عيون في السوق
كانت المدينة تنبض بالحياة كما لم ترَها من قبل. العربة التي أقلّت يانغ تشي من حدود المقاطعة دخلت عبر البوابة الشرقية للعاصمة الكبرى "تشينغ لو"، تلك المدينة التي تهمس كل زاوية فيها بسرّ، وكل جدار يُخفي ماضٍ لا يُروى.
جلست يانغ تشي بصمت في العربة، تراقب من نافذتها الضيقة الشوارع المرصوفة بالحجر واللافتات التي تعلو المتاجر. الهواء كان يحمل روائح مختلطة: بخور، طعام الشوارع، ونفحة رطوبة من النهر القريب.
كانت ترتدي عباءتها الرمادية البسيطة التي تغطي معظم جسدها، فيما تركت خصلات شعرها السوداء تنساب على كتفيها دون اهتمام، كأنها لا تخشى لفت الأنظار. على جانب خصرها، خُبّئت خناجر صغيرة، وفوق صدرها قلادة فضية تحمل حجرًا صغيرًا داكنًا.
لقد نشأت في قرية جبلية صغيرة مع جدّها الصارم وأخيها الأكبر، بعد اختفاء والديها في حادث غامض. لم تكن تلك الطفلة العادية، بل تميزت بذكاءٍ لاذع وروح مرحة، تجمع بين النكتة والحدّة. جدها علّمها أسرار الفراسة وتتبع الأثر، أما أخوها، فقد كان معلّمها في فنون القتال.
ولكن، رغم براعتها، كانت تشعر منذ أعوام بثقل داخل جسدها. كأنّ شيئًا بداخلها خامل، ينتظر أن يُستيقظ.
كانت هذه المدينة هي الأمل... وربما النقمة.
نزلت من العربة قرب ساحة السوق. السوق القديم في العاصمة كان يعجّ بالباعة والمهرّجين والناس من كل الطبقات. وبينما كانت تخطو خطواتها الأولى، شعرت بنظرات غريبة تراقبها. لم تكن جديدة على الأعين المتفحصة، لكنها تعلمت أن ترد عليها بابتسامة ساخرة ونظرة متحدّية.
وفجأة، اخترق الصراخ أذنها: "أمسكوا به! اللص!"
اندفع الناس في كل الاتجاهات، وركض شاب نحيل في العشرينات، يركض وهو يلهث، وحقيبة صغيرة تحت إبطه.
تجمهر الناس بسرعة، وأمسك به حارس السوق، وبدأ الجميع يشيرون إليه ويتهمونه.
وصلت يانغ تشي إلى الحلبة البشرية، شقّت طريقها دون أن تنطق بكلمة. ثم وقفت أمام الشاب وقالت بهدوء: "اتركوه."
توقّف الجميع، نظروا إليها باستهزاء.
قال الحارس: "ومن أنتِ لتأمري؟"
أجابت وهي ترفع كيس النقود من يد الحارس وتنظر إليه: "محلّلة، باحثة، أو ربما شخصٌ يعرف أن هذا الرجل بريء."
رفعت الكيس إلى مستوى أنفها، وشمّت أطرافه، ثم مسحته بكمّ ردائها.
قالت: "رائحة الياسمين... عطر يُباع فقط في المتجر الغربي. هذا يعني أن السارق الحقيقي مرّ من هناك."
ثم أشارت إلى الشاب وقالت: "أما هو، فحذاؤه مغطى برماد، وهذا يأتي فقط من الحي الجنوبي، حيث لا يُباع العطر أصلاً."
صمت الجميع، ثم بدأت همهمات الإعجاب.
أكملت يانغ تشي، وهي تشير إلى أحد المارة: "أنت، الذي بدأت الصراخ أولاً... لماذا لم تمسك بالسارق إن كنت أول من رآه؟ أم أنك كنت تُشتت الانتباه؟"
تجمد الرجل في مكانه، وأدار وجهه للهرب، لكن أحد الحراس أمسك به.
ضحكت يانغ تشي وقالت: "القاعدة الأولى: لا تصرخ كثيرًا إن كنت تريد أن تُخفي جرمك."
بينما كان الجميع مشغولين بإعادة الأموال، كانت هناك عيون أخرى تراقب.
من شرفة القصر الخارجي، وقف الأمير ليو تشن، يحمل بيده كوبًا من الشاي الأخضر، يرافقه مساعده لين باي.
قال الأمير: "مَن هذه الفتاة؟"
رد لين باي: "اسمها يانغ تشي، وصلت اليوم فقط. كانت تُعرف في الشمال بمهارتها في التحقيق، أُرسلت للتحقيق في مقتل والديها بناءً على طلب خاص."
