خيانة في الدم
كان الليل لا يزال يلفّ الغابة حين قررت المجموعة مواصلة المسير. الأضواء الخافتة للفجر لم تظهر بعد، لكن يانغ تشي لم تعد تقبل بالتأجيل. كلمات الفتاة الصغيرة التي ظهرت لهم، ما زالت ترن في أذنها: "أول من خانك..."
سارت برفقة الأمير في المقدمة، بينما تبعهم لين باي بهدوء، يتفقد كل ظل، كل شجرة، وكأن العدو قد يكون أي شيء حولهم.
وبعد ساعتين من السير، وصلوا إلى منطقة منخفضة بين الجبال، يُطلق عليها أهل المنطقة اسم وادي النسيان.
قال لين باي وهو يتفقد الصخور: "هذه الأرض... مشبعة بالطاقة السوداء. لا يجب أن نبقى هنا طويلاً."
لكن يانغ تشي أشارت إلى فتحة كهف أمامهم، محفوفة بالأحجار القديمة.
"أعرف هذا المكان... رأيته في إحدى رؤاي حين لمستُ الخاتم. هذا هو المدخل."
دخلت المجموعة إلى الكهف بصمت، وكان الهواء ثقيلًا، يحمل رائحة دم قديم وأسرار لم تُفصح عن نفسها بعد.
في عمق الكهف، وُجدت غرفة واسعة، تتوسطها منصة حجرية دائرية، عليها شعار الخاتم محفورًا بنقوش دقيقة. لكن الغريب، كان اللوح الحجري المثبّت على الجدار المقابل.
نقشت عليه الأسماء التالية:
> لي شوان — يانغ لين — شين غو — يو لوه
أربعة أسماء.
رفعت يانغ تشي يدها ببطء وأشارت إلى الاسم الثاني: "يانغ لين... هذا اسم والدي."
قال لين باي: "ويو لوه... هذا اسم والدتي."
التفت الجميع نحوه بذهول.
قال الأمير: "أتعني أن والدتك كانت على صلة بخاتم الأسرار؟"
رد لين باي بوجه خالٍ من التعبير: "كانت واحدة من الحراس الأربعة للخاتم... وأنا ابن الخائنة التي سرقت جزءًا من القوة وختمتها داخل جسدك يا يانغ تشي."
شهقت يانغ تشي، بينما تراجع الأمير خطوة، وقد ارتسمت الصدمة على وجهه.
قالت يانغ تشي بارتجاف: "أنت... كنت تعرف؟"
قال لين باي: "كنت أحرسك لأني كنت خائفًا من أن تستيقظي بالكامل... كان من المفترض أن أموت قبل أن يحدث ذلك. لكني فشلت."
وبينما كانت تهمّ بالكلام، ركع أمامها، ثم أخرج خنجرًا فضيًا ووضعه على الأرض.
قال: "لن أقاتلكِ. لكن إن أردتِ أن أرحل... فلن أمانع."
لكن الأمير أشار له بالنهوض: "الخيانة ليست في الدم... بل في النية. وما دمتَ الآن معنا، فلن تُحاسَب على ما لم تختره."
وقفت يانغ تشي، نظرت إلى اللوح الحجري مرة أخيرة، ثم قالت: "سنكمل الطريق. لكن من الآن، لا مزيد من الأسرار بيننا. من يعرف شيئًا... يتكلم."
وهمّوا بالمغادرة، لكن فجأة انفتح جدار خلفي ليكشف عن غرفة صغيرة تحتوي على صندوق نحاسي قديم. فتحته يانغ تشي بحذر، فوجدت بداخله مخطوطة مكتوب عليها:
> "من يوقظ الوريثة... يوقظ معه لعنة السلاسل. الدم الأول سيكسر الحلقة، والدم الثاني... سيعيدها."
قال الأمير: "لعنة السلاسل... هل هي ما ختم قوتك؟"
قالت يانغ تشي: "إن كان الدم الأول هو دم والدي... فأنا التالية."
وقبل أن يغادروا، سمعوا صوتًا عميقًا يأتي من الجدران:
"من وجد المخطوطة... أصبح جزءًا من اللعنة. فليحذر من القيد الذي لا يُرى، والعدو الذي كان يومًا صديقًا."
