١٢
الفصل الثاني عشر: لهب المخطوطة
كانت الأرض ترتجف تحت أقدام ليارا ورافاييل، والهواء حولهما يئنّ كأن كل شيء حيّ يراقبهما. الشمس المحرقة فوقهما لم تُصدر دفئًا، بل كانت كعقلٍ أزلي يختبرهما، والسماء تتلبّد بالغيوم الحمراء الداكنة، تاركة شعاعًا ضعيفًا من الضوء الذي يلمع فوق الصخور المحترقة.
وقف الاثنان على حافة فجوة واسعة، والهواء كان يخرج منها كأنه يتنفس. ومن عمقها، ظهر جزء من المخطوطة الكامل، يطفو فوق فوهة النار، محاطًا بدوامة من لهب أزرق متلألئ. الصفحة لم تكن مجرد ورقة، بل مخلوق حي ينبض بطاقة لا تصدق، وكأنه ينتظر أن يُفتح بفعل إرادة قوية.
قال رافاييل، صوته متوتر:
"هذا… هذا الجزء من المخطوطة… لم يره أحد منذ قرن. كل قوة العالم مجمعة هنا."
نظرت ليارا إليه، وعيناها تتوهجان بالعزم:
"إذا أردنا معرفة الحقيقة، فعلينا الاقتراب… حتى لو كان الخطر يحاصرنا."
تقدما ببطء، ولكن قبل أن تلمس أي منهما المخطوطة، ارتفعت ألسنة نارية من فوهة الفجوة، وتكوّن كيان ناري ضخم، أكبر من أي شيء شاهده الإنسان أو شاهدوه من قبل. جسده كان لهبًا أحمر قاتمًا، وعيناه سوداوان كرماد البركان، وذراعيه الطويلتان امتدتا إلى ما لا نهاية، وكأنهما يختبران كل نية داخل قلوبهم.
صرخت ليارا:
"رافاييل… علينا أن نتحد أكثر من أي وقت مضى!"
أومأ رافاييل، ووقفا جنبًا إلى جنب. حاولت ليارا التركيز على شعلة المخطوطة في وسط الفجوة، وأحست بأن قوة الإرادة بدأت تتدفق من قلبها إلى جسدها، لتشكل درعًا من طاقة نارية بيضاء حولها وحول رافاييل.
الكيان هاجم، ألسنته الطويلة تصيب الأرض، فتحركت الصخور تحتهم كأنها موجة بحرية. رافاييل اندفع للأمام، وامتص جزءًا من النار باستخدام قوة إرادته، لكنه شعر بثقل هائل يسحب جسده إلى الخلف.
فجأة، ظهر الشخص الغامض من بين الدخان والرماد، عباءته السوداء تتماوج مع الرياح:
"لقد وصلتما إلى نقطة حرجة… المخطوطة لا تُفتح بالإرادة وحدها. هناك اختبار أعمق… اختبار القلب والعقل والنوايا."
نظرت ليارا إليه بعينين مليئتين بالغضب:
"إذا كنت تريد الاختبار… فنحن مستعدون!"
ابتسم الغامض، لكن ابتسامته لم تكن بشرية. كانت ابتسامة مخلوق عتيق يعرف كل شيء عن المخطوطة:
"الكيان أمامكما… هو الحارسة الثانية، روح النار القديمة، خُلقت لحماية المخطوطة من أولئك الذين يخططون لاستخدامها لغير الغرض الحقيقي. إن لم يثبت اتحادكما، ستُمحى نواياكما من الواقع."
انطلقت ألسنة النار من الكيان، تحيط بهما من كل جهة. لكن ليارا ورافاييل لم يتراجعا. ركّزا على شعلة المخطوطة، فامتدت قوة من قلبها، لتشكل جدارًا من الضوء الأبيض يصد النار، بينما تحركا معًا بمهارة لتجنّب الضربات المميتة.
وفي وسط المعركة، بدأت المخطوطة تتوهّج أكثر، وتصدر همسات نارية تتحدث بلغة لم يسمعها أحد من قبل، وكأنها تحاول تحذيرهم، أو توجيههم. كانت الكلمات تعكس الحقيقة: كل نية، كل شعور، كل شك داخلي، سيُكشف الآن.
صرخت ليارا:
"رافاييل… اتبعني!"
اندفع الاثنان معًا، واتحدت نواياهما في شعلة واحدة، قوية بما يكفي لتغيير مسار الكيان الناري. أصابت الشعلة قلبه، لكنه لم يُنهزم بالكامل. صرخ صرخة اهتزت معها الأرض والهواء، ثم بدأ يذوب تدريجيًا إلى دخان أسود كثيف يختلط بالرماد المتطاير من الفجوة.
تنفس الاثنان بصعوبة، ووقفا على صخرة متصدعة، والرياح هدأت قليلًا، لكن لم يكن الوقت للاحتفال. فوسط الدخان، سمعا صوتًا آتٍ من المخطوطة نفسها:
"لقد اجتازتم الاختبار الأول… لكن هناك ثلاثة أخرى تنتظركم. كل صفحة تحمل قوة أكبر من التي قبلها… وكل خطوة إلى الأمام ستختبر نواياكما الحقيقية."
نظر رافاييل إلى ليارا، وقال بصوت مرتجف لكنه مصمم:
"هذا لم ينته بعد… الطريق أمامنا أطول مما تخيلنا."
أومأت ليارا، وأخذت نفسًا عميقًا، قبل أن تمد يدها نحو الفجوة، وتلمس المخطوطة من جديد. شعرت بطاقة تغمر جسدها بالكامل، قوة تتحدى المنطق، وكأن العالم بأسره قد بدأ يحس بوجودها.
فجأة، ارتفعت ألسنة نارية حولهما، لكن هذه المرة لم تكن عدائية… كانت دعوة للمواجهة القادمة، واختبارًا جديدًا للقدرات، وللثقة بينهما.
قال الغامض من بعيد، صوته يرنّ كالرعد:
"الصفحة التالية… الحارسة الثالثة… والسر الذي كنتما تبحثان عنه… لن يظل مخفيًا طويلاً."
نظر الاثنان إلى بعضهما، وعيونهما تتوهج بالعزم. كان الطريق أمامهما محفوفًا بالمخاطر، لكنهما يعرفان شيئًا واحدًا: المخطوطة لا تُفتح إلا بالقوة المشتركة، وبصدق النوايا، وبجرأة القلب.
وانطلقت الرياح من جديد، معلنة بداية الفصل التالي في رحلتهما، حيث النيران لم تعد مجرد اختبار… بل بداية حرب كاملة على المعرفة والقوة.