الفصل 5
يوم الخميس 4 / 1 / 1427 ه :
الساعة 10 مساء :
عند حلول الكارثة :
قعدت تتخبط لمدة ما تعرف مداها وعقلها يصرخ ~ بعدي العباية واسبحي انتي تعرفين تسبحين , اسبحي , اسبحي , اسبحي ~ ومن وسط فوضى المشاعر سمعت صوت عمار يصرخ من بعيد : خليك على ظهرك , أزهاااااااااااااااار , اسبحي على ظهرك ..
كان عمار يسبح بصعوبة بسبب هيجان الأمواج رغم إنه لابس سترة وماسك الثانية , قامت أزهار تكحكح لمن بدأ عقلها يتغلب على خوفها ويذكرها إنها تسترخي و جسمها طبيعي بيطفو , ما قدرت تسترخي بسبب الكحكحه والصدااااع اللي يفتك براسها من أثر دخول الموية وبسبب الملوحة اللي تحرق أنفها وحلقها وجوفها لكنها قدرت تسبح خفيف , كانت كل مارفعت راسها بتشوفهم تجيها موجه تصدم وجهها وتغرقها , شهقت وهي تسبح بصعوبة عشان تعطي الأمواج ظهرها , كانت الموجة ترتفع إلى فوقها وتغمرها فجأة ببرودة قشعرت بدنها , الموية بدأت تدخل أذانيها بسبب طرحتها الملفوفة على راسها انتفضت لمن حست بمسار الموية الباردة جوة إذنها , دقها واحد فلفت بسرعة وطالعت علها تشوف أخوها , و انصدمت لمن شافت جسم طافي على بطنه لشخص مجهول , صرخت برعب وهي تسبح مبتعدة عن الجسم , لكنها تجمدت لمن شافت جسم ثاني شكله لطفل ما يتجاوز 8 سنين قدامها , سبحت يمين ويسار و حست بقلبها ينعصر لمن شافت الأجسام الطافية اللي بدأت تخرج من العدم حولينها , صرخت بطول صوتها : عمااااااااااار , عمر , مااااااااااااااامااااااااااااااااااااااا ..
مسكتها يدين قوية من أكتافها وبلا مقدمات بدأت تغوص , حاولت تفلت من هذا الشي المتشبث وهي تحس روحها بتطلع من الخنقة , انقطاع النفس وخوفها من إن العباية تلف حولينها مرة ثانية خلاها تقاتله بشراسة وهي قاعدة تسبح للسطح , رفعت راسها وشهقت بقوة وهي تسحب نفس لكن قبل ما تكمل نفسها غاصت مرة ثانية بسبب يدين الشخص نفسه , عرفت إنه واحد غرقان و مو لاقي غيرها يتشبث فيه , قاومت تحت الموية وتلوت إلين قدرت ترجع للسطح مرة ثانية , وبسرعة بعدت عن المتشبث اللي انصدمت لمن لقيته رجال عجوز , كان يضرب الموية بيدين نحيلة يائسة وهو يصارخ و يرجع يغوص , حست بجمود , كان الموج يرفعها ويخفضها ويضرب فيها لكنها كانت متصنمة وعيونها متسعة على آخرها وهي تطالع في العجوز اللي حلاوة الروح ما خلته يغرق ويموت بسرعة , كان يغوص ويطلع و يغوص ويطلع , كان من المستحيل عليها إنها تساعده لأنه حيغرقها معاه حست بقلبها ينعصر عصر وهي عاجزة عن تقديم شي له , ولمن شافت مقاومته تضعف ومعدل صعوده لسطح البحر يتناقص غمضت عيونها بقوة والأمواج تضربها ببرودة ماحستها من كثر ماهي متألمة للعجوز , ولمن سمعت صراخه ومحاولته المستميته سبحت بسرعة نحو اللا مكان وهي تحاول تلقى عمار اللي اختفى صوته , كان الشي الوحيد المضيء في هذا الليل هو هيكل السفينه المشتعل اللي بدأت تغوص بشكل مرعب , وسط الظلام ما كانت عارفة المكان اللي هي تسبح فيه و لا هي متذكرة فين عمار , كان ودها تصارخ عشان تسكت أصوات الناس اللي ينوحون واللي يستنجدون واللي ينادون بأسماء , كانت تحس أصواتهم تدوي في أذانيها وتفقدها الشجاعة اللي تحاول تتمسك بأطرافها , غمرتها موجة عاليه وغطستها , حست الموية تغلفها وتحجزها بعيد عن المناظر والأصوات , سبحت عاموديا وهي ماسكة أنفاسها , ولمن خرجت للسطح رجعت الضوضاء , مسحت وجهها وهي تلف يمين ويسار علها تشوف أخوها , صرخت بفرح عميق لمن لمحت عمر على بعد مترين تقريبا منها : عمر , عمر , أنا هنا , عمر ..
و انصدمت لمن شافته يغطس جوة البحر قبل ما يرجع للسطح مره ثانيه وهو يصرخ : أمي لااااااا , يارب أتوسل إليك , أمي , أمي , أمييييييييييي ..
ورجع يغطس مرة ثانية , حست أزهار بالأصوات كلها تتلاشى وما بقي إلا صوتها يصرخ جوتها ~ مستحيل , أكيد هذا كابوس , أنا متأكده إنه كابوس , أمي غرقت , أمي غرقت , أمي ماااااااتت ~
سبحت بكل قوتها وهي تصرخ : مااااااااماااااااااااا , ماااااااااااامااااااااااااا ..