وتحوّل وادي النسيان، إلى باب لا يُغلق على الأسرار فقط... بل على الخطر القادم.
في زاوية منسية من المملكة، بين الجبال العائمة في الضباب، كان هناك قصر لا يظهر على الخرائط ولا تذكره الكتب. يُدعى قصر الماء المُعتم. هناك، اجتمعت وجوه مغطاة بالأقنعة، يدعون أنفسهم "جماعة الصمت الأزلي".
جلس شيخ في منتصف الدائرة، طويل الشعر، أبيض اللحية، وعيناه زجاجيتان كأنهما لا تبصران، لكنه يرى أكثر مما ينبغي.
قال بصوت أجش:
"الخاتم بدأ يُضيء مجددًا... والوريثة اقتربت من الحقيقة."
قال رجل آخر بقناع أحمر:
"إنها لا تعرف بعدُ أن اللعنة ستنقلب عليها. دمها سيحرّر ما نُفي قبل ألف عام."
ردّت امرأة بصوت بارد:
"لكنها محمية... بالأمير. وبمن تبقّى من حراس العهد."
ضحك الشيخ:
"دعوه يظن أنه يحميها. عندما تصل إلى البوابة الأخيرة... سيكون هو من يُفتح بها القيد الأخير."
—
في الجانب الآخر، كانت يانغ تشي تراقب الغروب من أعلى التل الذي يطل على سهل واسع. كان الأمير واقفًا إلى جانبها.
قالت:
"كلما اقتربت من الإجابات، كلما شعرت أنني لا أعرف شيئًا."
أجاب بهدوء:
"أحيانًا، معرفة جزء من الحقيقة أخطر من الجهل بها."
نظرت إليه:
"هل تندم على مرافقتي؟"
هزّ رأسه:
"أندم فقط على السنوات التي لم أعرفكِ فيها."
صمتت، لكن نظرتها إليه كانت هذه المرة مختلفة، أكثر دفئًا، وأكثر خوفًا من ذلك الدفء.
اقترب لين باي وقال:
"وجدت رسالة في آثار القبو القديم. مكتوبة بلغة الحُماة."
تناولت يانغ تشي الرسالة، وقرأت بصوت مرتجف:
> "حين تصل الوريثة إلى مشارف الماء المُعتم، سيمتحنها الحُراس الميّتون. وإن نجت... فعليها أن تختار: تحطيم الخاتم، أو تحرير من يسكنه."
همست:
"هناك... شخص في الخاتم؟"
قال الأمير:
"ربما لم يكن الخاتم مجرد أداة... بل سجن."
ارتجفت يدها وهي تغلق الرسالة.
ثم قالت بحزم:
"إذن... وجهتنا التالية: قصر الماء المُعتم. ولن نخرج منه حتى نعرف كل شيء."
وراءها، كانت الرياح تعصف، والسماء تزداد سوادًا... وكأن الليل قرر ألا يُفارق الأرض حتى ينكشف السر الأخير.
كان الوصول إلى قصر الماء المُعتم أصعب مما توقعوا. الضباب يزداد كثافة، والرياح تلوح كأنها تقاومهم. أضواء القصر الذهبية التي كانت تلمع على بعد أميال أصبحت الآن باهتة، كما لو أن الزمن توقف في مكانه.
عندما وصلوا إلى البوابة الضخمة التي تحرسها تماثيل من حجر مظلم، أحسّوا بشيء غريب يحيط بهم. لم يكن القصر مجرد بناء؛ كان كائنًا حيًا، يراقبهم ويشعر بكل خطوة يخطونها.
قال الأمير ليو تشن وهو يتنهد:
"نحن هنا. لكننا لسنا وحدنا."
قال لين باي:
"لن يكون الأمر سهلاً، إذن."
تقدمت يانغ تشي بخطوات ثابتة نحو البوابة، بينما كانت عيناهما تراقبان كل حركة من حولهم. ولكن عندما لامست يانغ تشي البوابة، فجأة، أصدرت أصوات غريبة من الأعماق، ثم فتح الباب ببطء، كأنه يرفض السماح لهم بالدخول.
عندما عبروا، أصبح الجو مظلمًا بشكل غير طبيعي. الجدران مغطاة بالطحالب الداكنة، والأرض مغطاة بالغبار المتراكم، كما لو أن القصر قد تم تركه لمئات السنين.
