– "عارفة يا ليان؟ أنتِ السبب إني بحاول أنجح. كل مرة بفتكر إنك مستنّياني بفخر… ده بيخليني أقوى."
ليان ردت وهي ماسكة إيده بقوة:
– "وإنت السبب إني حاسة إن حياتي كاملة… حتى لو هتسافر، هتفضل جوايا كل لحظة."
الساعة عدّت، والعيلة نادت عليهم يرجعوا. بس قبل ما يقوموا، يوسف قرب منها وقال:
– "هتكوني معايا الليلة دي… عايز آخر ذكرى قبل السفر تبقى أنا وإنتِ سوا."
ليان بصت له بخجل، وبصوت واطي:
– "وأنا أصلاً كنت ناوية أسيبك لوحدك؟"
قاموا ورجعوا وسط العيلة، بس كانوا ماسكين إيدين بعض طول الطريق، وكأنهم بيتحدّوا الوداع.
بعد ما طلعوا الشقة، ليان دخلت المطبخ تجيب مية وهي عايزة تلهي نفسها، بس جوّاها نار. قلبها بيقول: "آخر ليلة معاه قبل السفر… مش عايزة الوقت يعدّي."
يوسف دخل وراها بهدوء، مسك الكوباية من إيدها وحطها على الرخامة، وبص في عيونها:
– "إيه اللي مخليكي شارده كده؟"
ليان حاولت تتهرّب:
– "لا… مفيش، عادي."
يوسف ابتسم ابتسامة صغيرة، وبصوت هادي:
– "أنا حافظك يا ليان… عارف كل تفصيلة فيكي. حتى سكوتك بقى بيحكيلي."
سكتت، وبصت في الأرض، بس دموعها لمعت في عنيها من غير ما تاخد بالها. يوسف مد إيده، رفع وشها بإيده وقال:
– "إوعى تبكي النهاردة… الليلة دي مش للدموع. الليلة دي للضحك… للحب."
قرب منها فجأة، حضنها بكل قوته، حضن طويل كأنه عايز يختزن ريحتها ودفاها قبل ما يسافر. ليان حست إنها ذابت في حضنه، دموعها نزلت غصب عنها وقالت وهي بتترجف:
– "أنا مش عارفة إزاي هعيش من غيرك يا يوسف… يوم واحد من غيرك تقيل عليا."
يوسف همس في ودنها:
– "هتعيشي… عشان كل يوم هفكر فيكِ، وكل يوم هبعتلك رسالة أو مكالمة. ولو قدرت أطير راجعلك قبل المعاد، هعملها."
ليان ضحكت بخفة وسط دموعها:
– "إيه ده، بتهزر؟"
– "ما بهزرش… أنا لو بيدي، ما بعدش ثانية بعيد عنك."
يوسف خدها من إيدها وطلعوا أوضة النوم. أول ما دخلوا، ليان حسّت إن الجو غير. هو كان متجهز: نور خافت، شمعة على الكومود، حتى فتح البلاي ليست اللي بيحبوا يسمعوا سوا.
قعدوا جنب بعض على السرير، يوسف ماسك إيدها وبيلعب في صوابعها بهدوء، وقال:
– "أنا مش محتاج أوصاف كبيرة… أنتِ بيتي، حتى لو سافرت آخر الدنيا."
ليان ردت بصوت واطي:
– "وأنت الأمان اللي عمري ما لقيته غير فيك."
لحظة صمت طويلة عدّت، بس الصمت كان مليان دفء أكتر من الكلام. بعدين يوسف مسك وشها، بصّ لها بعمق وقال:
– "ليلة زي دي… لازم تفضل محفورة في قلبك. فاكرة يوم الجواز لما وعدتك إني مش هسيبك؟"
– "فاكرة."
– "أنا لسه على وعدي… السفر ده شغل، بس مش بعد. أنتِ عمري يا ليان."
حست بالكلام داخل جواها لحد أعماقها، ولأول مرة من ساعة ما عرفت إنه هيسافر، ابتسمت ابتسامة صافية.
الليلة دي ما كانش فيها دموع تاني… كان فيها ضحك، وحكايات صغيرة، وذكريات اتفتحت من أيام الطفولة. كانوا بيحكوا لبعض حاجات تافهة، بس في اللحظة دي بقت أهم من أي حاجة في الدنيا.
قبل ما يناموا، يوسف بص لها وقال بخفة:
– "نامي وإنتِ مطمنة… هتفتحي عينيكي تلاقيني جنبك لحد آخر ثانية قبل السفر."
