اول بصمه
كانت يانغ تشي تجلس في غرفتها تحت ضوء القمر، تقرأ كلمات الكتاب المحرّم بتمعّن. لم تكن تعرف أن الكلمات التي تنقش في ذهنها كانت في يوم من الأيام دماءً على جدران المعابد المنسية.في الهامش الأيسر من الصفحة الأخيرة، كُتبت عبارة صغيرة بخط غريب مائل:
> "الخاتم لا يمنح القوة... بل يكشف من يستحقها."
مرّت أناملها على الخاتم الذي وضعه لها الأمير قبل أيام، وبمجرد أن لامسته، اشتعل الضوء من الحجر للمرة الثانية، لكن هذه المرة لم يتوقف.
انفتحت في ذهنها رؤية قصيرة:
مرآة مغطاة بالغبار، فتاة بملامحها ذاتها تنظر إليها من الخلف، تُمسك بسيف يقطر منه الضوء لا الدم، وخلفها آلاف من الظلال تنحني أمامها.
شهقت، وسقط الكتاب من يدها، وسرعان ما دخل الحارس لين باي دون طرق.
قال بقلق:
"رأينا النور... ماذا حدث؟"
نظرت إليه بعينين مليئتين بالحيرة والرهبة:
"رأيت... نفسي. لكنني لم أكن أنا."
صمت لين باي للحظة، ثم قال:
"الخاتم بدأ ينشط طاقتك المختومة. رؤاكِ ستزداد، وأحلامك لن تعود مجرد خيال."
قالت يانغ تشي وقد نهضت:
"أريد معرفة كل شيء. من أنا؟ ولماذا خُتمت قوتي؟"
ردّ لين باي بحذر:
"هناك من خاف من قوتك حين كنتِ طفلة... وهناك من ظنّ أنه يُنقذك بختمها."
نظرت إليه بشك:
"أتعني جدي؟ أو أخي؟"
لم يجب. فقط طأطأ رأسه وقال:
"ربما... كان من يحبك أكثر من اللازم، هو من اختار حمايتك بالطريقة الخاطئة."
---
في اليوم التالي، تم استدعاؤها إلى جناح الأمير.
قال ليو تشن وهو يناولها وثيقة:
"تم ترشيحك رسميًا كمحققة ملكية، بغطاء الحراسة. أعداؤنا كثر، وأحتاج من أثق بعقلها لا بسيفها."
أجابت بثقة:
"عقلي وحده يكفي الآن، لكن قريبًا... سيفي سيتحدث."
ثم همس الأمير لها:
"وهناك شيء آخر... الليلة، جنازة الحارس الذي انتحر. لكننا تلقينا رسالة، وُضعت في كفه بعد موته."
أعطاها الورقة، وكان فيها كلمات محفورة لا بحبر... بل بنار:
> "إن ظهرت وريثة الخاتم، فابحثوا عن ختم الطين... حيث وُلدت الحقيقة وماتت البراءة."
---
وفي مكان بعيد، في سرداب مطمور تحت الأرض، وقف شيخ بعين واحدة، يحمل لوحة طينية من عهد قديم.
قال لتلميذه:
"لقد بدأت اللعبة يا تشي الصغيرة... لكنّ النهاية ليست كما تتخيلين."
في الصباح التالي لما حدث عند النهر، كانت السماء ملبدة بالغيوم، وكأن الطبيعة نفسها تُحذّرهم من الاقتراب أكثر. كانت يانغ تشي تستعد للمغادرة، حين سمعت وقع خطوات ثابتة خلفها.
التفتت لتجد الأمير ليو تشن واقفًا أمامها، مرتديًا درعًا خفيفًا ومعطفًا داكنًا يليق بمقاتل لا بملك.
قال بهدوء:
"لن أترككِ تذهبين وحدكِ بعد الآن."
قالت بدهشة:
"أنت... غادرت القصر؟!"
رد بابتسامة خافتة:
"المدينة بأكملها تتحدث عن وريثة الخاتم. وإذا كانت الأنظار بدأت تتجه إليكِ، فهذا يعني أن الخطر صار قريبًا جدًا."
اعترض لين باي فورًا:
"جلالتك، وجودك خارج القصر خطر على المملكة!"
لكن ليو تشن رد بصرامة:
"وحمايتها... خطر أكبر إن أهملته."
منذ تلك اللحظة، بدأ شيء جديد يتشكل بينهما. لم تعد يانغ تشي مجرد مُحققة، ولا هو مجرد أمير. باتا شريكين في طريقٍ ملطّخ بالأسرار والدم.
تابعوا الرحلة نحو معبد الطين. وعند وصولهم إلى الأطلال، كانت بقايا المعبد تحكي قصة مدينة نُكبت بالطين والنار. تماثيل مكسورة، أعمدة مائلة، وجدران نُقش عليها تاريخ لا يُقرأ بسهولة.
