الفصل التاسع
الفصل التاسع: الصفحة التي تتنفس
حين اقتربت ليارا من الصندوق، شعرت وكأن يدًا خفية ترفع حرارة الهواء حولها. لكن النار هذه المرة لم تكن عدائية… كانت نداء.
فتح رافاييل الغطاء ببطء، وصدر عن الداخل صوت همسة… ليست همسة هواء، بل همسة ذاكرة.
وفي الداخل، كانت هناك ورقة واحدة. ليست مصنوعة من جلدٍ أو ورقٍ عادي، بل من نَسج ناريّ خافت يتوهّج كلما اقتربوا.
كانت تتحرك، تنبض كما القلب، وتُصدر ضوءًا ذهبيًا حادًا لا يَحرق، لكنه يجبر العين على الانتباه.
رفعها رافاييل، وإذا بالحروف تترتّب أمامه… من تلقاء نفسها.
لكنها لم تكن مكتوبة بلغة واحدة… بل بثلاث لغات متداخلة: قديمة، نارية، وبشرية.
حين قرأتها ليارا، لم تُترجم في عقلها ككلمات، بل كرؤيا.
وفجأة… امتلأ الفراغ حولهم بضوء.
واختفى كل شيء.
وجدت نفسها واقفة على صخرة عالية وسط وادٍ أسود، والسماء فوقها حمراء كالغليان.
رافاييل كان بجانبها، ينظر هو الآخر في صمت.
أمامهم… جيش من الظلال، لكن لم تكن بشرًا… كانوا مخلوقات من دخانٍ كثيف، بأجساد طويلة، ووجوه مغطاة بأقنعة معدنية تُشبه أقفال المخطوطة.
وفي وسط هذا الجيش، كان يقف شخصٌ واحد يلبس عباءة بيضاء، لكن النار تتصاعد من أطرافها، ولا تُحرقها.
وحين رفع وجهه… لم يكن له وجه.
بل فقط نقش ناريّ مكان العينين، كأن النار نفسها هي من تنظر.
ثم تكلّمت الصفحة، بصوتٍ يشبه الريح حين تمرّ بين نارين:
"هذا هو القادم... من لم يُختبر بالنار، بل صنعها. من لا يبحث عن المخطوطة، بل يريد أن يُعيد كتابتها."
"الأقفال الأربعة ليست كافية. فالمخطوطة لا تنتمي لمن وجدها، بل لمن يحميها حين يُنادى لدمها."
صُدمت ليارا، وهمست:
"هذا ليس اختبارًا فقط… بل بداية حرب."
ورد الصوت:
"الصفحة الأولى أُعلنت... والبقية لن تُكشف، إلا بعد أن تُختبروا في الخارج. النار القادمة ليست منكم… بل من عالمٍ نسي أن يحترق."
عاد النور، وعادت القاعة. وكانت الورقة قد اختفت.
الملثم كان واقفًا بعيدًا، لكنه لم يتحرك، فقط قال:
"رأيتم ما لم يره أحد منذ قرن. الآن… النار لا تعود للقبو. بل إلى العالم."
ليارا نظرت إلى رافاييل، ولأول مرة، لم ترَ فيه عدواً. بل… حليفًا مؤقتًا في وجه كيان لا يُشبههم.
والنار… لم تنتهِ بعد.
يتبع في الفصل العاشر...