ظلال التحقيق - عشاء تحت المراقبة - بقلم Malak | روايتك

اسم الرواية: ظلال التحقيق
المؤلف / الكاتب: Malak
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: عشاء تحت المراقبة

عشاء تحت المراقبة

بعد ليلة طويلة أثقلها الغموض، اتجه الجميع إلى غرفهم لينالوا قسطًا من الراحة، لكن النوم لم يطرق جفونهم بسهولة. ومع بزوغ الصباح، اجتمع الفريق مجددًا عند مسرح الجريمة، تتثاقل على وجوههم ملامح الإرهاق، غير أن الحزم كان سيد الموقف. اقترب دانيال من آدم بابتسامة ماكرة وقال بنبرة ساخرة: "آدم… مع من كنت تتحدث البارحة؟" تجمّد آدم لبرهة، وكأن السؤال باغته، فتردد قبل أن يحاول التهرّب من الجواب. لكن دانيال انفجر ضاحكًا بخفة وقال: "أيمكن أن يكون لديك صديقة وتخفي الأمر عنّا؟" قفزت إيمي بحماس وضربت كتف آدم بخفة وهي تقول ممازحة: "أوه! آدم الرومانسي!" ساد الضحك بينهم جميعًا، بينما اكتفى آدم بابتسامة مترددة حاول بها إخفاء توتره. غير أن إيمي سرعان ما استعادت جديتها، فأشبكت ذراعيها وقالت بصرامة: "يكفي مزاحًا… لدينا عمل ينتظرنا." انشغلوا بالتحقيق، يتبادلون الملاحظات ويفحصون الأدلة بعناية. لكن دانيال لم يغفل الشرود الغريب الذي كان يعتري آدم بين حين وآخر، وكأن ذهنه يسبح بعيدًا عنهم. وفجأة… ساد الظلام. انقطع التيار الكهربائي، فعمّ الصمت المكان، ولم يبقَ سوى صوت أنفاسهم المتوترة في العتمة. لحظات مرت ثقيلة، حتى عاد النور مجددًا. اكتشفوا أنّ العطل كان عامًا، مصدره الدولة، لا علاقة له بالجريمة، لكن التوتر الذي زرعه الانقطاع ظل حاضرًا في الأجواء كإشارة مبهمة لم يدرك أحد مغزاها. قال دانيال ليطمئنهم: "هيا، عودوا للعمل." وبعد أن عادت الأمور إلى مسارها، انشغلت إيمي بتدوين ملاحظاتها في دفترها الأسود، بينما دانيال يعاين مكان الجثة. وحين التفت لينادي آدم، تفاجأ: "أين آدم؟!" اتصل به سريعًا، فجاءه صوت آدم من الطرف الآخر: "ماذا هناك سيدي؟" يجبه دانيال بغضب – "آدم، أين أنت؟!" يقول ادم بتوتر "بصراحة… سيدي آسف، ذهبت دون علمك." يجيبه دانيال بغضب "تعال فورًا إلى مسرح الجريمة!" بعد دقائق، وصل آدم وهو متوتر. تقدّم نحوه دانيال بغضب واضح: "البارحة خرجت لتتحدث في اتصال مجهول، وتظاهرتُ بالمزاح كي لا أشكك بك أمام الآخرين. والآن تختفي فجأة دون إذن؟!" قال آدم بقلق: "سيدي، دعني أشرح." يعطي دانيال له فرصة "هيا، فسر لي." تنهد آدم والقلق يطفح من عينيه: "أمي… لديها مرض في القلب. المستشفى اتصلت بي وطلبوا حضوري بسرعة. لم يكن إهمالًا مني، فقط خفت على حياتها." ساد الصمت لثوانٍ، شعر فيها دانيال بوخز في ضميره. ثم قال بهدوء: "آسف يا آدم… لقد أسأت الظن بك." يجبه ادم بطمئنان – "من حقك سيدي… فأنا من اختفيت فجأة." أطرق دانيال للحظة، ثم أردف: "يمكنك الذهاب اليوم لزيارة والدتك." أشرق وجه آدم بالامتنان وشكر دانيال قبل أن يغادر. وبعد أن أنهوا عملهم، بدأ الجميع بالرحيل. كان دانيال آخر من غادر، غير أنّه توقّف عند إيمي، التفت إليها