ولما غمضت عينيها، كان آخر إحساس ليها قبل النوم… إيده ماسكة إيدها بقوة، وكأنها عَهد.💗💗💗💗💗💗💗💗💗🥹
تاني يوم، ليان صحيت من بدري جدًا… يمكن حتى قبل الفجر بشوية. فضلت تبص ليوسف وهو نايم جنبها، ملامحه هادية، وكأن الزمن واقف. قلبها وجعها وهي بتفكر: "بعد ساعات قليلة مش هيكون جنبي…"
قامت بهدوء علشان ما تصحيهوش، لبست الروب بتاعها، ونزلت على المطبخ. بدأت تجهز الفطار بنفسها، حطت كل اللي يوسف بيحبه: جبنة بيضا بالطماطم، عسل، بيض مسلوق زي ما بيحب، كوبايتين شاي بلبن. وهي بتجهز، كانت دموعها بتقع على الرخامة من غير ما تاخد بالها.
خلصت كل حاجة، فرشت السفرة الصغيرة في البلكونة علشان الصبح يبقى مختلف، كأنها عايزة تقول له: "حتى آخر يوم هخليه مميز."
بعدها رجعت الأوضة بهدوء، قعدت جنبه على السرير، لمست وشه بخفة وقالت:
– "يوسف… قوم، الفطار جاهز."
يوسف فتح عينيه نص غمضة، وبابتسامة نعسانة قال:
– "إيه يا ليان، لسه بدري… إيه المفاجآت دي؟"
– "قوم بقى، مش عايزة يضيع مننا وقت… عايزة أقعد معاك أطول فترة."
قام يوسف وهو بيتثاوب، وبص لها نظرة كلها حنية:
– "أنتِ عاملة إيه النهارده؟ شكلك صاحية بدري قوي."
ليان حاولت تضحك:
– "قلت أصحي قبل ما أنت تقوم… عشان أفطر معاك، مش عايزة اليوم يعدي كده."
طلعوا البلكونة، يوسف أول ما شاف السفرة وقف دقيقة وسكت، وبص عليها وقال:
– "هو أنا مش مسافر… ده كأني رايح رحلة من غير رجعة."
ليان بصت له وهي بتحاول تخبي دموعها:
– "بالنسبة لي… أي سفر بعيد عني، كأنه غياب طويل."
قعدوا يأكلوا سوا، ليان بتحاول تجامله وتضحك، بس صوتها بيرتعش كل ما تتكلم. يوسف كان شايف وبيحاول يخفف الجو، مرة يحكيلها نكتة صغيرة، مرة يقول لها:
– "بصي، أول حاجة هعملها وأنا هناك… أبعتلك صورة من المطار عشان تفتكري وشّي."
ضحكت غصب عنها وقالت:
– "إوعى تعمل مقالب."
بعد الفطار، يوسف مسك إيدها وحطها بين إيديه وقال:
– "ليان… وعديني إنك هتستنينّي من غير دموع. أنا مش عايز أفكر فيك متعذبة وأنا بعيد."
ليان بصت له وهي بتترجف:
– "أنا مش عارفة هقدر ولا لأ، بس هحاول."
هو قرب منها، وبوسها على جبينها وقال:
– "ده كفاية عندي."
اليوم عدى بسرعة غريبة، وكل لحظة ليان حاسة إنها بتنقص من وجود يوسف حواليها. من ساعة ما خلصوا الفطار وهي بتعيط، مرّة في حضنه، مرّة لوحدها، حتى وهي بتجهز شنطته دموعها مش راضية توقف. يوسف رغم إنه متضايق، فضل صبور، كل شوية يقرب منها، يمسح دموعها، يحاول يضحكها:
– "يا بنتي أنا رايح شغل، مش رايح حرب."
لكن صوت قلبه نفسه كان بيقوله العكس، كان زعلان يمكن أكتر منها.
جت لحظة النزول… شنطة يوسف جاهزة، وهو لابس هدوم السفر. العيلة كلها متجمعة في الصالة تحت: أبوه، أمه، أخوه، سمر، الأطفال، كلهم قاعدين في حالة انتظار صامت. الجو تقيل، وكله مكسور بحزن الفُرقة.
يوسف بدأ يسلم عليهم واحد واحد. أخوه حضنه جامد وقال له:
– "خلي بالك من نفسك يا يوسف."
أمه كانت بتبكي وهي بتقول:
– "ربنا يرجعك بالسلامة يا ابني."
الأطفال اتعلقوا في إيده:
– "عمّو يوسف، ما تتأخرش."
كل ما يسلم على حد، عين يوسف تروح تلقائيًا لليان اللي واقفة على السلم، مش قادرة تنزل، دموعها مغرقة وشها، إيدها ماسكة الدرابزين كأنها هتقع.
