١٣
---
الفصل الثالث عشر: الحارسة الثالثة
بعد مرورهما من اختبار النار الأول، لم يشعر الاثنان سوى بثقل المسؤولية على عاتقهما. الهواء حولهما كان يئنّ من حرارة المخطوطة، والسماء حمراء قاتمة، كأن العالم نفسه يحذر من الاقتراب أكثر.
ارتفعت الرياح فجأة، وأصوات صريرٍ لم يسمعاه من قبل ملأت الفراغ، وكأن الأرض نفسها تتحدث. ليارا شعرت بتيار غريب يسري في جسدها، جعل قلبها ينبض بسرعة.
قال رافاييل، صوته متوتر:
"هذه الرياح… ليست طبيعية. هناك شيء أكبر قادم."
تقدمت ليارا بحذر، عيناها تراقبان كل حركة حولهما. فجأةً، ارتفعت من الأرض كرة من لهب أزرق غامق، تدور بسرعة، ثم انفجرت، لتتكشف الحارسة الثالثة. كانت فتاة طويلة، شعرها يتلألأ كالسخام المحروق، وعيونها بنفسجية تتوهج بالقوة. جسدها مغطى برقع معدني من اللهب، وأذرعها تتفرع كأفرع الأشجار المشتعلة، كل حركة تصدر صدى كهربائي يمرّ عبر الأرض.
وقفت أمامهما، وقالت بصوت عميق وصارم:
"لقد اجتزتما الماضي… لكن الحاضر لا يُختبر إلا بالقوة الحقيقية. من لا يستطيع مواجهة نواياه الداخلية… سيهلك قبل أن يعرف مصيره."
ارتجف الاثنان قليلاً، لكن ليارا رفعت رأسها وقالت بثقة:
"نحن نعرف الطريق… وهدفنا حماية المخطوطة."
ابتسمت الحارسة بابتسامة خفيفة، لكنها لم تُظهر أي رحمة. اندفعت نحوهم بسرعة، ألسنة لهبها تحاصرهم من كل جانب.
رافاييل أسرع بخطوة، حاول صدها، لكنه شعر بثقل لا يُطاق على جسده. في نفس الوقت، شعرت ليارا بتيار غامض يضغط على قلبها، يُظهر مخاوفها الداخلية: شكوكها حول نفسها، شعورها بأنها قد تخون ثقتها برافاييل، وأن كل القوة التي تمتلكها قد تكون غير كافية.
صرخت ليارا داخليًا:
"لا… لن أسمح للخوف أن يسيطر عليّ!"
تقدمت خطوة، وتركت شعلة المخطوطة تنطلق من قلبها، لتصطدم بأذرع الحارسة. شعلة نارية بيضاء قوية، تصدّ لهب الحارسة، لكن لم تكن كافية لإيقافها بالكامل.
بدأت الحارسة الثالثة تتحدث:
"القوة وحدها لا تكفي… النوايا الحقيقية هي التي تحدد من يستحق المخطوطة. أنتما متحدان… أم أن أحدكما سيقع قبل الآخر؟"
هنا بدأ التوتر يظهر بين ليارا ورافاييل.
رافاييل قال:
"ليارا… ركزي على نفسك! لا تشتتي قوتك!"
ليارا ردت بنبرة حادة:
"وأنت؟! دائمًا تحاول التحكم بكل شيء! هل جربت يومًا أن تثق بي بالكامل؟"
توقف رافاييل لثوانٍ، ثم قال:
"ثقافة… ليست مسألة اختيار، بل مسألة البقاء على قيد الحياة!"
تبادلا نظرات مشحونة بالغضب والخوف، لكنهما أدركا سريعًا أن هذه الخلافات ستضعفهما أمام الحارسة.
فجأة، ارتفعت أصوات المخطوطة: همسات نارية تكاد تخرج من كل اتجاه، تحذر من أن الوقت يمر، وأن الخلافات ستكلفهما كل شيء.
اتحد الاثنان مرة أخرى، ولكن هذه المرة لم يكن الاتحاد بالقوة فقط، بل بالإرادة. شعلة نارية بيضاء أكبر انطلقت من قلبهما، تصطدم بالحارسة الثالثة.
صرخت الحارسة، وتحركت بسرعة مذهلة، ولكن اندفاع الشعلة أجبرها على التراجع مؤقتًا. وفي اللحظة نفسها، بدأت المخطوطة تتوهّج بشكل أقوى، كأنها تعكس قوة الاتحاد بينهما.
من المخطوطة، انطلقت رؤيا قديمة: مشاهد من الماضي، تظهر سلالة الحارسة الثالثة، وكيف خُلقت من نار مخطوطة قديمة لحماية المعرفة، لكنها أصبحت متقلبة بسبب قوة المخطوطة التي بدأت بالتحول إلى عالم خارجي جديد.
ليارا رأت كل شيء، وقالت بهمس:
"الآن فهمت… هذه ليست مجرد حارسة… إنها جزء من قوة أقدم من أي شيء عرفناه."
رافاييل همس:
"إذاً، علينا اجتياز هذا الاختبار… ليس بالقوة فقط، بل بالفهم."
بدأ الاثنان باستخدام كل ما تعلموه، كل حركة، كل نية، وكل شعور داخلي، لتوجيه شعلة المخطوطة نحو الحارسة الثالثة. ألسنة النار اصطدمت، الأرض تهتز، والسماء تتلوّن باللون الأحمر والأزرق.
الحارسة الثالثة توقفت فجأة، وابتسمت ابتسامة غامضة:
"لقد أثبتتما… مؤقتًا. المخطوطة ترى النوايا الحقيقية… ولن تُفتح بالكامل إلا لمن يثبتون اتحادهم وفهمهم العميق."
ابتعدت تدريجيًا، واختفت في دوامة من اللهب، تاركة خلفها شعورًا بالرهبة والقوة.
تنفس الاثنان بصعوبة، لكنهما عادا إلى الواقع: الأرض لا تزال تهتز، الرياح تعصف، والمخطوطة أمامهما تتوهج، مستعدة للكشف عن الفصل التالي، والأسرار القادمة.
ليارا نظرت إلى رافاييل وقالت:
"لقد تعلمنا درسًا مهمًا… القوة وحدها لا تكفي."
رافاييل ابتسم، وقال:
"وأيضًا… الثقة بالنوايا هي ما يجعلنا أقوى، رغم كل الخطر."
لكنهما لم يعرفا أن هذه التجربة لم تكن إلا البداية، وأن الحارسة الثالثة مجرد تمهيد لاختبار أكبر، سيضع العالم كله على المحك، ويكشف الأسرار القديمة التي لم تُعرف منذ قرون.
---