سكت الأمير للحظة، ثم قال: "لدي شعور أن قدومها لم يكن صدفة..."
ابتسم بخفة، ورفع يده قائلاً: "أخبر الحرس... أريدها هنا، لكن ليس كمحققة... بل كحارسة شخصية لي."
لين باي تردد: "ولكن يا سمو الأمير، لا يُسمح للنساء بدخول الحرس الإمبراطوري بهذه الصفة."
أجاب الأمير: "ومن قال أنها ستدخل كواحدة منهم؟ لتكن ظلّي... لا أحد يعرف من تكون، ولا ما الذي تفعل."
وفي السوق، كانت يانغ تشي تتنهد وهي تمشي مبتعدة.
همست لنفسها: "البدايات الجيدة دائمًا ما تخبئ نهايات معقدة..."
ولم تكن تعلم أن أول خطوة في العاصمة، كانت بداية طريق لن تستطيع الرجوع منه أبداً.
بعد أقل من ساعة من حادثة السوق، وجدت يانغ تشي نفسها واقفة أمام أبواب القصر الخارجي، تحدّق في الحُرّاس ذوي الدروع الزرقاء والأعلام التي ترفرف بشعار التنين الفضي. لم يكن هذا ضمن خطتها، لكنها علمت جيدًا أن الأقدار لا تنتظر أحدًا، وأنها الآن على مشارف منعطف جديد لا رجعة فيه.
أُدخلت إلى قاعة استقبال صغيرة، فسيحة، تكسوها المفارش الحمراء، وتنتشر حولها تماثيل لحيوانات مقدّسة منقوشة على الحجر الأسود. كانت الأجواء تُشعر المرء وكأنه مراقب من أعين الماضي.
ثم دخل الأمير.
كان طويل القامة، عيونه داكنة بلون الليل، يضع رداءً إمبراطوريًا بسيطًا من الحرير الرمادي المطرّز بخيوط فضية. ملامحه هادئة، لكن خلف تلك الملامح كان هناك شيء غامض... شيء يُشبه المعرفة العميقة أو الندم العتيق.
قال لها دون مقدمات: "أنتِ من أوقفتِ فوضى السوق؟"
أجابت دون انحناء، رغم دهشة الجميع: "أنا من رأيت الحقيقة حين لم يرها الآخرون."
رفع حاجبيه، ثم قال وهو يقترب: "جرأة. هل تعلمين أن ما فعلته يُعدّ عدم احترام؟"
قالت بابتسامة ساخرة: "هل الاحترام أن أنحني، أم أن أخبرك كذبة؟"
ضحك الأمير للمرة الأولى، وكانت ضحكته لا تشبه ضحكات الملوك... كانت صادقة بشكل أربك الحراس.
أشار إلى كرسيٍ قريب: "اجلسي."
ترددت للحظة، لكنها جلست أخيرًا.
قال لها: "لدينا قضايا لا يستطيع أي محقق حلّها. جرائم بلا أثر، ضحايا بلا أعداء، رسائل غامضة توقظ الليل."
مدّ نحوها ملفًا جلديًا.
فتحته وبدأت تقرأ... لكنها توقفت فجأة. كان هناك اسم.
اسم والدها.
قال الأمير بصوت خافت: "نحن لا نعلم من قتل والدك. لكن هناك من لا يريد لهذه الحقيقة أن تُكشف."
رفعت نظرها إليه، والشرارة في عينيها تحولت إلى لهب: "وهل ستتركني أحقق؟"
أومأ برأسه: "لكن بشرط."
"ما هو؟"
"ستكونين حارستي الخاصة. من الخارج أنتِ تراقبينني، ومن الداخل... تبحثين عن الحقيقة."
صمتت لوهلة، ثم قالت: "أوافق. لكن إن اقترب أحد من الحقيقة، لن أسكت."
قال الأمير: "ولا أنا."
---
مرت الأيام، وكانت يانغ تشي تتجوّل في ممرات القصر مثل ظل لا يُرى. كانت تحفظ الوجوه، وتقرأ الهمسات، وتتفحّص الرسائل التي لا تصل لأحد.
وذات ليلة، وبينما كانت تتسلل نحو الجناح الغربي المهجور، رأت رجلاً مُقنعًا يُلقي بشيء في النهر. تبعته، لكنّه اختفى كما يختفي الحلم عند الفجر.
اقتربت من النهر، وجدت زجاجة نحاسية صغيرة، بداخلها قطعة قماش مبللة وملاحظة مكتوبة بلغة قديمة.
كانت الكلمة الوحيدة المفهومة: "الخاتم".