وصل يوسف لحد باب البيت، وقف يفتح الباب علشان يخرج، لحظة تقيلة جدًا. قبل ما يلمس الكالون، وقف مكانه، وبص وراه. شافها واقفة بتترجف، مش قادرة تتحرك، عيونها بتناديه.
يوسف مد إيديه وفتح دراعاته كأنه بيقول لها: "تعالي… أنا هنا."
ليان ما استحملتش، فجأة جريت عليه بكل قوتها، ورمت نفسها في حضنه وهي بتعيط بصوت مسموع:
– "ما تسيبنيش يا يوسف… بالله ما تسيبني."
حضنها يوسف بكل قوته، راسها مدفونة في صدره، وإيده بتمسح على ضهرها كأنه بيحاول يطمنها ويطمن نفسه في نفس الوقت:
– "أنا راجعلك، أوعدك. متعيطيش… مش عايز الصورة دي تفضل في بالي وأنا مسافر."
العيلة كلها كانت واقفة ساكتة، متأثرين بالمشهد، حتى سمر دمعت وهي بتحاول تخبي. الأطفال وقفوا في ركن، مش فاهمين قوي، بس حسّوا إن الموقف كبير.
يوسف بعد ما شدها في حضنه، مسك وشها بين إيديه، بص في عينيها وقال بهدوء:
– "أنتِ روحي… وقلبي هنا، مش هياخدني السفر بعيد."
ليان انهارت أكتر وقالت:
– "كل ثانية من غيرك موت."
يوسف حاول يبتسم رغم دموعه اللي نزلت:
– "خليكي قوية عشاني."
وبعدها خرج، وهو ماسك إيدها آخر لحظة، لحد ما اضطرت تفلت منه عند العتبة.
بعد ما الباب اتقفل، ليان وقفت لحظة في مكانها، دموعها لسه سايبه أثرها على خدودها. حاولت تمسح بسرعة عشان محدش يلاحظ، لكن عيونها الحمرا فضحتها. رجعت للقعدة، الأطفال كانوا لسه بيتكلموا عن يوسف، وأمه قاعدة ساكتة، قلبها مشغول بدعوات جوه صدرها.
عمته سارة قربت منها، مسكت إيدها بحنية، وقالت:
– "يا حبيبتي ما تزعليش… الغربة مش آخر الدنيا، وإن شاء الله يرجعلك بسرعة."
ليان ما ردتش، بس دموعها رجعت تنزل، سارة حضنتها وقالت لها:
– "خلي بالك من نفسك ومن صحتك، وادعي له ربنا يحفظه."
العيلة كلها كانت بتحاول تغير الجو. أخوه قعد يحكي موقف قديم عن يوسف وهما صغيرين، والكل ضحك شوية، بس قلب ليان كان تقيل. عينيها كل شوية تروح للباب كأنها منتظراه يدخل من جديد.
بعد ما حاولوا يهونوا عليها، ليان قامت بهدوء، قالت:
– "أنا هطلع شقتي… عايزة أصلي."
طلعت الدرج ببطء، كل درجة كانت أكنها خطوة أبعد عن يوسف. دخلت شقتها، على طول راحت توضي، وقفت على سجادتها. أول ما رفعت إيديها في الصلاة، دموعها نزلت تاني، وفضلت تدعي:
– "يا رب… احفظه، سهل له سفره، رجعه لي بالسلامة. يا رب ما تحرمنيش منه لحظة."
ركعت وسجدت، وكأنها بتحط كل خوفها في الأرض، وكل مرة تقول: "سبحان ربي الأعلى" كان قلبها يصرخ: "يوسف… يوسف… يوسف."
بعد الصلاة، فضلت قاعدة على السجادة، ماسكة مصحفها. ما قدرتش تقرأ، بس فضلت تبص في صفحاته كأنها بتستمد طمأنينة. في اللحظة دي حسّت إنها أقوى شوية، وإن الدعاء هو الحاجة الوحيدة اللي في إيدها.
بعد اما خلصت صلاه
قعدت على الكنبة، حضنت مخدة كبيرة، ودموعها نزلت من غير ما تحس. كانت بتبص حواليها وتقول لنفسها:
– "إزاي أول ليلة من غيره تبقى تقيلة كده؟"
بعد ساعة تقريبًا، سمعت دق خفيف على الباب. قامت تمسح دموعها بسرعة وراحت تفتح. لقت سارة، أخت يوسف، واقفة بابتسامة دافئة، شايلة شنطتها الصغيرة.
سارة:
– "أنا جيت أبات معاكي… مش هسيبك لوحدك النهارده."
ليان اتفاجئت، وبصوت متأثر قالت:
– "ليه تعبي نفسك يا ساره…؟ أنا كويسة."
