الطاووس الأبيض ج1 - فصل 39.40.41 والاخير - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الطاووس الأبيض ج1
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: فصل 39.40.41 والاخير

فصل 39.40.41 والاخير

⏎ _*ࢪوايـه الطاووس الأبيض 🎀🩷⑅⃝︎◌︎.""))*‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏_ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ *(³⁹)* تجمعت هموم الدنيا وأحزانها على ملامحه التعيسة، فكلما حاول بجهدٍ فتح بابًا للسعادة انغلق بقوة في وجهه ليحاصره أكثر داخل تلك الدائرة السوداء، وكأن الحياة تأبى منحه فرصة أخرى للنجاة من حياة العبث التي كان يعيشها. بعينين تحبسان الدموع الحارقة خرج "هيثم" من المشفى وكلام "همسة" الأخير الذي يلوم والدته يتردد صداه في رأسه، وقف في مكانه كالعاجز يفكر فيما سيفعله، مسح بيده ما يشوش رؤيته من عبرات ليهم بالتحرك، نظرة خاطفة للجانب جعلت قدماه تتسمران، رأى والدته تجلس على الرصيف القريب في غرابةٍ، لم يكترث أبدًا بما تفعله بمفردها، اتجه ناحيتها قاصدًا سؤالها عما اقترفت، وبكل عنفوانه هتف عاليًا ليخرج صوته غاضبًا مشحونًا: -عملتي في "همسة" إيه يامه؟ لم يظهر عليها المفاجأة، بدت متوقعة لثورته الهائجة، طالعته "بثينة" ببرودٍ، وردت: -اللي المفروض أي أم تعمله لو عايزة مصلحة ابنها وقف قبالتها مواصلاً صراخه بها: -إنتي قولتيلها إيه بالظبط؟ نهضت بتكاسلٍ من جلستها غير المريحة مستندة على ذراعه حتى تعتدل، رمقته بنظرة قاسية قبل أن تجيبه بقلبٍ متحجر: -عرفتها الحقيقة، المحروسة ما بتخلفش! انقباضة عنيفة لوت قلبه واعتصرته بعد جملتها الصادمة تلك، انفرج فمه في ارتعابٍ، وسألها غير مصدقٍ: -إنتي بتقولي إيه؟ تابعت بنفس المشاعر الجليدية: -اللي سمعته يا ضنايا، الضاكتور اللي عملها العملية قال إنها ما بتخلفش، وأنا الصراحة مكدبتش خبر، ما هو أنا معنديش غيرك إنت وأختك، مش هاجوزك لواحدة أرض بور مافيش فيها أمل مهما زرعت فيها من تقاوي! لم يتحمل سمومها التي تبثها، وكأنها حقيقة مطلقة، فصاح مستنكرًا تقريرها لمصيره معها: -حرام عليكي يامه، هو إنتي دخلتي في علم الغيب؟ محدش عارف إيه اللي هيحصل بكرة. قالت بتعابير أشد قسوة: -ربنا قال ناخد بالأسباب، وده اللي عملته! اختنق صوته وهو يرد: -افرضي ده كان فيا؟!!!! هتفت في جزع: -بعد الشر، إن شاءالله هي! نظر لها في استهجانٍ وعيناه تحتقنان بشكلٍ كبير، ثم ردد في يأسٍ: -ها أقولك إيه غير حسبي الله ونعم الوكيل لطمت على صدرها متنمرة على جملته تلك: -يا نصيبتي؟ بتحسبن على أمك، وفي وشي كمان! نظرة أخرى مصدومة مليئة بالقهر سددها لها قبل أن يتركها ليمشي في كامل إحباطه الممتزج بحسرته، تهدل كتفاه، واسودت تعابيره، نظرت له "بثينة" في تعجبٍ، ثم هتفت تناديه عله يقف: -خد هنا يا واد.. وكأنها تُحادث الفراغ اجتاز الطريق دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليها، مصمصت شفتيها، وقالت في تأفف: -ده اتجنن ده ولا إيه؟! عادت لتجلس على الرصيف متابعة بجمود قاسٍ: -بكرة يعرف إن كان عندي حق! رأى علامات الإرهاق، التعب، والغضب مجتمعة سويًا مع لمحة جمال خفية لا يبصرها إلا المراقب لها باهتمامٍ وكلها تنعكس على خلجاتها الناعمة، استغرق في تأمله الملي لها وهو لا يدرك أنه يبوح بما يفكر فيه عقله علنًا، تقلصت تعابير وجه "فيروزة" لترمقه بحدةٍ حين لاحظت نظراته الساهمة نحوها، وزاد انزعاجها مع جملته الأخيرة، عبست تسأله بلهجةٍ رسمية: -أفندم؟! كانت تبدو خلابة من بعيد، وآخذة للعقول من قريب، سَرح "تميم" يتأملها بعينين مضيئتين بلمعة غريبة، وبفمِ شبه مفتوح، كان مبهوتًا بها، أحس بالضياع وهو شاردٌ في ملامحها، صاحت فيه بصوتٍ ظهر مُتشنجًا حين لازم الصمت بهذا الشكل العجيب: -أنا بأكلمك، أنا فيا إيه؟! مش فهماك! استعاد وعيه، وأفاق من شروده ليرد بربكةٍ طفيفة وهو يحك مؤخرة عنقه: -قصدي يعني جريئة، ومابتخافيش من حد. رفت ابتسامة مغترة على شفتيها عندما ردت: -صاحب الحق مابيخافش يا معلم "تميم". قال مندفعًا وقد راقه تلفظها باسمه: -طالعة حلوة منك.. ضاقت نظراتها بشكلٍ حاد فهتف متصنعًا الجدية: -يعني إنتي معاكي حق. أومأت برأسها في استحسانٍ قبل أن تستدير لتدور في نفس الحلقة المفرغة وعينا "تميم" تتبعها باهتمامٍ مبالغ فيه، وكلما عادت لتتطلع إليه ادعى انشغاله بالتحديق في سقفية الممر حتى لا تمسك به وهو يُملي عينيه برؤيتها، توقفت "فيروزة" عن الحركة حين سمعت صوت "خلود" يتساءل في ضيقٍ واتهام مستتر: -إيه اللي بيحصل هنا؟! حل الوجوم على قسمات "تميم" فور أن رأها، تحفز في وقفته، وزجرها بخشونةٍ قبل أن تبادر بإلقاء التهم جزافًا عليها: -في إيه يا "خلود"؟ سألته دون أن تبعد عينيها المتشككتين عن عدوتها: -هي بتعمل إيه معاك؟ رمقتها "فيروزة" بنظرة نارية وهي تجيبها بأسلوب وقح: -مستنية أتأكد من اللي أمك قالته عن أختي. تقدمت بثباتٍ نحوها، وسددت لها نظرة احتقارية ثم علقت عليها بفظاظةٍ غير مقبولة: -أمي مغلطتش، من حقها تتطمن على مرات ابنها، وأنا معاها في ده! اغتاظت "فيروزة" من طريقتها المستفزة في تبرير سوء تصرفها فناطحتها الند بالند، وردت بانفعالٍ: -دي لو مراته أصلاً، احنا ما يربطناش بيكم أي حاجة! وعلى عكس ما كان يظن، اكتشف "تميم" مصادفة تورط زوجته في تلك المسألة الخسيسة، انتقل من مكانه ليغدو قبالتها، قبض على ذراعها بيده القوية، جذبها منه بعيدًا عن "فيروزة"، وضغط عليها بقساوة حتى تأوهت من الألم، ثم هزها بخشونة وهو يسألها: -يعني كنتي عارفة يا "خلود"؟ تحرجت من انكشاف أمرها بسبب رعونتها، فحاولت الابتسام لتخفي تلبكها، وقالت برقةٍ وصوتها مضطرب: -"تميم" حبيبي، هنتكلم بعدين و... قاطعها بصوته الآمر وقد احمر وجهه غضبًا: -لأ دلوقتي! استجمعت نفسها، ونظرت في تردد له، ثم حانت منها نظرة سريعة جانبية لوجه "فيروزة" المشدود، تجددت غيرتها القاتلة وتصاعد الدم في عروقها، وبكل برود نطقت: -الممرضة سمعت الدكتور وهو بيقول إن أختها عندها مشاكل ومش هتخلف، وحابت توجب معانا! استنكار عظيم سيطر على نظراته نحوها، وبغيظٍ مفهوم هدر في عصبيةٍ: -بتقولي إيه؟ وإزاي أصلاً تجي تقولكم الكلام ده؟!! لوت ثغرها في تهكمٍ وهي تعلق عليه: -عادي يعني. كانت "فيروزة" تغلي في الخلف وأذناها تلتقطان حديثها الأرعن، اِربد وجهها بمزيد من الحنق، وهدرت تعنفها بشراسةٍ: -لأ مش عادي اللي عملتوه! دي جريمة هحاسبكم عليها. لم يختلف حال "تميم" كثيرًا عنها، كان مغلولاً من برود زوجته ومشاركتها في تلك الجريمة الأخلاقية، فصاح يؤيدها وموبخًا زوجته: -هي معاها حق تقلب الدنيا فوق دماغكم.. قست نظراته بشدة وهو يتابع بزمجرة مجلجلة: -لأنه لو اتقال عليكي مكونتش هاقبله، وهانفخ اللي قاله! محدش يلوم على الأبلة لما تهد الدنيا! أحست بالخوف من عدائيته الصارخة، ابتلعت ريقها ورققت من نبرتها وهي تحاول خلق التبرير لوالدتها: -هي غرضها آ.... قاطعها بصرامة جعلتها ترتجف خوفًا منه: -ولا كلمة! اتكتمي! التفتت "خلود" برأسها للجانب لتلقي اللوم على "فيروزة"، فاتهمتها بوقاحةٍ: -هي اللي عاملة الشبورة دي عشان تلبسنا في أختها المعيوبة! لم يجد "تميم" بدًا من الكلام المجدي معها، كانت وقحة بشكلٍ سافر لم يتخيل أبدًا أن يصدر منها، تخطت كل الحدود والأعراف، وتجاوزت آداب الحوار المنطقي، كان آخر حديثها كالقشة التي قسمت ظهر البعير، فأصبح رده المناسب لإخراس لسانها الدنيء صفعة مؤلمة على صدغها، تفاجأت "خلود" بفعلته، وحملقت فيه مصدومة، تهدج صدرها واغرورقت عيناها بالعبرات سريعا، لقد فعلها حقا وصفعها أمام تلك اللعينة