ثم شعرت بشيء خلفها، استدارت بسرعة، وإذا بالحارس الشخصي للأمير، لين باي، يحدّق بها.
قال بهدوء: "أتعرفين ما هو الخاتم؟"
همست: "لا... لكنّي سأعرف."
قال لين باي بصوت عميق: "إن كنتِ تنوين فتح هذا الباب... فاعلمي أنه لا يغلق أبدًا بعد ذلك."
تقدمت منه خطوة: "لم آتِ إلى هنا لأبقى في الظل. أنا الضوء الذي يطاردهم حتى النهاية."
في تلك اللحظة، فوق سطح الجناح، وقف الأمير ليو تشن يراقب من بعيد، يده خلف ظهره، وهمس: "الفتاة... ستغيّر كل شيء."
ولم يكن يدري أن ما يُخفيه قلبه سيصبح سيفًا يطعن الجميع.
تمضِ ليلة واحدة بعد اكتشاف يانغ تشي للزجاجة الغامضة حتى بدأت تشعر أن شيئًا ما لا يعمل في جسدها كما يجب. لقد اعتادت منذ طفولتها على ممارسة تمارين الطاقة الروحية كل فجر، تمرينات بسيطة تُبقي حواسها نشطة وتُنعش شعلة القوة التي وُلدت بها، لكنها في ذلك الصباح، جلست القرفصاء في غرفتها كما تفعل دائمًا، وأغمضت عينيها... بلا نتيجة.
الهواء من حولها كان ساكنًا، والأرض صامتة، وداخلها؟ كأن أبوابًا أُغلقت إلى الأبد.
ضغطت أصابعها على الأرض بقوة، وهمست: "هذا ليس طبيعيًا... أين ذهبت طاقتي؟"
أعادت التمرين مرة أخرى... ثم ثالثة... ثم فتحت عينيها في ذهول.
كانت تشعر بالفراغ.
في المساء، تسللت إلى مكتبة القصر السرّية، والتي دُلّت عليها من قبل لين باي. كانت الغرفة عميقة، يعجّ جدرانها بالمخطوطات القديمة والرموز غير المفهومة.
بعد ساعات من التصفح، وجدت مخطوطة بلون الجلد المعتّق، عنوانها: "عن فنون الختم الخفي".
قلبت صفحاتها، حتى عثرت على رسم غامض... دوائر متشابكة داخلها نقطة سوداء، وحولها خطوط حمراء تلتف على شكل حلزوني.
تحت الرسم، وُجدت عبارة صغيرة كتبت بلغة قديمة:
> "حين تُختم الروح، لا ينطفئ النور... بل يُحبس لحين ظهوره الحقيقي."
شهقت، وسحبت رقبتها ببطء، تذكّرت الحلم القديم الذي كانت تراه دومًا: زهرة تشتعل في صدرها، ثم تختفي فجأة.
"لقد تم ختم طاقتي!"
لكن من؟ ولماذا؟
في اليوم التالي، واجهت جدها في رسالة كتبتها له بسرية عبر الحمام الزاجل، سألته فيها: "هل خُتمت طاقتي بإرادتكم؟ وهل كان لأخي يد في هذا؟"
مرّ أسبوع... ولم يأتِ رد.
وفي تلك الليلة، زارها الأمير بنفسه، دون حرس.
كان يحمل صندوقًا صغيرًا، فتحه أمامها، بداخله خاتم غريب، مرصع بحجر أحمر قاتم.
قال لها: "هذا كان ملكًا لوالدك. وُجد قرب جسده بعد الحادث."
نظرت إليه بذهول، وسألت: "لماذا تعطيني إياه الآن؟"
قال بهدوء: "لأن الظلال بدأت تتحرك، وإن لم تعرفي من أنتِ... لن تصمدي طويلاً."
أخذت الخاتم، وحين لامست الحجر... ومضة قوية اجتاحت جسدها.
تذكّرت وجه والدها، ويديه وهما يحملان الخاتم نفسه، يضعه على جبهتها وهي رضيعة، ويتمتم بكلمات لا تُنسى.
ارتجفت يانغ تشي، وسقطت على الأرض، فيما ليو تشن ركع بجانبها، ووضع يده على كتفها، وقال: "قوتك لم تختفِ يا يانغ تشي... إنها تنتظر اللحظة المناسبة لتعود."
وفي الظلال... كان شخص يرتدي عباءة داكنة، يقف على سطح بعيد، يتمتم بكلمات غامضة: "الخاتم استُخدم... لقد بدأت تنفتح... وريثة النار، ستنقلب الطاولة من أجلها."
الكاتب: ساره عبدالله.