قالت يانغ تشي بحذر:
"هناك شيء خطأ هنا... لا يبدو أن هذا المكان مجرد قصر مهجور."
تمشوا عبر الممرات الضيقة التي تؤدي إلى غرفة ضخمة في المنتصف. في تلك الغرفة، كان هناك خاتم ضخم عائم في الهواء، يشعّ بضوء أزرق باهت. وعليه نقوش غير مفهومة تحيط به.
بينما كانت يانغ تشي تقترب، شعرت بشيء غريب في قلبها. الصوت ذاته الذي سمعته سابقًا في المرآة بدا يرن في ذهنها. همسات، أصداء ماضية.
"إذا كنتِ تبحثين عن الحقيقة... فهي هنا. ولكن تذكّري، كل شيء له ثمن."
رفع الأمير ليو تشن يده، قائلاً:
"لا تلمسيه، فقد يكون فخًا."
لكن يانغ تشي لم تكن قادرة على مقاومة النداء. تقدمت بخطواتها الحذرة نحو الخاتم، وسرعان ما لامسته.
على الفور، اهتزّ المكان من حولهم، وتحطمت الجدران، لتكشف عن شبكة من الضوء المتوهّج. ثم سُمعت أصوات تملأ المكان، وهمسات غامضة.
قالت يانغ تشي بصوت منخفض:
"هذا ليس مجرد خاتم... إنه مفتاح."
ولكن قبل أن تتمكن من متابعة كلامها، ظهر شخص غريب في الظلال: "أنتِ تجرّين نفسك إلى ما لا تُحتملين."
كان وجهه مخفيًا، وعيناه تلمعان بخوف. أضاف قائلاً:
"الخاتم سيأخذ منك أكثر مما تعتقدين، والدم الذي تلتقطينه لن يعيد الزمن... بل سيزيده سوادًا."
ومع تلك الكلمات، اختفى الشخص في الظلال، تاركًا وراءه فقط الهمسات التي تعكس أسراراً لم تُحكى.
كان الجميع في حيرة، لكن يانغ تشي بقيت ثابتة، وبقوة ردّت:
"أنت على خطأ. لن أكون ضحية ثانية."
انفتح الباب في الجهة الأخرى، وظهرت الظلال التي تتأرجح بين الماضي والمستقبل، كأنها تعلم أن هذا الطريق سيأخذهم إلى النهاية الحتمية.
لكنهم قرروا المضي قدمًا. في القاع المظلم، كانت هناك أقدار لن يستطيعوا الهروب منها.
بينما كان الليل قد حل بالكامل، اختفى ضوء القمر خلف السحب الكثيفة، مما جعل الظلال في قصر الماء المُعتم أكثر كثافة. كان الجو باردًا، وكان كلّ شيء في هذا المكان يشير إلى أن الهدوء الذي يخيّم عليه هو مجرد تمويه قبل العاصفة.
كانت يانغ تشي، الأمير ليو تشن، ولين باي يتنقلون في الممرات المظلمة للقصر. الخطوات كانت تكاد تُسمع، والأصوات الخافتة للهمسات الخفية تعلو وتختفي بين لحظات الصمت. لم يكن شيء في هذا القصر كما توقعوا، وكان الغموض يزداد مع كل خطوة.
قال الأمير ليو تشن وهو ينظر حوله:
"هذا المكان... يبدو وكأنه يُراقبنا. كل شيء في هذا القصر مليء بالحكايات غير المكتملة."
قال لين باي بلهجة حذرة:
"يبدو أن علينا أن نكون حذرين. هذا ليس مجرد قصر قديم. هناك شيء هنا... شيء يعيد كل شيء إلى الماضي."
تقدمت يانغ تشي بخطوات حذرة، وكانت مشاعرها تتراوح بين الشك والخوف. كان الخاتم الذي لامسته لا يزال في قلبها، وأصبح جزءًا من وجودها. الهمسات التي كانت تسمعها تتسارع، كما لو أن الخاتم نفسه بدأ يتحدث إليها بشكل أعمق.
وفي لحظة من التوتر، توقفت أمام باب ضخم مغلق في أحد الزوايا. كان الباب مصنوعًا من خشب قديم، وتعلوه نقوش غريبة لم ترها من قبل.