التي أفسدت حبها الأفلاطوني له، زادت كراهيتها العدائية لها، أحست بنيران تنبعث من رأسها، وقبل أن تلوم زوجها وتبدأ في نوبة بكائها المقهور تركها الأخير تحترق كمدًا في مكانها واتجه إلى "فيروزة" يعتذر منها: -أنا أسف يا أبلة على اللي حصل. وبالرغم من محاولته لرأب الصدع فيما حدث إلا أن "فيروزة" قالت بحسمٍ: -احنا معرفتنا بيكم انتهت، لا خطوبة ولا دياوله... تركزت نظراتها على "خلود" حين أكملت باقي جملتها: -بلغ قريبك و.. أخو المدام بده. غامت عيناه، وقال يرجوها: -بس آ.... ولكنها هتفت تقاطعه بصلابة وقد توحشت نظراتها: -خلاص! شعر "تميم" بكآبة تثقل صدره بعد كلمتها تلك، اكتست تعابيره بحزنٍ غريب، نكس رأسه في خزيٍ، وتسمر مكلومًا في مكانه، ابتعدت عنه "فيروزة" لتتجه إلى زوجته التي ما زالت تضع يدها على وجنتها الملتهبة، رمقتها الأولى بنظرة نارية مستحقرة، وبادلتها الأخيرة نفس النظرات الناقمةن ثم دست يدها في حقيبتها وأخرجت النقود المطوية، أمسكت بيدها عنوة ووضعتهم بها قائلة لها: -وقبل ما أنسى، ادي لجوزك فلوسه، مابنقبلش الشفقة من حد! صدمة هبطت على رأسها لتفقدها صوابها، شخصت أبصارها هاتفة: -إيه؟ هو ..! تركتها تغمغم بكلماتها المتقطعة دون أن تكترث بها، اتجهت إلى باب مدير المشفى الذي انفتح ليناديها: -يا أستاذة تطلعت إليه وهي تتنفس بعمقٍ لتكتم نوبتها الانفعالية التي طفت على السطح، سألته بأنفاس متهدجة: -أيوه. أجاب الطبيب مشيرًا بيده: -ممكن تتفضلي جوا عشان نفهمك سوء التفاهم اللي حصل في حالة أختك. هزت رأسها مرددة: -طيب ولم تلتفت للوراء لتخلف ورائها الاثنين وهما على وشك الانفجار ما بين غضبٍ شديد، وهياج أكبر، انغلق الباب فهرولت "خلود" نحو زوجها تسأله بجنونٍ: -إيه ده يا "تميم"؟! سحب النقود منها ودسها في جيبه دون أن يمنحها المبرر المناسب، بلغت ذروة غضبه منها أقصاها، فتحت شفتيها لتسأله لكن الكلمات تحولت لتأويهات وأنات حين انغرست أصابعه في ذراعها ليشدها منه، نظر لها بعينين خاليتين من العطف وهو يأمرها بصوتٍ أجوف، كأنه قادم من عمق سحيق: -تعالي معايا على البيت، مش هانتكلم هنا! قادته قدماه إلى منزله، كان كبارقة الأمل الأخيرة المتبقية ليلجأ إليه قبل أن يسقط في بئر آثامه دون رجعة، استقبلته خالته في اندهاشٍ، أصر "هيثم" على الجلوس مع الحاج "سلطان" فقط، اعتبره كجده الذي افتقده، عل كلماته المواسية تطيب من أوجاع قلبه، وبكل ترحاب وود دعاه الكهل العجوز للجلوس معه على سجادة الصلاة، أمسك بسبحته يفرك حباتها بحركة ثابتة مصغيًا له ليفرج عن همومه، فاستفاض ببكاءٍ صادق: -يا جدي أنا تعبت، معنتش قادر .. طريق الحلال صعب أوي، أنا كل ما حاول أمشي فيه المصايب تكتر عليا والدنيا بتقفل في وشي. ربت على كتفه مهونًا: -هتدوق حلاوته في النهاية، اصبر إنت بس. تساءل في يأسٍ: -لحد امتى؟ وإزاي؟ زادت نحيبه وهو يتابع بأسى: -ده أنا مصدقت إنها واقفت ترجعلي بعد الهباب اللي عملته فيها، وقولت خلاص أهي اتحلت وهنبقى لبعض. ردت عليه "سلطان" متسائلاً: -قصدك على البنت إياها اللي روحنا كلنا خطبنهالك؟ هز رأسه يجاوبه مسهبًا في الحوار: -أيوه يا جدي، جت أمي وعملت الفورتينة، وبدل ما تكحلها عميتها، راحت قالتلها إنها مابتخلفش، والله أعلم إن كان ده صح ولا لأ! بدا الامتعاض المنزعج على وجه "سلطان"، لم يتقبل تصرفها غير المحمود، وقال: -مايصحش اللي عملته ده.. فين عقلها؟ أخفض نظراته ليتأمل "هيثم" الذي كان غارقًا في أحزانه، فحاول إعادة الثقة إليه فأضاف بتفاؤلٍ ورضا: -ربنا وحده اللي عالم بالغيب، عارف إيه اللي ينفع فلان، وإيه اللي يضر غيره، منَّه (إحسانه) عطاء، وأخذه عطاء، ماينفعش احنا ندخل في مشيئته. رد بتنهيدة مهمومة: -ونعم بالله. أكد عليه متسائلاً بصوته الجاد: -سيبك من اللي أمك عاملته، وقولي إنت عاوز إيه؟ أجابه دون ترددٍ أو تفكير: -أنا عاوزها هي. ابتسم "سلطان" في حبورٍ، وحثه بتشجيعٍ واضح في نبرته ونظراته إليه: -خلاص توكل على الله، وماتسيبهاش. لم تتغير ملامحه العابسة، واستطرد مهمومًا: -بس مين هايقف معايا بعد ما الليلة باظت؟! قال بابتسامة واثقة: -متقلقش، الحبايب كتار، وبعدين ربنا كرمه واسع، خليك واثق في فرجه القريب. أعاد إلى روحه الملتاعة السكينة بحديثه المفرج للهموم، مال عليه ليحتضنه، ثم أحنى رأسه على كفه الذي التقطه بين راحتيه ورفعه إلى فمه قبل أن يشكره: -ربنا يخليك ليا يا جدي. نقل والدتها أولاً إلى منزلها دون أن ينبس بكلمةٍ، ولم تحاول "بثينة" الحديث معه، لقد نالت غرضها، والحديث لن يجدي فيما مضى وانقضى، نظرة مليئة بالغيظ منحها لها حين ترجلت من سيارته، كان غاضبًا بما فيه الكافية لينزع فتيل حنقه فينفجر إما في وجهها أو وجه ابنتها، راقبت "خلود" جفاء معاملته وقساوته البادية على تعبيراته، لذا أطبقت على شفتيها مرغمة، ونظرت إليه بطرف عينها وهي تعتصر ذهنها اعتصارًا لتستدرجه من جديد إلى منطقة مشاعرها المستفيضة، ضغط "تميم" على المكابح فجأة ليأمرها دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليها: -إنزلي. همست بتلعثمٍ وكأنها تتسول عطفه: -أنا أسفة .. مكونتش آ... لم يرغب في سماع هرائها اللزج فهتف مقاطعًا بنفاذ صبر: -مش عاوز أتكلم، يالا انزلي! ارتجفت من صراخه العالي، وسألته بحذرٍ، وذلك الهاجس المستعر بشأن عودته لمقابلتها يشتعل بقوةٍ في رأسها: -طب إنت رايح فين؟ أجابها بصوته الأجوف وهو لا يزال محدقًا أمامه: -أنا مش ملزم أديكي تقرير بخطواتي. اختنق صوتها وبكت وهي تصيح فيه: -بس أنا مراتك، مش واحدة من الشارع، يعني من حقي أعرف إنت رايح فين وجاي منين. استدار برأسه ليرمقها بنظرات غريبة مليئة بالقسوة والإظلام، ثم قال بغموض أجفل قلبها: -هنتكلم في ده لما أرجع. أحست بثقلٍ مرعب يجثم من جديد على صدرها وقد حملت كلماته دلالات مقلقة، أجبرت نفسها على عدم الضغط عليه ريثما تعيد ترتيب أفكارها حتى تجذبه إليها، وبيدٍ مرتعشة فتحت باب السيارة وترجلت منها، أحست بانسحاب روحها مع ابتعاده السريع، وقالت وهي تجز على أسنانها، وكأنها تجدد بهذا الوعد القسم الذي قطعته على نفسها: -مش هاسيبك يا "تميم" تضيع مني، أنا مراتك، وإنت من حقي أنا وبس! علمت الحقيقة كاملة من الطبيب نفسه الذي أجرى العملية الجراحية لأختها، لم يكن الحديث الدائر في مكتبه يخصها، بل عن واحدة أخرى أجرت نفس العملية قبل يومين وتعاني من مشاكل أخرى، وتسببت الممرضة المتواجدة أثناء ذلك النقاش في إحداث سوء التفاهم والإضرار بتوأمتها، اقترح مدير المشفى ليبدد أي شكوك تساورها، وكذلك كتعويض عن الإساءة التي جرت: -احنا مستعدين نعمل تحليل هرمونات دقيق لأختك، ده غير السونار والأشعة على الرحم عشان تتطمن. بدا اقتراحه مناسبًا لردع من يتجرأ على المساس بها، فوافقت دون تفكيرٍ: -وماله، أنا معنديش مانع رد عليه مدير المشفى مشددًا: -المهم موافقة أختك، ده غير إننا هنعمل تخفيض 20% من تكاليف العمليات والإقامة، ونرد الفرق ليكي، كتعويض مننا كإدارة عن تقصيرنا في حماية أسرار المرضى شعرت بالرضا من سعيه الدؤوب لإصلاح الخطأ، وقالت بهدوء: -كده يبقى عداكم العيب. طلب منها برجاءٍ: -وأتمنى مايبقاش في تصعيد للأمور، لأن الغلط من الأساس مكانش مننا قالت على مضضٍ: -ده مفهوم، بس أنا أختي اللي اتأذت وسمعت كلام جارح مكانش ينفع يتقال رد مؤكدًا: -وعشان مايتقالش إن في تغاضي مننا عن التجاوز ده، فالممرضة خدت جزا كمان هزت رأسها في خفةٍ، وعلقت باقتضاب: -تمام.. أضاف مدير المشفى أخيرًا: -عامة يا أستاذة احنا منتظرين موافقة أختك وهنقوم باللازم على طول. ردت تشكره وقد عادت البسمة لتحتل شفتيها: -شكرًا على تفهمكم وتقديركم للي حصل. قال بلهجة رسمية قبل أن ينهي اجتماعه بها: -ده دورنا.. وربنا يقومها بالسلامة قبلت أعلى جبينها وهي تمسح بكلتا يديها على وجهها الباكي لتزيح دمعاتها التي بللته، أغدقت عليها بحنانها الأمومي الغزيز، ثم جلست على طرف الفراش ملتصقة بها، اعتذرت "آمنة" لابنتها عن تركها لها ورحيلها، فقالت بنبرة آسفة يختلط بها بكائها: -حقك عليا يا ضنايا، أنا لو مكونتش سبتك مكانش ده حصل، منهم لله الظلمة، هيروحوا من ربنا فين؟! تجربة قاسية من كافة الجوانب انخرطت فيها بجوارحها فانعكست آثارها بالسلب عليها، ولم تكن حالتها النفسية تسمح بتخطي الأمر، ما زالت تلك الرجفة تنتابها كلما تذكرت وقع كلامها المؤلم عليها، امتدت يد "همسة" لتتشبث بكف والدتها، وردت تستعطفها بصوتها المبحوح: -ماتسبنيش يا ماما. احتضنت كفها بين راحتيها وقالت بصوتها الدافئ وهي ترمقها بنظرتها الحانية: -أنا جمبك يا حبيبتي، مش هاتنقل من هنا. ولجت "فيروزة" إلى داخل الغرفة وهامتها مرفوعة للأعلى، ابتسمت متسائلة وقد حققت انتصارها: -عاملة دلوقتي إيه يا "همسة"؟ أجابت بقهر لم تخفه: -زي ما إنتي شايفة، قلبي وجعني أوي. احتلت "فيروزة" الجانب الآخر من الفراش، لكن جلست عند قدمي أختها، وبرفقٍ مسدت على جسدها وهي تقول لتخفف من أحزانها: -الحمدلله ربنا قدرني وعرفت أرجع حقك، وكمان المستشفى هنا مستعدين يعوضوكي عن اللي حصل. نظرت إليها من بين دمعاتها الحارقة، ونطقت في انهزامٍ: -صعب يا "فيروزة"، أنا جوايا حاجة اتكسرت و... قاطعتها بحزمٍ لتمنع شكوكها من التدفق في عقلها وغزو تفكيرها: -الدكاترة أكدولي إنهم يقدروا يثبتوا بالتحاليل إنك كويسة، ومحدش هيقدر يفتح بؤه معاكي. غلف صوتها شجن محسوس حين سألتها مباشرة لتبوح بمخاوفها: -وافرضوا طلعوا عندهم حق؟ هتفت مستنكرة محدودية تفكيرها وانسياقها وراء تلك الأكاذيب المضللة: -إنتي هتصدقي الست المجنونة دي؟ كلنا فاهمين هي عملت كده ليه؟ هي مش عايزاكي لابنها، واحنا من الأساس رافضينهم! انفجرت في نوبة بكاءٍ جديدة وهي تعقب عليها: -وأنا مش عاوزة أعمل أي تحاليل، خرجوني من هنا، أنا مش عاوزة أفضل في المستشفى دي، رجعوني البيت. أشفقت والدتها على حالتها البائسة، فقامت من جلستها واحتضنتها بذراعيها لترتمي ابنتها على صدرها، ثم حاولت تهدئتها قائلة: -حاضر يا "همسة"، هنعمل كل اللي إنتي عايزاه، بس بلاش تقطعي قلبي بكلامك ده. شاركتها البكاء ولكن بنهنهات أقل، لم تتحمل "فيروزة" ضغط المشاعر المستنزف لأحاسيسها، وقالت بجمودٍ زائف: -ماشي اللي يريحك. خرجت من الغرفة ودموعها تسبقها، انتقت أول مقعد شاغر بعيد عن الغرفة لتلقي بجسدها المثقل بالهموم عليه، ورمت حقيبتها بإهمالٍ إلى جوارها، بكت بمعزلٍ عنهما، أحست كم هي متعبة ومستنزفة القوى! دفنت وجهها بين كفيها حتى لا يلمح حزنها أحدهم، فقط وحده من رأى لحظة ضعفها واستسلامها المتوقع بعدما خاضته. كان "تميم" في طريقه مصادفة إلى غرفة أختها ليعتذر منها مجددًا وبندمٍ واضح عما بدر من زوجته، لكن قلبه كان الأسبق في التنبؤ بوجودها، دار بعينيه في المكان ليتأكد مما يراوده من شعورٍ موتر، ووجدها هكذا في تلك الحالة اليائسة، مزيج من الغضب والضيق سيطر عليه..، تجمد في مكانه يراقبه من زاوية خلفية منزوية لا تستطيع الإمساك به إن رفعت رأسها وتطلعت أمامها، تردد في الحديث إليها، كان يعلم أن حالتها المزاجية المتقلبة لن تسمح بأي تعاطفٍ أو مسامحة، لذا انسحب مضطرًا ليرمم الشرخ مع أختها ووالدتها ربما تكون قد هدأت حينها. لم تكن توأمتها صعبة الإقناع، بل كانت شابة لينة، طيبة، خلوقة، رقيقة، ومرهفة المشاعر، أشبه بوالدتها عن أختها شعلة النار المتقدة دومًا، ارتضت "همسة" بجمله القليلة المعتذرة وتغاضت عن الإساءة مُسلمة أمرها للمولى، لذا بمجرد أن فرغ "تميم" من حديثه اللبق معها عاود أدراجه ليكمل باقي مهمته الصعبة مع نصفها الآخر، وجدها لا تزال جالسة في مقعدها، ولكنها أراحت ظهرها للخلف، وأغمضت عينيها وقد استندت برأسها على الحائط، اقترب منها ليتأملها عن كثب متسائلاً في توجسٍ شبه خائف: -هي مالها؟!! استطاع أن يرى خطين رفعين من الدموع لم يجفا بعد، بل بدا وكأنهما يتجددان باستمرارٍ، أحقًا تبكي في صمت؟ حز ذلك في قلبه بشدةٍ، غصة مريرة اجتاحت حلقه مرددًا لنفسه، وكأنه يلومها: -احنا السبب. كور قبضة يده المرتجفة غيظًا وتنفس بعمقٍ حتي يثبط مشاعره الغاضبة حيث اهتاجت من جديد راغبة في الثأر لها، بالطبع ما مرت به واختبرته لتعيد حق أختها ليس بالهين، بينما ما اقترفته خالته أو زوجته لا يمكن المسامحة فيه أو الغفران. تقدم نحوها وهو يراجع أفكاره في رأسه، لا يعرف لماذا ينشغل كثيرًا بأمرها، وهي التي لا تطيقه أو تمنحه لحظة لُطف عابرة، لكنه كان مهتمًا بشأنها، وقف قبالتها في ارتباكٍ، ثم قال مبادرًا: -سلامو عليكم. وعلى ما يبدو لم تشعر به، كانت لا تزال على وضعيتها الساكنة، ظن أنها غفت قليلاً فتشجع للجلوس إلى جوارها، وهنا استطاع أن يرى حزنها عن قربٍ فآلمه ذلك الإحساس العاجز، هو أيضًا متورط في إيذائها معنويًا، ودَّ لو استطاع تعويضها ومحو أحداث اليوم الكئيبة من ذاكرتها، زفر ببطء وقد زادت تعابير تكدرًا، أخفض نظراته ليجد حقيبتها إلى جوارها، راود عقله فكرة متهورة، نفذها دون ترددٍ...، حيث استلها بحرصٍ شديد دون أن تشعر به، وتمكن من فتح سحابها وأعاد وضع نقودها بها، وبنفس الحذر أعادها إلى جوارها، تنفس بزفيرٍ مسموعٍ نسبيًا ليلفت انتباهها إلى وجوده، لكنها ما زالت في غفلتها المتعبة والقصيرة، فجازف مناديًا باسمها بصوت هامس يميل للعذوبة تسلل إلى وعيها فأوقظها: -"فيروزة"...! *(⁴⁰)* ثالث طبقٍ ينزلق من أصابعها المبتلة في الحوض ليتهشم إلى قطعٍ صغيرة وهي تحاول غسله لتُلهي عقلها عن التفكير في زوجها الذي اختفى ليتركها تتآكل بنيران غيرتها، أليس من المفترض أن يعوضها عن إساءته المهينة لها أمام الغرباء حين همَّ للدفاع عن تلك الحقود؟ ما زالت آثار أصابعه محفورة على خدها الذي تلقى صفعته القاسية، ولم تحاول إخفائها بكريم مرطب..، أرادت "خلود" أن تتركها عن عمدٍ لتشعره بالذنب وتأنيب الضمير حين يتطلع إليها، ولتكن أيضًا سلاحها للولوج إلى مشاعره العميقة واستنزافها لصالحها، فمن المفترض أن يدعم زوجته، لا أن يتطاول عليها بذلك الشكل المهين، وأمام من؟ تلك الوقحة الحقيرة! كم تمنت لو أطبقت على عنقها حينئذ وخنقتها حتى أزهقت روحها! شعورٌ استلذته بشدة ورغبت في تنفيذه لترتاح منها نهائيًا. حسنًا ليدرك زوجها أنه المخطئ في تلك القضية الخاسرة، لكن كيف سيتم الأمر؟ عاد عقلها ليعمل بكامل طاقته، اقترح عليها أن تعاتبه على طريقتها المتدللة -وربما المغرية والمثيرة للشهوات- حتى يلين، بالطبع سيستجيب أمام المغريات الفاتنة، وبين متعة الحب ومذاقه سيذوب في عشقها، وبالتالي ستتملك كامل قلبه من جديد .. وربما قليل من العتاب واللوم خلال طقوس علاقتهما الحميمية سيحز في نفسه ويتدارك خطأه، فلا يكرر فعلته الهوجاء مرة أخرى، ارتضت "خلود" لتلك الفكرة الهوسية، ثم مسحت برسغها دموعها الحارقة المتجمعة عند طرفيها، وقالت لنفسها بتوعدٍ مميت ووجه "فيروزة" المقيت يتجلى في خيالها: -القلم ده هردهولها، بس في وقته! لم تتمكن من غسل باقي الصحون، وتحركت مبتعدة عن الحوض المبتل وجسدها يرتجف من شدة عصبيتها، أمسكت بمنشفة المطبخ القطنية وجففت بها يديها، خرجت منه وأنفاسها تتسارع، وكأنها تعدو في سباقٍ طويل الأجل، عضت على أناملها بتوترٍ مغتاظ وتابعت معبرة عما يستعر في نفسها: -"تميم" ده جوزي، ومن حقي أنا بس! هكذا رددت لنفسها عشرات المرات حتى باتت مقتنعة بسطوتها المطلقة عليه وأحقيتها في الحجر على مشاعره واستئثارها بالكامل لأجلها فقط، كركرت ضاحكة بطريقة هيسترية وقد توهمت نجاحها في فعل ذلك. استيقظت في حالة شنيعة على الصوت الذكوري الذي اقتحم إدراكها وأطلق شارات الإنذار في عقلها لتستفيق من غفوتها وتتنبه له، لم تتبين ما الذي قاله، لكن انتفض جسدها بالكامل وقد رأته قريبًا منها مركزًا نظراته المهتمة عليها، لم تستسغ ذلك الأسلوب الغريب منه، لذا رمقته بحدةٍ وذلك الوجوم يحتل كافة خلجاتها، لم يبتسم "تميم"، وتنحنح متسائلاً في اهتمام: -إنتي كويسة يا أبلة؟ هبت "فيروزة" واقفة، وهدرت فيه بعصبيةٍ: -إنت بتعمل هنا إيه؟ ورجعت تاني ليه أصلاً؟! وقف هو الآخر قبالتها، وسألها باهتمامٍ مبالغ فيه من وجهة نظرها: -لو حاسة إنك تعبانة أشوفلك ضاكتور هنا ولا هنا. كانت رافضة لأي دعمٍ منه أو من غيره، ودون ترددٍ صاحت بنرفزةٍ وهي تشيح بيدها في وجهه: -أنا مش عايزة منك ولا من غيرك أي مساعدة، ماتسبونا في حالنا! ورغم إحراجها له إلا أنه رد بتهذيب علها تلين وتغير الفكرة السيئة التي تتصورها عنه: -حاضر.. بس عاوز أقولك حاجة.. يعني لو ده هيريحك شوية... نظر بعمقٍ في عينيها أولاً قبل أن يتابع في ربكةٍ طفيفة: -فأنا أسف .. استغربت للغاية من اعتذاره غير المتوقع، والذي بدا غير اعتيادي بالنسبة لها، أتبع ذلك ببسمة صغيرة يشوبها القليل من الحزن، جعلته نظراتها الحائرة يزداد ربكة وتخبطًا، لماذا وحدها القادرة على قلب كيانه بشكل يجعله فاقدًا للسيطرة عليه؟ أطبقت على شفتيها ونظرت له بنظرات تتفرس فيه، أسبل عينيه ولم ينتظر ردها، وإنما استدار ليشرع في السير، ظلت مدهوشة للحظات محاولة استيعاب ما فعله للتو، أحقًا اعتذر منها؟ بررت لنفسها الأمر: -على الأقل حد عنده دم في العيلة الغريبة دي! هزت رأسها لتنفض تلك المسألة المحيرة عن ذهنها، ثم أحنت جسدها لتلتقط حقيبة يدها، أرادت عدت النقود التي بحوزتها لتستخدمهم في تأجير سيارة أجرة لتُقل توأمتها ووالدتها إلى المنزل، تفاجأت حين عبثت بحافظتها بالكومة الموضوعة بداخلها، أخرجتها لتنظر للرزمة المطوية وتأملتها بفمٍ مفتوح، احتدت عيناها وتساءلت في ذهولٍ: -إيه اللي جابهم هنا؟ على الفور فطنت لتلك المحاولة الذكية من "تميم" لإعادة النقود لها، بالطبع استغل غفوتها المؤقتة وأعادهم، فمن غيره سيتجرأ على فعل ذلك؟ لم ترتضي بفعلته واستنكرتها بشدة، هرولت راكضة بطول الممر لتلحقه قبل أن يختفي، استوقفته عند منتصف الدرج وهي تهبط عليه بتعجلٍ منادية إياه بصوتها المنزعج: -ثواني يا معلم. اعتاد على تمييز رنة صوتها وسط أي جلبة، وكأن حواسه السمعية قد تم إعادة برمجتها لتتعرف عليها بسهولة، استدار بجسده نحوه، ويده لا تزال ممسكة بالدرابزون، كانت وسيلته لكبح تلك العواصف الشعورية التي تطيح بثوابته، هبطت باقي الدرجات حتى أصبحت في مواجهته، وبنظرة غاضبة سألته وهي ترفع النقود نصب عينيه: -ممكن تقولي إيه دول؟ بيعملوا إيه هنا في شنطتي؟ أخفض نظراته نحو يدها الموجهة إليه، وبجمود يكسو تعابيره أجابها ناكرًا: -معرفش! قالت مباشرة غير مصدقة نكرانه المكشوف لشكها الحتمي فيه: -إنت رجعت لي الفلوس تاني، مظبوط؟ تلك النظرات المحملة بالغضب والجراءة، بالإقدام والشجاعة أصابته في مقتل، وتلقائيًا لاحت بسمة عذبة على شفتيه حين استطرد قائلاً عن ثقةٍ ليزيدها حيرة: -أنا خدت حقي خلاص، معرفش حاجة عن دول. رفعت حاجبها للأعلى، وعلقت في تهكمٍ: -والله، أومال هما رجعوا لواحدهم؟! زهقوا من أعدتهم في جيبك فنطوا في شنطتي! كانت تمتلك حسًا فكاهيًا يثير إعجابه بشكل كبير، وبصورة لا يتخيلها وحدها كانت قادرة على إزاحة أي هموم تحتل قلبه وإن كانت لا تدرك ذلك .. ظل "تميم" محافظًا على تعابيره الهادئة قبل أن يهز كتفيه معقبًا بنفس الابتسامة التي أشرقت أكثر على وجهه: -جايز.. ما هو المال الحلال مابيضعش. قطبت جبينها بانزعاجٍ وهي ترد بابتسامة شبه ساخرة: -يا سلام! خفقة مداعبة للفؤاد هزته حين لانت نبرتها وارتخى جفنيها، كانت رغم ما تمر به من ظروف قاسية متماسكة، ذات شموخ يليق بها، وبصدقٍ استطرد يمتدحها: -وعلى فكرة إنتي بنت جدعة أوي. حملقت فيه في اندهاشٍ، فأكمل بتنهيدة بطيئة: -دي الحقيقة.. ثم أملى عينيه بنظرة أخيرة ساهمة لوجهها المتجهم، آه لو رأه يبتسم مجددًا مثل ليلة خطبة أختها، فتنته آنذاك بنعومتها غير المتكلفة، ضحكاتها احتلت فراغات الهواء وبقيت آثارها ترن في أذنيه كلما غاص في أحلامه المحرمة، استحوذت تلك الذكرى الجميلة على مخيلته وهو يتأملها عن كثبٍ، أفاق من تفكيره الحالم سريعًا ليستنكر بشدة شروده غير الجائز فيها، فجأة تبدلت تعابيره للوجوم، وقال منهيًا الحوار: -أشوفك على خير. ابتلع غصة مريرة في حلقه وهبط الدرجات بخطواتٍ متلاحقة، كأنه يفر منها قبل أن تكتشف الارتباك البائن الذي يعانيه في وجودها، لكن بقيت شفتاه ترددان في ألم يوخز صدره ويحز بشدة في قلبه: -يا ريتني قابلتك من زمان! عاونتها على السير بضعة خطوات حتى وصلت إلى أعتاب الغرفة، لكنها لم تتحمل المزيد، فقدت "همسة" كامل قواها وتضاعف إحساسها بالألم، لذا لجأت "فيروزة" للاستعانة بكرسي مدولب لتنقلها به إلى الخارج، وبحرصٍ واضح أجلستها عليه، وقامت بدفعها بتمهلٍ نحو المصعد، ومنه هبطت بها إلى الطابق السفلي حيث انتظرتهما "آمنة"، وما إن رأت ابنتيها حتى أقبلت عليهما، ثم هتفت تقول في حيرة: -أنا كلمت خالك كذا مرة بس ما بيردش، هنعمل إيه دلوقتي؟ ردت "فيروزة" بسخطٍ: -ده الطبيعي بتاعه، مش مستغربة بصراحة. حاولت الابتسام لتخفي ضيقها، وقالت: -ما تقلقيش يا ماما، أنا هاطلع أوقف تاكسي من على ناصية الشارع وأجيبه لحد هنا، هي كام خطوة بس هتمشيها "هموس" لحد ما نطلع برا. ثم مالت على توأمتها تستأذنها: -معلش يا قلبي هتعبك. ردت "همسة" بوهنٍ: -المهم أرجع البيت! قبلتها والدتها من رأسها، وأضافت مؤكدة: -هانت يا حبيبتي، فات الكتير، كلها شوية ونبقى في بيتنا. تركتهما "فيروزة" على مقربة من الاستقبال لتخرج بخطوات شبه متعجلة من المشفى متجهة إلى الطريق الرئيسي باحثة عن سيارة أجرة مناسبة، لم تنتبه بسبب تركيزها الشديد في هذا الأمر إلى السيارة المرابطة عند الباب الرئيسي، حيث كان "تميم" ينتظر بداخلها، فقد عَلم من توأمتها مسبقًا بمسألة خروجها، وحثته شهامته على البقاء لتقديم المساعدة لثلاثتهن حتى النهاية، لمحها وهي تعدو نحو ناصية الشارع فترجل من السيارة ليناديها..، لكنه انزعج من مناداتها باسمها علنًا، انحنى نحو المقود لينزع مفاتيحه من مكانها، ثم اعتدل في وقفته وبدأ يسير في اتجاهها لكن اعترض طريقه مصادفة "هيثم"، كان الأخير في حالة يائسة، عضلات وجهه متقلصة، نظراته غائمة، أوقفه عنوة ممسكًا به من كتفيه ليسأله بنبرته الجادة: -"هيثم"، جاي ليه دلوقتي؟ أجابه بصوته الأجوف ونظراته مثبتة على باب المشفى: -عاوز أطمن على "همسة" يا "تميم". ظل متشبثًا به حتى لا يتحرك، وقال: -مش هاينفع. هتف بحرقةٍ ونظراته تزداد إظلامًا: -ليه بس؟ أنا معملتش فيها حاجة؟ ليه أتاخد بذنب غيري؟ رد بعقلانية حتى لا يزيد الطين بلة بالضغط عليها في ذلك التوقيت الحرج: -أنا عارف كل ده، بس صدقني الوضع مش مناسب للكلام. استطاعت عيناه أن تبصراها وهي تجلس متألمة بالقرب من المدخل، هتف بلوعةٍ وقد احتبست العبرات في مقلتيه: -هي هناك أهي، سيبني أروحلها. أمسك بمعصمه ليحثه على التماسك وعدم الاندفاع قائلاً له بما يشبه الرجاء: -معلش، اهدى، إنت كده هتبوظ فرصتك معاها! دفعه بعصبيةٍ ليناديها: -"همسة"! وكأن قدماه ركبت الريح فركض في اتجاهها، قطع الطريق في لمح البصر، ووقف عند كرسيها يلتقط أنفاسه، تطلعت إليه في صدمة، لكنه جثا أمامها يرجوها بصوته الباكي: -اسمعيني يا "همسة"، اديني فرصة أشرحلك اللي حصل! ردت وهي تحاول لملمة كرامتها التي تبعثرت على يد والدته: -معدتش في بينا حاجة صرخ بهيسترية: -أنا ماليش ذنب اقسم بالله، ومش فارق معايا حاجة، كل اللي عاوزه إنتي وبس! أمسك به "تميم" من ذراعيه ليبعده عنها، وقال مبررًا: -متأخذوناش يا جماعة، هو في حالة مش طبيعية. هتفت فيه "آمنة" تتوسله: -خده من هنا يا ابني، احنا مش ناقصين مشاكل، كفاية كده عادت "فيروزة" لتتفاجئ بوجودهما فصاحت منفعلة في "هيثم" لتطرده: -إنت بتعمل إيه هنا؟ ابعد بقى عن أختي! التفت "تميم" يقول مبادرًا ليطمئنها: -متقلقيش يا أبلة، أنا هامشيه، صدقيني معرفش إنه جاي تاني. نظرت له شزرًا وبغل، ظنت أنه يقف وراء تلك المحاولة الرخيصة لاستجداء مشاعر أختها والتأثير عليها، وذلك ما ترفضه قطعيًا، تجمع غضبها على وجهها وهتفت تتهمه قاصدة كشف تضليله لها: -إنت كداب! رد "تميم" مدافعًا عن نفسه بصوتٍ قوي: -إنتي غلطانة يا أبلة! موصلتش لكده! دمدم "هيثم" بصوته المختنق مستعطفًا الجميع، ومبرئًا لساحته: -أنا ماليش ذنب اقسم بالله، والله ما أعرف أي حاجة. اتجهت "فيروزة" خلف توأمتها، ووضعت يدها على مسند الكرسي ثم قامت بدفعه وهي تأمرهما: -وسعوا إنتو الاتنين.. ثم تابعت بحزمٍ: -دي صفحة اتقطعت من حياتنا. لم يشعر "هيثم" بالخجل من نفسه وهو يستجديها، ليبذل أقصى ما يستطيع حتى تقتنع بمشاعره الصادقة، لذا اعترض طريق سيرها، وانحنى بغتة على الكرسي ليوقفه بقوته المتشنجة من مسنديه، شهقت "همسة" في قلقٍ من اقترابه الشديد منها، وحدقت فيه بعينين تائهتين، بينما نظر مباشرة في عينيها معترفًا لها بأنفاس مضطربة: -أنا عاوزك إنتي، ومش فارق معايا حد غيرك إنتي وبس. التفتت ناظرة إلى والدتها في خوفٍ، واستنجدت بها: -ماما خليني أمشي من هنا. وضعت "آمنة" قبضتيها على ذراعه محاولة انتزاعه، وهتفت بصلابةٍ -وسع يا ابني لو سمحت. اقترح "هيثم" بصوته اللاهث محاولاً معها حتى الرمق الأخير: -طب تعالي هنوصلك بدل بهدلة المواصلات.. والتفت برأسه نحو "تميم" متابعًا باقي جملته: -"تميم" ابن خالتي هنا، والعربية آ.... قاطعته "فيروزة" بصرامة وعيناها تطلقان شرارات الغضب: -مش هايحصل، ابعدوا عننا! قالتها ونظراتها ارتكزت على "تميم" الذي لم ينقصه إلا وجود ذاك السمج ليكتمل غيظ يومه، حيث كان "آسر" في تلك الأثناء يخترق البوابة حاملاً باقة من الورد بين ذراعيه، لفت أنظاره التجمع القريب منه، لكن وحدها كانت محط اهتمامها، هندم نفسه، وصاح مناديًا وهو يدنو مبتسمًا منها: -آنسة "فيروزة". سدد له "تميم" نظرة نارية محتدة، وتقلص وجهه بشكلٍ عظيم وهو يمر بجواره .. تفاجأت "فيروزة" بحضوره كالبقية، رفرف جفناها بشكلٍ لا إرادي غير مرحب به، واحتفظت ملامحها بتأففها، لعقت شفتيها ورددت: -أستاذ "آسر". مرر نظراته على المتواجدين، وبلطفٍ لزج أزعج "تميم" تحديدًا استطرد يقول: -الحمدلله إني لحقتكم، حمدلله على سلامة أختك يا آنسة "فيروزة". ثم انحنى على أختها ليناولها باقة الورد وتلك الابتسامة الصغيرة مرسومة على محياه، وضعتها "همسة" في حجرها ونظرت في حيرة إلى توأمتها قبل أن ترد الأخيرة عنها: -الله يسلمك. أشار "آسر" بيده للخلف متابعًا بودٍ غريب قاصدًا به "آمنة": -أنا معايا العربية، اتفضلي يا أمي أوصلك. اعترضت "فيروزة" فورًا: -شكرًا، مش محتاجين عربية، أنا جبت واحدة خلاص. أصر عليها وقد أسبل نظراته عليها: -والله ما ينفع يا آنسة "فيروزة"، مش هاقبل بالرفض، دي حاجة بسيطة خالص... وقبل أن تعارضه تابع موجهًا حديثه إلى والدتها حتى يقنعها فتضغط على البقية بالقبول: -وبعدين حضرتك يا حاجة بتفكريني بوالدتي الله يرحمها، يعني مقدرش أسيب أمي في موقف زي ده، أنا كده مش هاكون مبسوط، العربية موجودة، وأنا مش هاتعب في أي حاجة. ظهرت علامات التردد على "آمنة"، ونظرت في حيرة إلى ابنتها التي رمقتها بنظرة تخبرها فيها بإعلامه برفضها، لكن الحالة المؤلمة التي كانت عليها "همسة" أجبرتها على الاختيار، فقالت مستجيبة لاقتراحه: -خلاص يا "فيروزة"، مش هيجرى حاجة، خلي الأستاذ يوصلنا. انفرجت أسارير "آسر" وهتف في سعادة: -اتفضلوا.. ثم بلباقةٍ واضحة عليه استأذن من "فيروزة": -عن إذنك، أنا هازوئها، كفاية إنتي تعبانة طول اليوم معها. لم يمهلها الفرصة للاعتراض عليه، أزاحها برفقٍ بوضع يديه على مقبضي الكرسي مما اضطرها لسحب كفيها والابتعاد عنه .. تابع كلاً من "هيثم" و"تميم" العرض الرخيص الذي قام به ذلك الشخص الغريب، تصاعدت الدماء في وجه الأول واِحمر غضبًا، بينما شعر الثاني باحتقانٍ يسري في كامل أوصاله، وقبل أن يهم ابن خالته باللحاق بهم شد على معصمه ليثبته وهو يأمره بصوتٍ غلفه الضيق: -خليك مكانك! رد "هيثم" يسأله بغيظٍ مضاعف: -هي رايحة فين؟ ومين اللطخ ده؟! تنفس بصعوبة وببطء حتى لا يفقد أعصابه، ثم أردف قائلاً بخشونةٍ ونظراته تتبع "فيروزة": -سيبهم يا "هيثم"، مش هنعمل مشكلة على الفاضي! غمغم الأخير لاعنًا ذلك الغريب بكلمات غاضبة وقد اندلع غضبه، لكنه لم يشعر بتلك النيران التي استعرت في صدر "تميم" وانتشر لهيبها الحارق في خلاياه، وكأن ذلك التبلد الذي صاحبه طوال الفترة الماضية -قبل أن يتعرف أكثر ل "فيروزة"- قد تحول لنوع مغاير من المشاعر الغريبة، لكنها حتمًا ستلازمه كثيرًا... !! *(⁴¹)* أوصله إلى منزله ليضمن ابتعاده ولو بشكلٍ مؤقت عن اختلاق المشاكل، ثم تابع القيادة إلى بيته، فهناك معركة مؤجلة بينه وبين "خلود" حتما ستشعلها فور عودته .. كانت زوجته تنتمي لهذا النوع من الناس الذي لا يلوم نفسه أبدًا، المبررات متواجدة لأي كارثة ترتكبها، من وجهة نظره المحدودة كان رده في هذا الموقف العسير إلزاميًا لإيقاف سموم كلماتها القاتلة..، دس المفتاح في قفله وهو يتوقع انتظارها له، صدقت توقعاته وكانت بالفعل جالسة على الأريكة في حالة تحفز واضحة .. وما إن أغلق الباب خلفه حتى انتفضت واقفة، نظرت نحوه مطولاً بنظرات يملأوها الغل، ثم سألته بغضبها المشحون لساعاتٍ في صدرها: -خلصت اللي وراك؟ فضيت دلوقتي عشان نتكلم؟ ولا هتطنشي زي ما رمتني في الشارع ولا كأني كلبة تعرفها مش مراتك اللي ليها حق عليك؟! نفخ مطولاً وهو يهمس لنفسه: -اللهم طولك يا روح. انفجرت تلومه على الفور لتنشط ذاكرته بما ارتكبه في حقها: -طبعًا عمرك ما هتطلع نفسك غلطان مهما عملت! لم ينكر أنه شعر بالخجل من نفسه، لكنها كانت كفيلة باستفزازه وتبديد أي إحساسٍ بالندم، ألقى "تميم" بميدالية مفاتيحه على الطاولة، وتابع السير عبر الردهة متجاهلاً إياها، لكنها لحقت به ولسانها الصارخ يسبقه في إلقاء التهم عليه بصورة تهكمية: -كنت عندها صح؟ واطمنت عليها يا معلم؟ ما هي الأبلة بتاعتك أهم من مراتك اللي بهدلتها وضربتها وأهانتها عشان ترضيها!!! لم ينقصه سوى صراحتها الفجة لتوقظ مشاعره الحانقة، رد يحذرها بخشونة وقد نفذت قواه على الصبر: -بلاش تحوري وتهلفطي في الكلام، والأحسن خلينا نتكلم بعدين، لما نهدى احنا الاتنين. أسرعت "خلود" في خطاها لتتجاوزه وهي في قمة غيظها، ثم وقفت أمامه ترمقه بعينين تقدحان بالغضب، امتدت قبضتها لتمسك به من ذراعه، ثم أدارت وجهها للجانب وهي تصرخ فيه: -أحور؟ ده إنت إيديك لسه معلمة على وشي، شايف؟!!!! أطبق شفتيه مانعًا نفسه من الرد عليها، كان رده عنيفًا معها، ولكنه كان الخيار المناسب -من وجهة نظره- لإخراس لسانها الطائش، هدرت تلومه بصوت مال للاختناق لتشعره بفداحة جريرته: -وطبعًا مش ندمان! ما إنت راجل! محدش هيلومك إن عملت فيا ما بدالك.. انفجرت في نوبة بكاء لتبدو سهلة الإقناع وهي تكمل تعنيفها له: -واحدة غيري كانت قلبت الدنيا على ضربك ليها، بس أنا طبعًا لأني غبية وبأحبك استحملت الإهانة ومافتحتش بؤي، اضربت وسكت عشان خاطرك. علقت غصة مؤلمة في حلقه بتذكيرها لتهوره، وقال مبررًا على مضضٍ وهو يتحاشى النظر نحوها: -إنتي اللي خلتيني أوصل معاكي لكده. تحركت لتقف أمام عينيه، وهتفت بنبرة ناقمة: -أيوه إنت الملاك البريء وأنا الشيطان الرجيم!!! رمقها بنظرة حادة قبل أن يسألها: -إنتي مش شايفة إنك غلطانة؟ ردت نافية بوجه مكفهرٍ: -لأ طبعًا، أنا بأعمل زي أي واحدة مكاني تهمها مصلحة أخوها هتف مستنكرًا تبرير وقاحتها الفجة: -وده كلام يتقال؟ بتعايري البت بأختها اللي أصلاً متعرفش حاجة نظرت له بقساوةٍ وهي تعقب عليه بنبرة أشد تشنجًا مستخدمة يدها في التلويح: -وإنت الصراحة كنت ذوق على الآخر معايا، ده إنت ضربتني قصادها؟ التزم "تميم" الصمت وهو يراها تشير إلى صدغها الملتهف، عمدت "خلود" إلى خفض نبرتها حين تابعت بصوت يكسوه القهر: -إنت وجعتني، وكسر قلبي اللي بيحبك. أغمض عينيه لوهلة تاركًا إحساسه بالذنب يتغلغل فيه، واستغلت تلك النقطة ببراعة فأضافت ضاغطة عليه ليعترف بخطئه: -إنت ليه ساكت؟ قول إنك ندمان على اللي عملته فيا؟ قول إنت البت دي تستاهل تتهزق، مش أنا مراتك حبيبتك اللي اتعامل كده. حقًا كان تبدد أي شعورٍ يراوده بإعادة التفكير في تصرفه العنيف بكلماتها الحاقدة التي تنم عن جانب بشع مناقض كليًا لشخصيتها المستكينة، نظر لها شرزًا وبوجهٍ مقلوب، اغتاظت من سكوته فأمسكت به من ياقتيه تهزه بعنفٍ وهي تصرخ لائمة: -رد عليا يا "تميم"؟ إنت مبسوط لما بتشوفني كده؟ ليه بتبعدني عنك؟ ليه بتعاملني زي الغريبة؟ ده أنا مراتك مش واحد صاحبك، ياخي ده إنت أصحابك عارفين كل حاجة عنك أكتر مني. لم يجد بدًا من ذلك النقاش العقيم معها، لن تعترف بخطئها، ولن يظهر لها ندمه إن كان يشعر به بالفعل، وضع قبضتيه على معصميها، وأزاح يديها بعيدًا عنه ليتمكن من السير، تبعته بصوتها المنفعل تلومه بحرقةٍ: -حرام اللي بتعمله فيا، حس بقى بيا، ده أنا بأموت قدامك، وإنت مش همك.. اكتسى صوتها بقساوة وتحدٍ سافر حين استأنفت التلميح عن قصدٍ: -أنا لو كنت مكانك، وبأكلم واحد غيرك ومن وراك، تفتكر كنت هتسمح ب آ.... لم يطق كلماتها النارية التي أشعلت حميته الذكورية فاستدار هادرًا بها: -متكمليش! نظرت له باستهجانٍ قبل أن تسأله بنفس أسلوبها المتسلط: -الغيرة وجعتك صح؟ ولا كرامتك نأحت عليك؟ أظلمت نظراته، واخشوشنت نبرته وهو ينذرها: -إنتي متجوزة راجل مش شرابة خُرج! علقت بتلميح ماكر وهي تومئ بحاجبها: -أديك مش قابل الفكرة، بس حلال ليك وحرام عليا ثارت أعصابه بعد أن فشل في كبحها، فنهرها بلهجته القاسية: -عارف إني غلطت، واتهورت، وخالفت عهدي معاكي، وضربت بالقلم.. بس إنتي كنتي الله ينور قالبها حريقة، لسانك زي المنشار عمال يحف في رقاب الناس، كنتي متوقعة مني إيه؟! أفضل ساكت وسايبك تسوئي فيها؟! توترت نظراتها مع ارتفاع نبرته واحمرار وجهه، وتشجعت قائلة بجحودٍ: -لكن تضربني عشان ترضي الصايعة دي، ومراتك اللي ضحت بعمرك واستنتك سنين مش مهم تموت بغيظها! رد عليا أنا كلامي صح؟! توحشت نظرات "تميم" وهتف معبرًا عن تفكيره نحوها بصورة مُشككة فيها: -مش دي "خلود" اللي أنا اتجوزتها، مش دي البني آدمة اللي بتحبني، أنا شايف قدامي واحدة تانية، نسخة من خالتي، ده لو مكونتش أسوأ منها! خفق قلبها ارتعابًا من طريقته الغريبة في الحديث معها، وكأنه يظهر لها ندمه على ارتباطه بها، تنفس بعمقٍ وأضاف: -ولما جيت اتجوزتك كان برضايا، قدرت فيكي انتظارك ليا بعد سنين الغَبرَة دي كلها، فبلاش كل شوية تحسسيني إنك عملتي معايا جميلة، وضحيتي وشبابك ضاع عشاني، يا ستي كنتي سيبيني يوم ما اتحبست، والله ما كنت هالومك زي دلوقتي، على الأقل ساعتها كنا ريحنا بعض، وجايز مكوناش وصلنا لكده النهاردة، إنك تعايري غيرك باللي بتعمليه. امتلأت مقلتاها بالعبرات سريعًا، لم تقاوم انسيابها، تركتها تغرق وجهها وسألته بصوتٍ ما زال يلومه: -بقى دي جزاتي في النهاية؟ هو ده مقابل حبي ليك؟ رد بجفاءٍ: -الجواز مش كله حب يا "خلود"، في مشاكل كل يوم هاتقابلنا، واللي بيحب بجد مش هيأذي حبيبه! ارتمت في أحضانه ومرغت رأسها في صدره وهي تبكي، لفت ذراعيها حول خصره وحاولت ضمه إليها، لكنه كان كالصخر جامدًا لا يظهر عليه التأثر بدموعها المذروفة، خرج صوتها متقطعًا وهي تتسول مشاعره المفقودة: -أنا بأحبك، ومستعدة أسامحك بس تفضل ليا، أنا معرفتش في حياتي إلا إنت. لم يشعر بدفء جسدها المغري، بدا كالشوك بالنسبة له، وبهدوءٍ أخفى خلفه كومة من المشاعر الحانقة انسل من بين أحضانها، وأبعد ذراعيها عنه كأنه ينبذها، ثم تحرك مبتعدًا وقال بنبرة مليئة بالجفاء: -"خلود" أنا تعبان. لم يذهب إلى غرفة نومهما، بل غير وجهته لغرفة النوم الأخرى موصدا الباب خلفه، أراد الانعزال عنها لبضعة أيام، ليهدأ كلاهما، لكنها لم تتحمل جفائه، شعرت بدمائها تغلي للفظه المتعمد لتيار حبها المتدفق، لحقت به وقبضت على المقبض محاولة فتح الباب، لكنها فشلت، فكورت قبضتها وطرقت عليه بعنفٍ مواصلة صراخها اللائم: -ماشي يا "تميم"، بس خليك فاكر إنت بتظلمني إزاي. أتاها صوته من الداخل يقول ببرود استثار أعصابها التالفة: -تصبحي على خير. ضربت من جديد على الكتلة الخشبية وهي تغمغم بسبة خافتة، لكنها لم ولن تيأس أبدًا من تكرار المحاولة، فزوجها من حقها هي فقط. -أنا جمبك، فمتحمليش هم أي حاجة، أنا السند ليكي يا حبيبتي. رددت "فيروزة" تلك الكلمات المطمئنة لتبعث إحساس الأمان المفقود لتوأمتها التي تكومت على نفسها في فراشها مستسلمة لأحزانها المتكالبة عليها، مسدت برفقٍ على شعرها المنسدل، وظلت تدلك عنقها في لطفٍ حتى بدأت تشعر بالنعاس، انحنت عليها تقبلها من جبينها وهمست لها: -إنتي وماما أغلى ناس في حياتي، ربنا يخليكوا ليا. وما إن تأكدت من سقوطها أسيرة لسلطان النوم حتى نهضت من جوارها، وبحرصٍ واضح في خطواتها أغلقت الباب بهدوء خلفها، أنهت "همسة" ادعائها الزائف باستغراقها في النوم عندما تأكدت من خروجها، فتحت عينيها وأعادت تجسيد المشاهد المؤلمة التي مرت بها دون أن تزيح الغطاء عنها، اختبأت أسفله وتلك الرجفة تسري في جسدها، كانت أجبن من أن توافق على إجراء تحليل الهرمونات لتتأكد من شكوكها، ارتعبت من فكرة احتمالية إصابتها بالعقم، سيطر على تفكيرها ذلك الهاجس المخيف، وقالت لنفسها: -طب افرض طلع الكلام ده حقيقة، هاعمل إيه ساعتها؟ بدأت الأفكار السوداوية تهاجمها بقوةٍ، استرسلت مع نفسها في جزعٍ: -ساعتها مين هايقبل يتجوز واحدة زي؟ مافيش راجل هيرضى يعيش من غير عيال وخلفة يتباهى بيها؟ طب وأنا؟ بكت رغمًا عنها تاركة لإحساسها بالقهر الانتشار فيها، ارتجفت شفتاها حين اعترفت لنفسها بصوتها الخافت: -مش هابقى أم! انسابت دمعاتها أكثر مع تغلغل ذلك الشعور المؤلم بداخلها، كتمت أصوات شهقاتها بطرف الغطاء، ودت لو أعيدت عقارب الساعة للوراء فلم تسمع ما أذاها نفسيًا ودمرها معنويًا. تماثلت للشفاء تقريبًا وباتت قادرة على الحركة دون ألم موخز كالسابق بعد مرور بضعة أيامٍ على عودتها للمنزل، والحق يُقال أن والدتها لم تتوانِ عن رعايتها بشكلٍ مكثف لتفيق من أوجاعها وهي في صحة جيدة، سمعت "همسة" صوت الدقات المتكررة على باب المنزل وهي تجلس بالصالة تشاهد التلفاز، فقالت من تلقاء نفسها: -هافتح أنا يا ماما. وبتمهلٍ خطت نحو الباب لتدير مقبضه، نظرت مدهوشة إلى الرجلين اللذين احتلا الفراغ أمامها، بدت مبهوتة بحضورهما غير المتوقع، تداركت نفسها وردت مرحبة ومشيرة بيدها حين ألقى عليها الحاج "سلطان" التحية: -وعليكم السلام، اتفضلوا. زيارة مفاجئة قرر أن يقوم بها الجد الكبير ومعه ابنه "بدير" لتلك العائلة لوضع بنود اتفاقية جديدة من أجل إتمام تلك الزيجة المعقدة فقط إن ارتضت "همسة" بها أو أضافت عليها بشروطها، أجلستهما في الصالون، واستأذنت بتهذيبٍ: -هأبلغ ماما إنكم هنا. رد "بدير" بصوته الهادئ: -وماله، وخالك شوية وهيحصلنا ... تبادل مع والده نظرة مفهومة قبل أن يتابع: -أنا مبلغه قبل ما أجي. شعرت بالتوتر الحائر يصيبها، كانت متأكدة أن للأمر علاقة ب "هيثم"، ذاك المثابر الذي لم تتوقف عن التفكير فيه لليلة واحدة، ورغم قلقها من تلك الزيارة الجادة إلا نوعًا من المشاعر الفرحة الصافية سرت فيها .. تساءلت "فيروزة" في فضولٍ: -هو مين جه برا؟ أجابتها وهي تعض على شفتها السفلى: -ده.. الحاج "بدير" وأبوه تغيرت تعابيرها المرتخية حين تساءلت على مضضٍ: -ودول جايين ليه؟ مش خلاص فضينا الموضوع هزت كتفيها قائلة: -معرفش قالت "فيروزة" بنبرة عازمة: -وأنا داخلة عندهم. أمسكت بها "همسة" من ذراعها لتُعلمها: -وعشان تبقي عارفة خالك جاي كمان. امتعاض منزعج تشكل على محياها بعد أن سمعت ما قالته، زفرت معلقة عليها وقد فطنت نسبيًا لأسباب ذلك التجمع الذكوري: -أنا كده فهمت هما جايين ليه. مسحت "فيروزة" بيدها على مقدمة رأسها لتسوي من خصلاتها المتنافرة، وببسمة متكلفة هتفت ترحب بهما: -شرفت بيتنا يا حاج "بدير".. اقتربت منه لتصافحه، ثم التفتت نحو "سلطان" ترحب به بنفس ذات الابتسامة: -إزي حضرتك يا حاج؟ أجاب الأخير في هدوءٍ: -الحمدلله يا بنتي، احنا في نعمة ورضا من ربنا. جلست موزعة نظراتها بينهما وهي تقول: -منورين، خير في حاجة مهمة؟ أجابها "بدير" بغموض: -دلوقتي هتعرفي، ماتستعجليش يا بنتي. هتفت بنزقٍ مستخدمة يدها في الإشارة للخلف: -أنا مجهزة الشبكة بتاعتكم، اعذرونا إن كنا اتأخرنا عشان نرجعها، و... قاطعها في ضيقٍ: -دي خرجت من ذمتنا من زمان. وقبل أن تسألهما كان "خليل" يقف على أعتاب الغرفة مهللاً: -يا مراحب بالناس الكُمل. بالطبع حضوره سيفسد أي محاولة منها لإنهاء ما يحاول إعادته، انضمت إليهم "آمنة" وقد أعدت صينية مليئة بأكواب الشاي، أسندتها على الطاولة وقامت بتوزيعها وهي تستقبلهم بودها الدائم، اتخذت مكانها بجوار ابنتها، وقبل أن يتطرق "بدير" للموضوع الهام الذي جاء من أجله استأذن قائلاً: -يا ريت بنتنا "همسة" تكون موجودة، لأن الكلام يخصها. صح تخمين "فيروزة" وعبست ملامحها كليًا، تحفزت في جلستها، وكأنها تريد القتال، لكن بضغطة لطيفة من والدتها على فخذها حثتها في صمت على البقاء ساكنة ريثما يُعرف بالضبط سبب الزيارة. اتضحت الأمور بعد نقاشٍ طويل مفصل، وعُرضت الشروط عليها لتفكر فيها مليًا قبل أن تمنحهم قرارها النهائي؛ حيث تقرر أن تقيم "همسة" في منزل صغير بعيد عن "بثينة" ومقره بالطابق العلوي ببناية الحاج "سلطان" سيتم استئجاره باسمها لمدة خمس سنوات دون أن تدفع مليمًا فيه لتكون تحت رعاية عائلة "بدير"، وبعدها يغدو ملكها، وسيتم فرشه بالأثاث الحديث، كذلك المحل الذي رغب خالها في تأجيره لأجل الإنفاق عليه وعلى أسرتها سيتم شرائه ويصبح ملكًا بالمناصفة لكليهما..، كما ستُمنح مؤخر صداق لا بأس به إن فكرت في الانفصال لاحقًا ليغنيها عن الحاجة للآخرين، أما عن "هيثم" فإن تجرأ يومًا ومسها بسوء فالعواقب ستكون وخيمة عليه، لم تقبل "فيروزة" بكل تلك الضمانات، وهتفت محتجة: -احنا مش في سوق عشان تبيعوا وتشتروا في أختي، للدرجادي مافيش إلا هي، ما تدورا على واحدة تانية غيرها. رد "خليل" معترضًا وفي صوته هجوم بائن على شخصها وقد بات وشيكًا من تحقيق أحلامه: -ومين قالك إننا بنعمل كده؟ ده جواز على سنة الله ورسوله، بنوفق راسين في الحلال، والحاج "بدير" وأبوه الله يكرمهم قايمين بالواجب وزيادة، نرفض احنا ليه؟ قالت بنبرتها الساخرة وهي ترمقه بنظرة احتقارية يستحقها: -ده لما تكون "همسة" شبه قريبهم ومنسجمين مع بعض، لكن ده لا فكر ولا حتى تعليم، يعني من الآخر ماينفعوش بعض أبدًا، وما تأخذنيش يا خالي، احنا كده بنرميها عشان الفلوس. قبض على ذراعها يشدها منه في غيظٍ: -إنتي اتهبلتي يا بت، بنرميها إزاي يعني؟ خطيبها شاريها وعايزها بشنطة هدومها، محدش غصبه على ده! انتزعت ذراعها من يده انتزاعًا والتفتت موجهة حديثها إلى توأمتها لتفتح بصيرتها: -إنتي رأيك إيه يا "همسة" في ده؟ شايفة إن "هيثم" يناسبك؟ ده أمه وأخته قاموا معاكي بالواجب من غير أي حاجة، هتستحملي تعيشي مع ناس مش طايقينك، ليه تعرضي نفسك للمهانة من تاني معاهم؟ وعشان مين؟ ثم حركت رأسها نحو والدتها متابعة حديثها حتى تدعمها: -وإنتي موافقة يا ماما ترمي بنتك لواحد الله أعلم هيعمل فيها إيه لو أمه قلبته عليها؟ صاح "خليل" عاليًا ليوقف ما اعتبره هراءاتها: -يا شيخة الناس جايين بتقلهم ومتمسكين بيها، وأكدوا مافيش حد هيمسها بسوء. هتفت في سخطٍ ونظراتها الحادة مرتكزة عليه: -والمفروض أنا أصدق، "همسة" مش مروحة ولا تلاجة عشان أحط في بطني بطيخة صيفي وأطنش لأن معايا الضمان، أسفة يا خالي بس أنا مش موافقة. كز على أسنانه بقوةٍ وعينان تطقان حنقًا منها، لم تعبأ بتهديده البائن في نظراته وملامحه، الأهم أن تطمئن على أختها، لكنها تخشبت مصعوقة في مكانها عندما نطقت "همسة" بصوتٍ أجوف نهائي: -أنا موافقة اتجوز "هيثم"! للمرة الثانية خذلتها وأجبرتها على أن تحني رأسها في انهزامٍ، رمقتها "فيروزة" بنظرة مقهورة مستجدية ترجوها فيها بالتراجع، لكنها أكدت من جديد بوجهٍ جليدي، وصوت ثابت، وكأن واحدة أخرى هي من تتحدث: -أنا مش هلاقي أحسن منه ليا. سبع سنوات عجاف مرت عليه بصعوبة شديدة خلال فترة حبسه، كان مذاق أيامه فيها كالزقوم في جوفه، لم يهنأ لليلة واحدة طوال تلك المدة التي ظن أنها لن تمضي أبدًا لطولها المستهلك للأعصاب، كانت الدقائق كالساعات، والساعات كالأيام، بصعوبة استطاع أن ينجو وسط تلك البيئة الإجرامية التي تخضبت فيها أخلاقيات البشر بأسوأ وأخطر السلوكيات المنحرفة والمهلكة للإنسانية، كانت تحميه غريزة البقاء وإن كانت على حساب الآخرين..، المهم أن يُبقى على حياته .. وتلك الليلة كانت مجرد البداية لدوامة من التعاسة، عانى "تميم" من نفس ذلك الشعور العميق بالخوف من المجهول، حين كان يغفو بنصف عين حتى لا يُقتل غدرًا، تملكه نفس الإحساس المستنزف لأعصابه وساد لأيام متتالية قرر فيها مجافاة زوجته علها تتعلم درسها، لكنه بقي معظم ساعات الليل ساهمًا ومحبطًا، تمحص في مشاعره المتخبطة حتى وصل لنقطة أدرك فيها أنه لم يحب "خلود" يومًا، بل لم يبادلها أي نوع من المشاعر سوى تلك التلقائية الناجمة عن القرابة بينهما، لم يحبذ أن يعود لتلك الذكريات. تقلب على جانبيه في الفراش الضيق، والذي عزز من تذكيره لحياته البائسة في السجن، ألقى "تميم" بالغطاء على الأرضية بركله بقدمه، أحس بارتفاع حرارة جسده، تضاعف توتره وانزعاجه، أطبق على جفنيه ليجبرهما على النوم، أبى كلاهما الانصياع له وظل باقيًا لوقت لا بأس به حتى تمكن منه الإرهاق وسقط في غفوة قصيرة، حينها داهمت أحلامه بوقفتها المتعالية وأنفها المرفوع للأعلى في إباءٍ تُجيد التعبير عنه، كانت كالطاووس في زهوها، شموخها، ورغبة الغير في امتلاكها، اقترب ليتفحصها عن قربٍ وهي ترتدي ذلك الثوب الحريري الأبيض الذي تحركه نسمات الهواء بانسيابية عجيبة، برزت ساقها اليسرى في إغراء مستفز فتجمدت نظراته على بشرتها الناعمة. كان مدهوشًا بكل ما يخصها، رفع نظره ببطءٍ ليجوب على فاتنته، معذبة أحلامه ودقات قلبه تعدو بسرعة أكبر، فتلك المرة جاءته وفي عينيها تحدٍ مغرٍ، حفزت مشاعره العميقة واستدعتها ليغدو مهددًا بالسقوط صريع إغرائها الفتاك، ألحت عليه رغبة شديدة بالتمتع بها، باختراق أنسجتها، بالغوص معها في متعة لا حصر لها، بلع ريقه وتودد إليها بشكل لم يستطع السيطرة فيه على نفسه، وكأن كل حواسه ورغباته اتحدت معًا لتدفعه دفعًا لإشباع تلك النزوة المحرمة..