١٦
---
الفصل السادس عشر: قلب العاصفة
لم يكن هناك وقت للراحة. بعد اجتيازهما مواجهة الحارسة الرابعة، شعرا الاثنان بثقل المسؤولية يتضاعف في كل خطوة يخطوانها على الأرض الممزقة. الرياح تعصف حولهما، تحمل ذرات رماد البركان ووميض الطاقة البيضاء الصادرة عن المخطوطة التي بقيت تطفو على بعد مترين أمامهما.
ليارا رفعت يدها، محاولة استيعاب ما حدث، وشعرت بشعلة المخطوطة تنبض بقوة أكبر من أي وقت مضى، وكأنها تدعوهم إلى الاختبار التالي فورًا.
قال رافاييل، صوته محمّل بالجدية:
"ليارا… يبدو أن المخطوطة لن تترك لنا فرصة للتنفس. أي خطوة من الآن فصاعدًا ستكون اختبارًا صعبًا."
فجأة، بدأت الأرض تهتز بشكل عنيف، وكأن قلب العالم نفسه بدأ ينبض، وارتفعت صخور ضخمة في الهواء، تحلق كأنها على وشك السقوط. ثم ظهر من بين الغيوم الدخانية كيان جديد، أكبر وأكثر ضراوة من كل من واجهوه من قبل.
كانت الحارسة الخامسة، أو كما شعرت ليارا أن تسميها، قلب العاصفة. جسدها مزيج من النار والعواصف، شعرها كأن الرياح نفسها تشكّلت فيه، وعيونها تشع طاقةً أرجوانية داكنة تتخلل الظلام المحيط بها. كل خطوة كانت تهز الأرض، وكل حركة من ذراعيها تجعل الهواء يغلي حولهما.
قالت بصوت عميق، يشبه هدير الرعد:
"من يجرؤ على الاقتراب من المخطوطة… يجب أن يثبت أنه مستعد لمواجهة قلب العاصفة. كل نية خفية، كل شك، كل خوف… سيظهر الآن."
ارتجف الاثنان للحظة، لكن ليارا شعرت بإصرار داخلي. نظرت إلى رافاييل وقالت:
"علينا التركيز… لا وقت للخوف."
لكن رافاييل بدا متوترًا أكثر من أي وقت مضى. شعور الغضب والقلق بداخله بدأ يتصاعد بسبب الأسرار التي بدأت المخطوطة تكشفها عنه، بما فيها ندمه على بعض قرارات الماضي وخوفه من فشل مهمته.
قال بصوت منخفض:
"ليارا… هذا الاختبار… ليس فقط على القوة… بل على كل ما نحمله داخليًا."
ابتسمت له، لكنها شعرت بنفس الضغط الداخلي.
"وأيضًا… علينا أن نثبت أن الثقة بيننا حقيقية… وإلا فسنفشل."
وفجأة، ارتفعت المخطوطة إلى أعلى، وأطلقت انفجارًا من الطاقة البيضاء، غمر كل شيء حولهما. الصخور المعلقة في الهواء بدأت تتداعى، الأرض انشطرت في كل مكان، والسماء تحولت إلى مزيج من الأحمر والأزرق والأرجواني، وكأن الواقع بأكمله يتغير وفقًا لإرادتهما المشتركة.
الحارسة الخامسة هاجمت مباشرة، ألسنة النار المتداخلة بالعواصف ضربت الأرض حولهما، ورجفت الصخور تحت أقدامهما. تحرك الاثنان بسرعة، محاولين التصدي للهجوم، لكن كل خطوة كانت أصعب، وكل حركة تطلبت تركيزًا هائلًا على النوايا الداخلية.
هنا بدأت المخطوطة تهمس مرة أخرى، كلمات غير مفهومة، لكنها تؤثر على قلب كل منهما مباشرة. شعرت ليارا بالخوف، لكنها حاولت السيطرة على مشاعرها، بينما رافاييل بدأ يشعر بالغضب يزداد بسبب شعوره بعدم القدرة على حماية ليارا كما يريد.
صرخت ليارا:
"رافاييل… ركز معي! نحن معًا!"
لكن رافاييل رد بعنف قليل:
"كيف أستطيع التركيز وأنتِ تشعرين بالخوف؟!"
توقف الاثنان للحظة، واكتشفا أن المخطوطة كانت تستغل التوتر بينهما لاختبار اتحادهما الحقيقي.
أغمضت ليارا عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا، محاولة التخلص من كل شكوكها، وركزت على الثقة الكاملة برافاييل. رافاييل بدوره أخذ نفسًا عميقًا، وأطلق كل غضبه وشكوكه في شعلة بيضاء قوية، تتحد مع قوة ليارا.
اندفعت القوة الموحدة نحو الحارسة الخامسة، وبدأت المواجهة تتصاعد بشكل مذهل:
ألسنة النار والعواصف اصطدمت بالدرع الأبيض، الأرض تهتز، والسماء تتلوّن بشكل مستمر.
كل محاولة للحارسة لكسر الدرع كانت تفشل أمام الاتحاد النقي لإرادتهم المشتركة.
المخطوطة تتوهج أكثر، وكأنها توجه كل خطوة وإرادة نحو قلب الاختبار الحقيقي.
لكن الضغط النفسي لم ينتهِ. فجأة، أظهرت المخطوطة رؤية جديدة، تكشف جزءًا من الماضي الذي لم يعرفه الاثنان:
ليارا رأت لمحات من طفولة رافاييل، كل لحظة ضعف وحزن، وشعرت بمدى الألم الذي تحمله داخليًا.
رافاييل شاهد مخاوف ليارا الداخلية، شعورها بأنها قد تفشل أو تخيب الظن، وأن أي خطأ قد يكلفهما كل شيء.
صرخ الاثنان في نفس اللحظة، لكن هذه الصرخات لم تكن مجرد توتر، بل اندماج حقيقي لإرادتهما وقوتهما الداخلية. شعلة المخطوطة ارتفعت لأعلى من أي وقت مضى، وانطلقت موجة من الطاقة البيضاء، تصطدم بالحارسة الخامسة بقوة رهيبة، حتى بدأت ألسنة النار الأرجوانية تتلاشى تدريجيًا.
صوت الحارسة الخامس كان يهدر:
"لقد اجتزتما… مؤقتًا… لكن ما هو قادم… سيكون اختبار القلوب والأرواح، لا القوة فقط."
ارتاح الاثنان قليلًا، لكنهما كانا يعلمون أن هذه المعركة لم تنتهِ. الأرض الممزقة والسماء المتلألئة بالمزيج الناري كانت تذكرهما بأن كل اختبار للمخطوطة يكشف المزيد عن الذات، وعن الثقة بينهما.
قالت ليارا وهي تلتقط أنفاسها:
"رافاييل… لقد تعلمنا أن الثقة لا تقل أهمية عن القوة."
ابتسم رافاييل وقال:
"وأيضًا… أن نوايانا الحقيقية هي ما ستحدد مستقبلنا."
المخطوطة أصدرت وميضًا أخيرًا، معلنة أن الفصل القادم سيكون أكثر تحديًا، حيث ستبدأ الحارسة السادسة أو الكيان الأخير باختبار الاتحاد الكامل بين الإرادة والقلب والنوايا، وستكون المواجهة القادمة أقوى من كل ما واجهناه حتى الآن.
---