كانت الرموز في كل مكان: دوائر، خواتم، مرايا.
قال الأمير وهو يحدّق في جدار محفور:
"هل ترين هذا الرمز؟"
أومأت.
قال:
"وجدت مثله في كتاب والدتي، كانت تُخبرني دومًا أنه مفتاحٌ لشخصٍ سيأتي... يحمل نورًا وظلاً في آن واحد."
ردّت يانغ تشي:
"هل كانت تعلم بأمر الخاتم؟"
قال بصوت منخفض:
"كانت تعرف عن الختم. لكنها كانت تخشاه أكثر مما تؤمن به."
وبينما هما يتفحصان الجدار، انفتح فجأة مدخل سري صغير يؤدي إلى نفق تحت الأرض. تقدمت يانغ تشي أولاً، يتبعها الأمير ولين باي.
كان الممر ضيقًا، تفوح منه رائحة الطين والرطوبة.
فجأة، سمعوا صوت طقطقة، ثم أغلق الباب خلفهم!
أشعل لين باي شعلة، ليتضح أن النفق يفضي إلى قاعة مستديرة، في منتصفها مرآة عملاقة متشققة، تحيط بها سلاسل من ذهب.
قالت يانغ تشي:
"المرآة... المفتاح الثالث."
اقتربت منها، لكن صوتًا عميقًا دوّى في المكان:
"إن اقتربتِ منها... ستري ما لا يحتمله قلبك."
ظهر رجل مُقنّع، يحمل خنجرًا يقطر طينًا.
قال:
"أنتِ وريثة الخاتم... أتيتِ قبل أوانك."
قال الأمير وهو يخطو أمامها:
"لن تمسّها ما دمتُ حيًا."
لكن يانغ تشي أمسكت ذراع الأمير وقالت:
"هذه معركتي."
ثم تقدّمت بخطى واثقة وقالت للرجل:
"إن كنتَ هنا لتقتلني... فأخبرني أولًا، لماذا خُتمت قوتي؟"
تردد الرجل، للحظة، قبل أن يهمس:
"لأنكِ كنتِ الأقوى بيننا جميعًا... ولأن من أحبّك أراد أن يُنقذك من مصيرٍ أسود."
شهقت يانغ تشي، وداخلها اهتز شيء عميق. قبل أن تستفسر، اندفع الرجل نحوهم!
اشتعل القتال وسط الغرفة الحجرية، وسُمع صوت المعادن وهي ترتطم بالجدران، بينما الأمير يصد الخنجر، ويانغ تشي تحاول فتح المرآة.
وما إن وضعت يدها عليها، حتى اندفعت صورة في ذهنها: طفلة رضيعة تُؤخذ من ذراعي امرأة تبكي، ويُغلق الباب بينهما.
صرخت:
"من تكون تلك المرأة؟!!"
لكن الصوت اختفى، والرجل المقنع تلاشى وسط الظلال.
وقفت يانغ تشي تلتقط أنفاسها، بينما الأمير أمسك يدها وقال:
"أيا كانت الإجابات... لن تواجهيها وحدك."
وفي عمق المعبد، استيقظ شيء قديم... شيء ظلّ نائمًا منذ قرون، لكنه الآن... يشعر بعودتها.
خرجوا من المعبد بعد معركةٍ لم تُحسم، لكنّ آثارها حفرت في قلوبهم وعيونهم أسئلة لا إجابة لها. كانت يانغ تشي صامتة منذ تلك اللحظة، شاردة الفكر، تعيد شريط الرؤية التي ظهرت لها في المرآة.
قال الأمير وهو يراقبها: "من تلك المرأة التي رأيتها؟"
أجابت همسًا: "لا أعلم... لكنها بكت كأنها تفقد كل شيء حين فُصلت عن الطفلة."
قال لين باي من الخلف: "ربما كانت والدتك الحقيقية."
نظرت له يانغ تشي بحدة، ثم عادت تحدّق في الفراغ. "لكنني... وُلدت في البلدة الشمالية، نشأت على يد جدي، ولم يحدث أن أخبرني أحد عن والدي أو والدتي... سوى القليل."
تمتم الأمير: "بل ما قيل لكِ، كان ما أُريد لكِ أن تصدقيه فقط."
في الليلة التالية، أثناء توقفهم في قرية صغيرة تدعى "شوان لي"، نزلوا في دار ضيافة خشبية بسيطة. كانت الرياح تعصف بالخارج، والأمطار تهطل كأنها تنذر بما هو آتٍ.