لمن طلع عمر وهو يشهق بقوة من قل النفس صرخت وهي تقاوم الموج : ماما فين ؟؟
لف عمر عليها و انعكس وهج النار وأضواء السفينه اللي وراها على وجهه وشافت نظرته غريييييبة , فتحت فمها بتتكلم لكن غطستها موجة ثانية و هذي المرة يدين أخوها رفعتها بقوة , كحت بقوة وهي تمسح وجهها وسألت بسرعة : عمور ماما فين ؟؟ الله يخليك لا تقول غرقت ..
قال عمر بصوت مخنوق واضح فيه البكى : أزهار , الغريق شهيد إن شاء ..
كانت أجسامهم ترتفع وتنخفض مع كل موجة , الصدمة شلت أطرافها للحظة , طرفت بعيونها اللي حرقها الملح وقالت وهي تمسح عيونها : لا حول ولا قوة إلا بالله , لا حول ولا قوة إلا بالله ..
وسبحت على ورى تبغى تبعد عنه لمن استوعبت كل شي وهي تصرخ : لااااااا , تكفى عمر لاتقولها , مستحيل اللي يصير , إنته تكذب عليه ..
هذه المره قال بصوت جهوري : الغريق شهيد , إنا لله وإنا إليه راجعون ..
صرخت بعدم تصديق : لاااااااااااااااااااااااا , لااااااااااااا ..
ضمها بقوة وهو يصرخ : قولي إنا لله وإنا إليه راجعون , أزهار إن لله ما أعطى ولله ما أخذ , فين إيمانك ؟؟...
تشبثت فيه بقوة وهي تصرخ : ياااااااااااااااااااا رب , اللهم لا اعتراض ماااااااااااماااااااااااااااا آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه ماااااااااااااااااااااامااااااااااااااااا..
كانت صرخاتها تختلط بآلاف الصرخات اللي شقت عنان السماء المظلمة ..
****************************
وبعد هذا بأيام يوم الأربعاء 10 / 1 / 1427 ه
في مركز الشرطة في تبوك :
: بشرنا الله يبشرك بالخير ..
الضابط وهو يطالع في علي أبو عصام وولده عصام اللي نقلوا أزهار للمستشفى لأن سيارات الإسعاف ماكفت عدد اللي لقيوهم في جزيرة النعمان : والله كان ودي بس زي ما تعرف هذي الأمور تاخذ وقت , من بعد مالقينا جثمان أخوها والجوازات اللي معاه , دورنا على أحد يعرفهم أو أي أحد له صلة لو بسيطة لكن مالقينا , نشرنا في كل الجرايد عن الحادث والاسم وماجونا إلا أصحاب أخوانها المتوفين اللي اعتبرناهم شهود و إن شاء الله يطلع لنا أحد من معارفها , كل اللي عندي الآن مبدئي لقيناه من السجلات المدنية ومن بعض الشهود , التحريات اللي سويناها تقول إن البنت (( أزهار عبد الله محمد ال... )) عمرها 25 سنة متخرجة من الكلية , يتيمة تقريبا من سنين , أبوها وأمها زي مايبدو لنا مالهم أهل يعني مقطوعين من شجرة , اللي في الحادث معاها هم أمها و أخوانها الثلاثة , واحد أكبر منها ( عمار ) 30 سنة يشتغل في الاتصالات و اثنين أصغر منها (عمر) 22 سنة زي ما وصلنا من معلومات دوبه أول ترم معيد في الجامعة وواحد أصغر منها (عمير) 19 سنة ثانوية عامة ..
دق الباب واحد من الجنود وأعلن إن الطبيب الجنائي وصل , أمره إنه يدخله , جاهم الطبيب ووقف صامت شوية بعدين جلس وقال : الفحوص اللي أجريناها على الجثث تدل على إنه الأم اللي لقينا جثتها طافيه مع بقية الجثث , غرقت بسبب تيبس في عضلات رجولها وظهرها وأصغر الأولاد الذي أظنه اسمه عمير مات محروق داخل السفينة أو إنه مفقود لأنه جثمانه مالقيناه ..
وسحب نفس وقال : وشكله أخوها عمر لقي نفس المصير لأنه مو من ضمن الناجين ولا من ضمن الجثث الطافية ..
غمض أحمد عيونه بقووووة وهو يستغفر و يدعي وربت جاسم على كتفه وهو يقول : كمل يا دكتور ..
قلب الضابط الأوراق والصور المرفقه بالملف اللي قدامه وكمل الدكتور : الفحص الطبي اللي أجريناه على الأخ الكبير عمار دلنا إنه توفى بسبب نزيف شديد سببته عضات سمك القرش .....
غطى أحمد وجهه وهو يستغفر بضيق , سكت الطبيب شوية وكمل لمن طلب منه الضابط يكمل : و البنت حاليا فاقدة للذاكرة ..
حنستناها إلين تتعافى و نسلمها بعد كذا للدار إذا ما جا أحد من معارفها ..
خرج علي من عند الضاب وهو يضرب كفينه ببعض وهو يقول بحسرة : لا حول ولا قوة إلا بالله , الله يصبرها , لاحول ولا قوة إلا بالله ..
رص عصام يد أبوه المتأثر وقال بهدوء : ولا يهمك يا أبوية , أنا بأتصل على خالد صاحبي يشتغل في الإتصالات وبأطلب منه يعطيني لسته بأرقام كل من له اللقب نفسه وبأتصل عليهم وأسألهم إن كانوا يعرفون عبد الله محمد ال ... , لا تشيل هم ..
: والله تسوي خير ياولدي في المسكينة ...