سارة دخلت من غير ما تستنى رد، حضنت ليان وقالت:
– "كويسة إيه بس؟ إنتي قلبك واجعك. يوسف مش هنا، وأنا مش هسيبك تحسي بالوحدة."
ابتسمت ليان ابتسامة باهتة، عينيها لامعة من الدموع، وقالت:
– "ربنا يخليكي ليا… والله وجودك معايا النهارده غالي قوي."
قعدوا مع بعض في الصالة، فتحوا التلفزيون بس الصوت كان واطي. اتكلموا شوية عن ذكرياتهم مع يوسف وهما صغيرين، وضحكوا لما سارة حكت مواقف محرجة قديمة ليه.
وبالليل، لما دخلوا الأوضة، ليان كانت لسه دموعها بتنزل. سارة غطتها وقالت لها بهزار:
– "خلاص بقى، نامي… لو يوسف عرف إني سيبتك تعيطي كده هيزعقلي."
ضحكت ليان من قلبها أول مرة من ساعة ما يوسف سافر، وقالت:
– "كان هيقولك إيه؟"
سارة ردت:
– "كان هيقول: خلي بالك من مراتي… هي كل دنيتي."
الكلمة دي كسرت قلب ليان ودفّته في نفس الوقت. غمضت عينيها، وحست إن يوسف رغم بعده لسه حواليها… في ضحكتها مع سارة، في كلامه اللي لسه بيرن في ودنها، وفي الدعوات اللي مش بتوقف من قلبها.
الصبح بدري، ليان لسه قاعدة على الكنبة ملفوفة في البطانية، عينيها منفخة من قلة النوم وكتر البكا. الموبايل رن فجأة برسالة من يوسف.
فتحتها بسرعة، قلبها بيخبط، لقت مكتوب:
"حبيبتي وصلت بالسلامة… تعبان شوية من السفر ونازل أنام. متقلقيش، أول ما أصحى هكلمك. بحبك."
ليان قرت الرسالة أكتر من مرة، كأنها مش مصدقة إنه فعلاً بعيد عنها دلوقتي. ابتسمت دموعها نازلة في نفس الوقت، وردت عليه:
"الحمد لله على سلامتك يا روحي ❤️ نام وارتاح… وأنا هنا مستنياك. وحشتني من دلوقتي."
سارة اللي كانت نايمة جنبها اتقلبت وقالت بنعاس:
– "إيه… هو بعتلك؟"
ليان بصوت مخنوق من العياط:
– "أه… بيقول وصل وتعبان ونايم."
سارة ابتسمت وقالت:
– "شوفي… أول حاجة فكر يعملها إنه يطمنك. إنتي في باله حتى وهو مرهق."
ليان مسحت دموعها، وبصت في شاشة الموبايل تاني، كأنها شايفاه قدامها:
– "ربنا يرجعهولي بألف سلامة… مش قادرة أصدق إني لوحدي هنا."
سارة حضنتها وقالت:
– "مش لوحدك… طول ما هو بيبعتلك وبيطمنك، يبقى معاكِ حتى وهو بعيد."
ليان ابتسمت ابتسامة ضعيفة، وقررت تفضل مستنية المكالمة الجاية كأنها هدية كبيرة.
بعد مرور ايام من سفر يوسف ✨🫶⭐
ليان صحيت من النوم وهي مش عارفه المكان فاضي ليه بالشكل ده… إيدها مدت تلقائي تدور جمبها على يوسف، بس السرير كان بارد وفاضي. اتنهدت وهي تحاول تقنع نفسها إنه مش موجود خلاص، وإن ده يومها الأول من غيره.
قامت على المطبخ وحضرت لنفسها فطار بسيط، بس مفيش نفس. كل حاجه حواليها بتحسها ناقصه من غير ضحكته أو حركته في البيت. حتى وهي قاعدة تشرب قهوتها، نظراتها راحت على الكوباية التانية اللي يوسف دايمًا كان يستناها.
نزلت تحت مع العيلة تحاول تلهي نفسها، لكن كل ما تضحك مع الأطفال أو تتكلم مع ساره، قلبها يوجعها أكتر… هو دلوقتي فين؟ بيعمل إيه؟
بقلمي...«أسماء محمد »
رجعت الشقة بدري، قعدت تكتب في دفتر صغير اشترته مخصوص: “ده يومي الأول من غيرك… حسيت إني ضايعة، حتى مع كل الناس حواليّ.”
متنسوش تعملوا فولو وتنتظروا الفصول القادمه 🌸
مستنيه رأيكوا ؟
وكمان الشخصية اللي المفضله ليكو من أول الروايه ؟
استنوا الفصل الجاي 🔥 ❤️