دخل عليهم شيخ عجوز كان يعمل كراوٍ في ساحة القرية. حدّق في يانغ تشي طويلاً، ثم قال فجأة:
"أنتِ... ابنة النور المفقودة. رأيتك في رؤاي قبل سنوات، تمشين بين الرماد وتحملين خاتم النار."
ذهلت يانغ تشي، فقال الأمير على الفور: "ما الذي تقصده؟"
قال الشيخ: "ذات يوم، زارنا رجل غريب يحمل طفلة رضيعة... كانت يده محترقة، وكان يقول إنه أنقذها من النيران. تركها في رعاية تاجر عجوز، ثم اختفى..."
سألت يانغ تشي: "ما اسم التاجر؟"
قال الشيخ: "كان اسمه شين غو... قال إنه سيعتني بها حتى تعود الروح إلى مكانها."
تجمدت أنفاسها.
قالت: "شين غو... هذا اسم جدي."
في تلك اللحظة، اختلطت الريح بالبكاء. لم يكن بكاء إنسان... بل صفير ناعم يشبه البكاء، يأتي من أطراف القرية.
خرج الجميع للتحقق، ليجدوا أطيافًا بيضاء تتجول بين البيوت، تحمل أقنعة بلا ملامح، وتهمس باسمٍ واحد:
"تشي... تشي... تشي..."
قال لين باي: "هذا استدعاء... هذه أرواح الظلال. إنها تبحث عن وريثة الخاتم."
أمسك الأمير يد يانغ تشي وقال: "لن يُؤخذ منك شيء بعد الآن. لن أسمح لهم."
لكنها كانت تُحدّق في الأطياف وهي تقترب، وداخلها صوت آخر يقول:
"هذا فقط... بداية ما خُتم منذ قرون."
وفي السماء، كانت عين حمراء تتشكّل بين الغيوم، تراقب من فوق... وتنتظر.
بعد رحيلهم من قرية شوان لي، كان الصمت يخيّم على المجموعة. كانت السماء ملبدة، لكنّ داخل يانغ تشي كان أكثر اضطرابًا من العاصفة القادمة. رؤيا المرآة، حديث الشيخ، والهمسات التي ناداها بها الظلال، كلها اجتمعت لتغزل خيوط قلق متزايد.
عند حلول المساء، نزلوا قرب معبد مهجور في الغابة للراحة. كانت الحراسة مشددة، لكنّ الليل كان أكثر ضجيجًا من النهار. أصوات غير معروفة، طيور لا تنام، وريح تنفخ بأسرار ماضية.
جلست يانغ تشي وحدها قرب نار المعسكر، تحدق في الشعلة المتراقصة. بعد لحظات، جلس الأمير إلى جوارها دون أن ينطق.
قالت بعد صمت طويل: "أتعلم... لم أكن أبحث عن ماضٍ مملوء بالألم. أردت فقط أن أعرف لماذا كل هذا الغموض؟ لماذا لا أستطيع أن أكون فتاة عادية؟"
ردّ بهدوء: "لأنكِ لستِ عادية يا يانغ تشي. هناك نداء في دمك... وفي قلبك."
التفتت إليه: "وماذا عنك؟ أما زلت ترى فيّ مجرد أداة للتحقيق؟"
ابتسم بحزن: "في البداية، ربما. لكن الآن... أراك شيئًا آخر. شيئًا يخيفني أحيانًا."
قالت بتهكم خافت: "أنا؟ أخيف الأمير؟"
قال بصدق: "تُخيفين قلبي... لأنه بدأ ينجذب نحوك دون إرادة مني."
صمتت، تتأمل تعابير وجهه التي لم ترَها من قبل بهذا الوضوح. لكنها سرعان ما صرفت نظرها، وقالت بهدوء: "أنا لست مستعدة للحب يا أمير. كل ما فيّ... معركة."
أومأ برأسه: "إذن اسمحي لي أن أكون درعك في هذه المعركة. حتى وإن لم تحبيني... دعيني أبقى بجانبك."
في تلك اللحظة، هبّت رياح قوية أطفأت النار، وظهر ضوء أزرق خافت من الغابة. وقف الجميع على الفور، استعدادًا للهجوم.
لكن الذي خرج من الظلال لم يكن عدواً... بل فتاة صغيرة، بملامح باهتة وعينين حمراوين.
قالت بصوت طفولي غريب: "الخاتم في يدك... لكنه لا يخصك وحدك. هناك مَن يريده أكثر."
سألتها يانغ تشي: "من أنتِ؟"
قالت الفتاة: "أنا من بقي من الطين... وسأرشدك إلى أول من خانك."
ثم اختفت.
نظرت يانغ تشي إلى الأمير، وقالت بصوت ثابت: "سنكمل المسير. الليلة لن ننام... لقد بدأ زمن الحساب."
وفي السماء، بدأت النجوم تتلاشى واحدة تلو الأخرى.
sara abdullah