حكم الهاويه - ٧٤ - بقلم وهج عبد الله كاظم - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حكم الهاويه
المؤلف / الكاتب: وهج عبد الله كاظم
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ٧٤

٧٤

الفصل ٧٤ – المعركة الحاسمة: فجر الهاوية اهتزّت القاعة المظلمة بعنف، والجدران الحجرية بدت وكأنها تتنفس مع كل صرخة تصدر عن الكيان المتجسد أمامهم. ذلك الشكل المشوّه الذي جمع ملامحهم جميعًا في وجه واحد، تضاعف حجمه حتى غطى السقف، أذرع طويلة تفرّعت منه كالأفاعي، وعيون متعددة انفتحت في كل بقعة من جسده، ترقبهم بنهمٍ جائع. قال الصوت، وهو يجلجل كعاصفة من أصواتهم المختلطة: «أنتم حاولتم الهرب من حقيقتكم… لكنكم الآن ستغرقون فيها، حتى آخر نفس!» الخطوة الأولى. اندفع الذراع الأول كرمحٍ من الظلام باتجاه كايتا. ارتفعت الأرض تحت قدميه لكنه ثبت مكانه، عيناه تتسعان وهو يستحضر ضوءه الرمادي. رفع يده، فتكوّنت جدران شبه شفافة من الطاقة، صدّت الضربة الأولى. غير أنّ الرمح تفتّت إلى شظايا اخترقت الحاجز وانطلقت نحوه. «كايتا!» صرخت كورو. لكنه صرخ بدوره: «لا تقلقي!» أطلق دفعة أخرى من الضوء، جعل الشظايا تتحوّل إلى دخان رمادي يختفي في الهواء. تنفّس بصعوبة، قطرات العرق تنزلق على جبينه. «هذا الشيء… يتعلّم من كل حركة.» ماكاتو تقدّم، كتابه المضيء بين يديه، والصفحات تتقلب بسرعة كأنها مدفوعة برياح خفية. فتحه على صفحة بعينها، وقرأ بصوت عالٍ: «الحقيقة تُشوّه، لكنها لا تُمحى!» فخرجت من الكتاب أحرف متوهجة، تشكّلت على هيئة سلاسل من زجاج ناصع، التفّت حول ذراع الكيان. زمجر الظل، وعيون جسده التفتت نحو ماكاتو في وقت واحد. «أنت… أكثر من حاولتَ إخفاء حقيقتك. ستُسحق أولاً!» تحرّك الجسد الضخم، وضرب الأرض براحة يده. اهتزّت القاعة، وانشقّت الأرض تحت أقدامهم. قفز رينجي في الهواء، سيفه يلمع بضوء أبيض كالبرق. «لن تدوس على أحدٍ وأنا هنا!» صاح، وضرب الذراع الأخرى بضربة مائلة. الشرر انفجر، وانقسمت الذراع نصفين… لكن الظل أعاد تشكيلها في لحظة. ضحك رينجي ساخرًا رغم الخطر: «تمام… يعني لازم أقطعك ألف مرّة.» في الجهة الأخرى، كان تاكايوشي يواجه سيلاً من الأذرع الصغيرة التي انبثقت من الأرض تحاول تقييده. تردده القديم خيّم لحظة في عينيه، لكن سرعان ما قبض على خنجره الذهبي، ضرب الأرض حوله بخط دائري. انطلق وميض أصفر باهت، قطع الأذرع كلها. تمتم تاكايوشي وهو يلهث: «لن أتردد… ليس الآن.» كورو، في مركز الدائرة، رفعت سيفها الأسود المتوهج بالضوء الأرجواني. كل وجوه الظل التفتت نحوها، أصوات متداخلة تتهمها: «أنتِ السبب… لولاكِ لما اجتمعنا هنا! أنتِ جلبتِ هذا المصير!» شعرت بثقلٍ في قلبها، ركبتاها كادتا تخونانها. لكن صوت أصدقائها أعادها: رينجي: «كورو! لا تسمعي لهم، أنتِ من جمعتِنا لنقاتل لا لنهرب!» ماكاتو: «من دونك لما كنتُ أنا قادرًا على فتح كتابي!» كايتا: «أنتِ من منحتني القوة لأتقبل نفسي!» تاكايوشي: «لستِ السبب في نهايتنا… أنتِ سبب استمرارنا!» ارتجفت عينا كورو، دمعة حارّة انزلقت، ثم قبضت على سيفها بكل قوتها. «إذن… لننهي هذا معًا!» المعركة اشتعلت. الجولة الأولى: انهيار الجدران رفع الكيان الضخم ذراعيه، فتجمّعت الظلال على شكل جدار أسود هائل، تقدّم نحوهم كجدار سحق. هتف كايتا: «اتركوه لي!» أطلق موجة ضوء رمادي من كلتا يديه، ارتفع كالحاجز أمام الجدار. ارتجّ المكان من قوة الاصطدام، الضوء والظلام يتصارعان، وكل