بابتسامة وقال بصوت هادئ: "ما رأيك أن نتناول العشاء معًا هذا المساء؟" ارتبكت إيمي قليلًا، لكنها ابتسمت في النهاية: "حسنًا… لم لا؟" غادرا كلٌّ في طريقه، غير أنّ قلبها ظلّ يخفق بخفة، وكأنها تخوض مغامرة من نوع مختلف. وما إن عادت إلى بيتها، حتى أسرعت إلى غرفتها، ألقت حقيبتها على السرير ووقفت أمام مرآتها تتأمل انعكاسها. تنفست بعمق وقالت لنفسها: "ليلة واحدة فقط… لن أخسر شيئًا." أخذت حمامًا سريعًا، ثم ارتدت فستانًا أسود أنيقًا بسيطًا أبرز نعومتها دون تكلف. سرّحت شعرها لينسدل على كتفيها، زينته بإكسسوار على شكل وردة، وضعت لمسات خفيفة من المكياج، ورشّت عطرها المفضل. دق جرس الباب، فارتجفت للحظة. تقدّمت وفتحت لتجد دانيال واقفًا أمامها بملابس أنيقة وابتسامة هادئة. مد يده وقال بخفة: "أنتِ جاهزة؟" لترد بتوتر خفيف "نعم… لنذهب." ركبا السيارة يتبادلان الحديث حتى وصلا إلى مطعم فاخر. جلسا في أجواء هادئة، تتلألأ الأضواء الخافتة فوق الطاولات. ابتسم دانيال وقال: "أنتِ تنظرين حولك وكأنك تحققين حتى هنا." ضحكت إيمي بخفة: "عادةً يصعب علي التوقف عن الملاحظة… حتى في مطعم." أسند دانيال ذقنه إلى يده وقال بنبرة تجمع بين الجدية والمرح: "إذن، أخبريني… ماذا لاحظتِ عني الآن؟" تأملته قليلًا ثم قالت بثقة: "أولًا… تحاول أن تبدو هادئًا أكثر مما أنت عليه. ثانيًا… عينك اليسرى تتحرك قليلًا حين تخفي شيئًا." انفجر دانيال ضاحكًا: "إيمي… أنتِ خطر حقيقي، حتى على طاولة العشاء." ثم مال نحوها وهمس بنبرة مختلفة: "لكن صدقيني… هناك أشياء من الأفضل ألا تبحثي عنها." ارتجف قلبها، لكنها أخفت ذلك بابتسامة هادئة. رفعت كأس الماء وقالت: "ربما… لكن الفضول عندي أقوى من أن أسيطر عليه." في تلك اللحظة، تقدّم النادل ووضع الطعام. وبينما كانت إيمي ترفع نظرها نحو النافذة، تجمّدت. رأت شيئًا أسود يقف هناك، يراقبهما في صمت. شهقت، وسعلت بقوة حتى أسرعت النادلة بالماء. شربت بسرعة، ثم تمتمت: "دانيال… يجب أن نغادر فورًا." نظر إليها متفاجئًا: "ماذا هناك؟" أشارت بعينيها نحو النافذة. التفت دانيال، لكنه لم ير شيئًا. "لا يوجد شيء… ما بكِ؟" وضعت إيمي يدها على رأسها وقالت: "أشعر أنني لست بخير… آسفة، عليّ العودة إلى المنزل." نهض دانيال سريعًا: "سأوصلك." في السيارة، بقيت شاردة، لكن من حين لآخر تلمح من زاوية عينها "الظل الأسود" وكأنه يتبعها. تجاهلت ذلك محاولة إقناع نفسها أنها تتوهم. حين توقفا أمام منزلها، التفت إليها دانيال مبتسمًا: "وصلنا. هل أنتِ بخير الآن؟" "نعم… شكرًا على توصيلي." نزلت مسرعة ودخلت منزلها بهدوء حتى لا توقظ والدتها. صعدت إلى غرفتها، بدلت ملابسها، مسحت المكياج، ربطت شعرها، ثم استلقت على السرير تتمتم: "هل كنت أتخيل فقط؟… لا يهم… مجرد أوهام." نهظت من سريرها لتغلق نافذتها لكن حين وضعت يديها على نافذة. تجمدت في مكانها. كان "الشيء الأسود" يقف خلف الزجاج، يحدق بها مباشرة. شهقت، وارتجف جسدها كله، ثم فقدت وعيها وسقطت أرضًا...