قالت يانغ تشي بصوت منخفض:
"هذا الباب... هو المكان الذي شعرتُ أنه يراقبني. لا بد أن وراءه شيء مهم."
اقتربت من الباب، ولمسَت النقوش. شعرت بشيء غريب يسري في جسدها، وكأن الخاتم نفسه يُحاول إيصال رسالة من خلف الجدران.
"هل نفتح هذا الباب؟" سأل الأمير ليو تشن، وقد كان القلق يظهر في عينيه.
قالت يانغ تشي بحسم:
"نعم، سنفتحه. علينا أن نعرف ما الذي يخفيه هذا القصر، وما السر الذي يُحاول أن يبقى دفينًا."
بعد لحظات من الصمت الثقيل، وضعت يانغ تشي يدها على مقبض الباب، وسحبته ببطء. الصوت الذي أصدره الباب كان كصوت رياح في الليل، وكأن القصر بأكمله يتنفس من جديد.
دخلوا إلى غرفة مظلمة، وعندما أغلقوا الباب خلفهم، شعروا وكأنهم قد دخلوا إلى عالم آخر. كانت الغرفة محاطة بجدران مغطاة بكتابات قديمة. على الجدران كانت هناك صور غريبة لمخلوقات بحرية وأساطير قديمة، ووسط الغرفة كان يوجد طاولة حجرية ضخمة عليها كتاب مفتوح.
تقدمت يانغ تشي نحو الكتاب، وكان النص المكتوب عليه بلغة غريبة، لكن الخاتم الذي كانت تحمله بدأ ينبض في يدها، وأصبح بإمكانها قراءة الكلمات.
قالت بصوت متأمل:
"هذا... هو الكتاب الذي يتحدث عن الخاتم. إنه يحكي قصة القُوى التي كانت محبوسة فيه."
فتح الكتاب على صفحة معينة، وعندما قرأت الكلمات، انتفضت. كان النص يتحدث عن "خاتم الأسرار" وكيف تم إنشاءه بواسطة كائنات قديمة. كان الخاتم في البداية مجرد أداة لتحكم الأرواح، ولكن بعد استخدامه لفترات طويلة، أصبح قادرًا على سجن قوى عظيمة داخل نفسه.
قالت يانغ تشي بصوت متوتر:
"الكتاب يقول إن الخاتم يحتوي على قوة هائلة، لكن إذا تم تحريرها... سيُصبح كل من يلمسه عرضة للدمار."
قال الأمير ليو تشن:
"إذن، يجب أن ندمّر الخاتم قبل أن يصبح مصيرنا مشابهًا لما يخبئه هذا القصر."
لكن يانغ تشي توقفت، ونظرت إلى الكتاب. كان هناك شيء في الكلمات جعل قلبها يخفق بشكل غريب.
قالت بصوت ثابت:
"لا يمكننا تدمير الخاتم الآن... لأنه، على ما يبدو، هو الجزء الوحيد الذي قد يحررني من لعنة الدم. يجب أن نبحث عن طريقة لتحكمه، لا لتدميره."
قال لين باي بنبرة حذرة:
"أنتِ متأكدة؟ هناك من يعتبر الخاتم قوة غير قابلة للسيطرة. حتى إذا تمكنا من فتحه، لا أحد يعلم ماذا سيحدث."
لكن يانغ تشي كانت مصممة، وكان حسمها واضحًا في عينيها.
"إذا كان الخاتم يحمل سرًا قديمًا في داخله، فهذا السر سيكون مفتاح تحريرنا جميعًا من اللعنة التي تلاحقنا."
تقدم الأمير ليو تشن، وقال بصوت حازم:
"إذا كانت هذه هي إرادتك، فسنقف معًا."
وفجأة، اهتزت الأرض تحتهم، وكأن شيء ضخم بدأ يتحرك من أعماق القصر. بدأ الباب الذي دخلوه يغلق بشكل تلقائي، وأصوات غريبة بدأت تخرج من الجدران.
قالت يانغ تشي بحزم:
"لقد بدأنا. ولا عودة الآن."
وفي اللحظة التالية، ظهرت صور من الماضي، ذكريات مريرة، وأسرار غير مكتملة. وكان الطريق إلى الحقيقة لا يزال طويلًا، لكنهم مضوا في رحلتهم، متحدين العواقب.
sara abdullah