منهما يحاول ابتلاع الآخر. صرخ كايتا: «ساعدوني!» قفز رينجي من فوق الحاجز، سيفه الأبيض انغمس في الجدار، مزّقه من المنتصف. ماكاتو أطلق سلاسله الزجاجية داخل الشق، فجعلها تتفجّر من الداخل. أما كورو فقد صاحت وهي تضرب بسيفها الأرض، فأخرجت شقًا عميقًا ابتلع بقايا الجدار. انفجر الجدار، وتناثر دخان أسود في الهواء. الجولة الثانية: عاصفة الظلال زمجر الكيان، وفجأة تحوّلت عيونه إلى دوامات، ومن كل عين انطلقت رياح سوداء تحمل شظايا حادة كالزجاج. العاصفة اجتاحت القاعة، كادت تمزقهم. رفع ماكاتو كتابه ليغطي رفاقه، صفحاته تشكّلت كدرع شفاف. لكن الشظايا بدأت تخترقه. كورو اندفعت للأمام، سيفها يصنع دوائر من الضوء الأرجواني، صدّت العاصفة جزئيًا. أما تاكايوشي فقد ألقى بخنجره للأعلى، فانفجر منه ضوء أصفر كوّن مجالاً واقيًا حولهم. رغم ذلك، بعض الشظايا اخترقت الدفاع، أصابت كتف رينجي وجبين كايتا. الدم سال، لكنهما وقفا دون أن يتزعزعا. رينجي مسح الدم عن وجهه وضحك: «جرح صغير؟ أحلى تذكار من المعركة.» كايتا، رغم الألم، رفع يده وقال: «لسّه ما خلصنا.» الجولة الثالثة: قلب الظل انحنى الكيان للأمام، صدره انشقّ، وفي داخله ظهر قلب أسود ينبض. كل نبضة جعلت القاعة تهتز ويخفت نور أسلحتهم. «ذلك هو… قلبه!» صاحت كورو. لكن الكيان التفّ على نفسه، وحمى القلب بطبقات من الأذرع. كلما حاولوا الاقتراب، واجهتهم عشرات النسخ من أنفسهم، مصنوعة من الظل. رأى رينجي نسخة مظلمة منه تضحك بسخرية: «أنت مجرد كذبة.» رأى تاكايوشي نسخة مترددة تبكي. رأى كايتا نفسه صغيرًا، محطمًا. ماكاتو واجه نسخة تقرأ من كتابه بدماء. وكورو رأت نسخة منهم جميعًا يصرخون: «ستموتين وحدك!» الارتباك ضربهم للحظة، لكنهم تشابكوا بالنداء: كورو: «هذه ليست أنتم! هذه ظلال!» رينجي: «نحن نقرر حقيقتنا!» ماكاتو: «لن يكتب لنا مصيرنا سوانا!» تاكايوشي: «أنا اخترت بالفعل!» كايتا: «لن أسمح لماضيّ أن يقتل حاضري!» اجتمعوا معًا، اندفعوا داخل طوفان الظلال، مزقوا النسخ وهم يتبادلون حماية بعضهم. الجولة الأخيرة: الضربة الموحّدة أخيرًا وصلوا أمام القلب. ينبض بقوة، يطلق صرخات مشوّهة. قالت كورو بصوت ثابت: «الآن… جميعنا!» رفع كايتا يديه، وخلق حقلًا رماديًا يثبّت الكيان في مكانه. ماكاتو أطلق سلاسله، ربط بها طبقات الأذرع التي تحمي القلب. رينجي قفز عاليًا، سيفه الأبيض اشتعل كبرقٍ سماوي. تاكايوشي ركّز كل قوته في خنجره، الضوء الأصفر أصبح كالشمس. وكورو رفعت سيفها الأسود المشتعل بالأرجواني، دموعها تختلط بالعرق. صرخوا جميعًا بصوت واحد: «معًا!» انطلقت ضرباتهم في لحظة واحدة— السيف الأبيض شقّ الهواء، الخنجر الذهبي غرس في الحاجز، السلاسل الزجاجية شدّت القلب، الضوء الرمادي كبّله… ثم اخترق سيف كورو القلب مباشرة! انفجار هائل اجتاح القاعة، نورٌ وظلام تمازجا في دوامة واحدة. صرخات الكيان ترددت حتى تفتّت صوته واختفى. بعد الصمت سقط الغبار. تنفّسوا بصعوبة، أجسادهم مليئة بالجروح، لكنهم وقفوا معًا. في وسط الركام، لم يبقَ سوى بلورة صغيرة، نصفها أسود ونصفها أبيض، تنبض ببطء. اقتربت كورو منها، مدت يدها. قال رينجي: «انتبهي… يمكن أن تكون خطرة.» ابتسمت كورو بتعب: «أو يمكن أن تكون بداية جديدة.» وضعت يدها على البلورة، وامتلأت القاعة بضوءٍ دافئ، لا ظلام فيه ولا نور صرف… بل توازن. والفصل يُختم بجملة: «حين وُلد الفجر من قلب الهاوية، أدركوا أنّ النهاية لم تكن موتًا… بل بداية عهد جديد.»