أسرار النهر المميت - "الفصل السابع" - بقلم حلا أيمن | روايتك

اسم الرواية: أسرار النهر المميت
المؤلف / الكاتب: حلا أيمن
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: "الفصل السابع"

"الفصل السابع"

وجهي شاحب، ثوبي ممزق، ويدي ما زالت ترتجف من الأيام السبعة خلف القضبان. حاولتُ أن أجد مأوى، فتقدمتُ نحو السوق، عرضتُ نفسي للعمل عند أحد الباعة، فقبل أن يفرح قلبي، قال بابتسامة مريرة: "آسف… ليس لدينا عمل اليوم." تقدمتُ إلى مكان آخر… نفس النتيجة. كل البيوت مغلقة، كل القلوب مغلقة، وكأنّ القرية كلها ضدّي. شعرتُ باليأس يضغط على صدري. رفعت وجهي نحو السماء، ونظرت إلى التلة البعيدة التي شاهدتها منذ اليوم الأول لوصولي. الهواء كان باردًا، والنسمات تعانق شعري المبلل، شعرتُ أن الجبل هناك سيكون ملجئي الوحيد. صعدتُ ببطء على الطريق الترابي، ووقفت على حافة التلة، أراقب القرية من فوق، أتنفس الهواء النقي لأول مرة منذ أيام. شعرتُ ببعض الأمان، وكأن العالم كله قد ابتسم لي للحظة قصيرة. لكن فجأة، خفق قلبي بعنف. ضوء صغير يتحرك بين البيوت… وهج خافت يلمع على المسافة. لم يكن مصباحًا عاديًا، بل بريقًا معدنيًا يعكس الضوء على ما يبدو أسلحة أو خوذات حراس. صرخت روحي: "لا… لا يمكن!" دفعتُ نفسي خلف جذع شجرة، قلبي يرفرف كأنه سيخرج من صدري. كنتُ أعرف على الفور: هؤلاء رجال أبي أسر الكيالي. خطوتهم الهادئة لم تخدعني، وأنا أدركت أنّ الخطر اصبح قريبًا أكثر من أي وقت مضى. أخذتُ نفسًا عميقًا، وببطء زحفت بين الأعشاب الطويلة، أحاول أن أظل خفية. كل ورقة تتحرك، كل ظل يتحرك، كان يبدو لي وكأنه يوشك أن يفضح موقعي. لا أحد يعرف أنني هنا… لا أحد سواي، وفجأة شعرتُ أنني مضطرة لأستخدام كل ما تعلّمته خلال الهروب من أبي: الصمت، الانتباه، والسرعة. حين اقتربوا أكثر، سمعت صوت أحدهم: "تلك الغريبة… يجب أن نجدها قبل الشروق الشمس." تجمّد الدم في عروقي. لم أكن أعلم إذا كنت سأستطيع الهروب مرة أخرى، لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا: ليست نهاية القصة بعد… بل بداية جديدة من المطاردة والخطر. ركضتُ حتى شعرتُ أن قدمي لم تعودا تحملان جسدي. أصوات الحراس تتردّد خلفي كالرعد، تصفع مسامعي وتزيد ارتجاف قلبي. كان الليل كثيفًا، والأشجار تزداد عتمة كلما ابتعدتُ عن القرية. وفجأة تعثرتُ بجذر شجرة وسقطتُ أرضًا، يدي ارتطمت بالتراب، وركبتي نزفتا. رفعت رأسي ببطء، لأرى ظلالًا سوداء تقترب… لقد لحقوا بي. حبستُ أنفاسي، وعيناي تغرورقان. همستُ لنفسي: "هذه النهاية…" لكن قبل أن يلمسني أحدهم، دوّى صوت رجولي قوي: "قفوا!" التفتوا جميعًا. هناك، بين الأشجار، وقف رجل طويل القامة، عريض المنكبين، عيناه تلمعان كالحديد تحت ضوء الفانوس. كان سيفه مسلولًا، وبريقه يقطع الظلام. تقدّم الحراس بحذر، وأحدهم صرخ: "هذه الغريبة ملكٌ لنا! أوامر من أسر الكيالي نفسه." ابتسم الرجل بسخرية، وقال بصوت بارد: "قولوا لأسر… إذا أرادها، فليأتي بنفسه." ساد صمت قصير، تبادلت فيه العيون التهديد. لكن الجميع كان يعرف من هو: مارتيل. اسمه وحده يكفي ليزرع الخوف في قلوب الرجال. تردد الحراس لحظة، ثم تراجعوا ببطء، يرمقونني بعيون كالصقور قبل أن يختفوا بين الظلال. بقيتُ جاثية على الأرض، أتنفس بصعوبة، ودموعي تحرق وجهي. تقدّم مارتيل نحوي بخطوات ثابتة، ثم مدّ يده: "قفي… أنتِ آمنة الآن." ترددتُ، لكن يده القوية أعانتني على النهوض. لم أستطع النظر في عينيه طويلًا، فقد كانتا قاسيتين لكن تحملان شيئًا غامضًا يشبه الرحمة. "من أنتِ؟" سأل بصوت منخفض. ابتلعت ريقي، قلبي يصرخ داخلي: هل أبوح له؟ أم أصمت؟ لكن التعب غلبني، وخرج صوتي مرتجفًا: "أنا… ابنة أسر الكيالي." تجمّد للحظة، كأنه يسمع اسمًا ملعونًا. اقترب أكثر، نظر إليّ مليًّا، ثم قال ببطء: "إذن… لستِ مجرد غريبة ضائعة. أنتِ جزء من حرب أكبر مما تظنين." ارتجفتُ، ورفعت عيني إليه، لأدرك أن لقائي بمارتيل لم يكن مجرد صدفة… بل بدايه الخطر قادم.