، مد يده خلف عنقه ليجذبها إليه، والتقم شفتيها الشهيتين بشفتيه، أحس باحتباس أنفاسه، باختناقٍ رهيب يجثم على صدره، حينئذ استفاق من أحلامه الجامحة وشفتي "خلود" تطبقان على خاصته بقوة لتحصل على قبلات مطولة عميقة، نفض جسدها المسجي عليه كالمذعور وهو يسألها بأنفاس لاهثة من فرط الانفعال: -إنتي بتعملي إيه؟ همست بصوت بطيء ينهج: -أنا بأحبك.. مقدرش أبعد عنك. هبط عن الفراش وهو يكاد لا يصدق محاولتها لنيل متعتها خلال غفوته، ألقى نظرة منزعجة عليها فوجدها قد تأنقت في ثوب حريري شفاف من اللون الأصفر يظهر أكثر مما يخفي، ابتلع ريقه بصعوبة، وحاول ضبط انفعالاته غير المنتظمة ليستعيد هدوئه، زحفت "خلود" على الفراش لتنزل ساقيها من عليه، وقفت قبالته بصدرها المتهدج وتلمست ذقنه بأناملها في حركة ناعمة مغرية، أسبلت عينيها نحوه لتطالعه بنظرات مليئة برغبة جائعة، خبت نبرتها قائلة له: -أنا عايزاك ليا وبس. أمسك بأناملها بيده التي بدت جافة في تعامله معها، ورد متسائلاً بتجهمٍ: -إنتي دخلتي إزاي؟ أجابت ببساطة: -كل مفاتيح الأوض واحدة بتفتح أي باب، إنت نسيت ولا إيه؟ مش كفاية خصام؟ نفخ في ضيقٍ واضح عليه، وقال وهو يحرر أصابعها من قبضته: -ماشي يا "خلود". التصقت به ليشعر بنعومة جسدها عليه فتوقظ الرغبة فيه، وقالت بدلالٍ: -أنا نفسي فيك أوي يا حبيبي، إنت وحشتني. بالطبع لم يكن في حالة مزاجية رائقة ليتقبل منها ذلك النوع المستهلك من المشاعر المحفزة للرغبات وجذبه باستماتةٍ إلى الفراش، تنفس بعمقٍ، واستطرد دون أن يجرحها: -بعدين يا "خلود"، أنا تعبان ومش قادر. تحولت نبرتها للصراخ فجأة وقد تبدلت تعابيرها الهادئة لعواصف وشيكة: -إنت بترفضني؟ ده أنا مراتك، ومن حقي أتمتع بجوازي منك، ياخي ده أنا جاية على نفسي وبأصالحك، ولا خلاص مابقتش أنفع وآ... قاطعها بخشونةٍ: -إنت بتفسري المواضيع على مزاجك، قولتلك أعصابي تعبانة، مش قادر أعدي اللي حصل سواء منك أو مني كده عادي، أنا بشر وبأحس.. خلينا ناخد وقتنا. قالت في صوت هامس وناعم لتغريه وهي تقترب منه لتمسك بيده وتجبره على تلمس مفاتنها حتى يذوب الجليد بينهما: -وأنا عاوزة أنسيك اللي حصل ده كله.. ونبدأ من جديد. وجد "تميم" نفسه عاجزًا عن مبادلتها أي مشاعر ولو بالإكراه، كان ناقمًا على تصرفاتها السيئة، ولم يتجاوز ما فعلته بعد، أما هي فقد كانت عاقدة العزم على ألا تتركه يهرب من مخالبها بسهولة، ستطوقه بحيلها التي تتفنن فيها لتهلك أعصابه، وتجعله خاضعًا لها ليشبع تلك النشوة الوقتية، المهم أن يكون بين يديها الليلة، لذا تدللت عليه أكثر، وشرعت في تقبيله بشغفٍ محموم، كانت متأكدة من تأثيرها عليه، حاول الهروب من حصارها فقال وهو يداعب طرف ذقنها: -طب هاعمل لنفسي قهوة الأول، خليني أفوق كده معاكي. كان اقتراحًا جيدًا للفرار بهدوءٍ حتى يفكر في طريقة يتخلص بها منها، هتفت "خلود" من ورائه بصوتها المغري وبأنفاسٍ حارة: -ماشي يا حبيبي، وأنا هستناك في الأوضة التانية، متتأخرش عليا، أنا على ناري لحد ما تيجي. اللا تعبير كان الأبلغ في الرد، لذا لم يعلق عليها واتجه إلى المطبخ وباله مشغول بالبحث عن حل سريع لينجيه من ليلة غرامية ليست في وقتها، وقف في المنتصف حائرًا، لا يعرف أين تضع لوازم إعداد القهوة...، فتح الأدراج يفتش بتلكؤ عما يحتاجه، وكأنه بذلك يكتسب المزيد من الوقت حتى يصفو ذهنه المشوش ويصل لما يرضيه ولا يحرجها .. أحضر الكنكة، والمعلقة، وتبقى له إحضار البن وكذلك السكر، وجد ضالته في الدرج العلوي، لكن لفت أنظاره تلك الزجاجة الداكنة الغريبة والمخبأة في الخلف، مد يده ليلتقطها وتفحصها عن كثب بعينين مدققتين، تساءل في استغرابٍ حين لم يجد أي بيانات توضح ماهية الموجود فيها: -إيه العلبة دي؟! نزع الغطاء البلاستيكي الأبيض عنها ودلق ما فيها في راحته، اعتلته دهشة مستريبة وقد تناثرت حبات دواء زرقاء على باطن كفه، انتقى واحدة وتفحصها في اهتمامٍ متسائلاً مع نفسه، وكأنه يفكر بصوتٍ مسموع: -غريب أوي البرشام ده! ده بتاع إيه بالظبط؟ ساورته الشكوك حول طبيعته، وبنظرة ذكية تابع حديث نفسه: -ده لا عليه بيانات ولا اسم ولا أي حاجة! استراب أكثر في طبيعته، لكنه لم يضع في باله أدنى احتمال بأن يكون ذاك النوع المعروف بالمنشطات الجنسية، وإن كان لونه المميز يدعو للشك، أعاد حبات الدواء للزجاجة فيما عدا واحدة احتفظ بها في راحته ليريها لها، وخرج من المطبخ وعقله يردد: -طب هي حطاه هنا ليه؟! احتفظ بالعلبة في جيبه حتى يتحرى عنها، وسار ومعه الحبة عائدًا إلى غرفة النوم، احتضن القرص بين سبابته وإبهامه ليتمكن من رفعه أمام عينيها متسائلاً: -"خلود"، البرشام ده بتاع إيه؟ وكأن عقربًا سامًا لدغها في جلدها، انتفضت من رقدتها المغرية لتتطلع إليه بنظرات مرتاعة، هربت الدماء من وجهها، وقالت بتلعثمٍ: -ده.. ده.. بتاعي. سألها وهو يراقب ردات فعلها المثيرة للشك: -وبيعمل إيه في المطبخ؟! حاولت أن تستجمع نفسها لتبدو هادئة، لكن تمكن منها خوفها من اكتشاف حقيقة الدواء، ازدردت ريقها وواصلت القول كذبًا: -دي فيتامينات عشان لما آ.. بتيجلي الظروف كل شهر. تعقدت تعابيره وانعقد حاجباه، لم يكن مقتنعًا بما تقوله لكونه المسئول عن إحضار ما يخصها من لوازم نسائية، فتحرى أكثر منها بملاحقتها بأسئلته: -إنتي مقولتليش عليه مع إني بأجيبلك كل حاجة من الصيدلية، ده عبارة عن إيه يعني؟ أعملت عقلها بقوة لتخرج كذبتها مرتبة مقنعة وهي تجيبه: -ده كان من أمي، كنت بأخده من وأنا بنت. سألها بنظرة متشككة: -وليه مافيش عليه بيانات؟ وبعدين ما تحطيه مع باقي الدوا طالما مهم! ارتبكت أنفاسها من أسئلته التي لا تنتهي، وأجابت بتوترٍ: -عشان مانسهوش، ويبقى قريب مني.. ثم تصنعت الابتسام وسألته دون أن تختفي نظرات القلق من عينيها: -وبعدين إنت شاغل بالك بيه ليه؟ دنت منه وألقت بذراعها على كتفه متسائلة في خبثٍ، ونظراتها إليه غير مريحة: -مش إنت سايب العلبة في المطبخ؟ أجاب نافيًا: -لأ.. دي في جيبي. ارتجفت وقفز قلبها في قدميها رعبًا بعد جملته التي هددت بالإطاحة بكل أحلامها إن اكتشف أمر الدواء، جاهدت لتحافظ على ثباتها، ولكن اهتزت بسمتها وبدت مبهوتة مما أثار ريبته، حاولت التغطية على رجفتها وتغنجت في وقفتها لتبدو أكثر إغراءً وهي تطلب منه: -طب هات العلبة، وأنا هاعينها مع باقي الدواء! استشعر رنة قلق خفيفة في صوتها بالرغم من ميوعتها، وقال معاندًا: -لأ خليه معايا، ماهو مش أي حاجة تتاخد كده وخلاص! مش جايز مُضرة، حتى لو كانت من أمك. سيطر عليها خوفها وأصرت عليه بصوت متعصب: -يا "تميم" دي فيتامينات، وأمي متعودة تجيبهالي.. مافيش فيها حاجة. قال بنظرات غريبة تتفحص تباين ردات فعلها القلقة: -وأنا روحت فين؟ خليه معايا لحد ما أجيبلك أنا زيه. تدلى فكها السفي في ارتعابٍ أشد، حتمًا سينكشف أمره وتصبح في خبر كان، اختفى الوهج المسيطر على نظراتها ليحل الخوف كبديل عنه بشكلٍ مبالغ فيه، وببرود لم يرحها أضاف "تميم": -أنا هاعمل القهوة، وراجع. ردت بصوتٍ مضطرب وقلبها يخفق بتوترٍ: -خد راحتك، أنا أصلاً حاسة إني دايخة ومش قادرة، الظاهر إن معاك حق، أنا هنام. هز رأسه في تفهمٍ وهو يقول لنفسه بارتياحٍ: -الحمدلله جت منك. انتظرته حتى اختفى عن أنظارها ودارت في الغرفة بعصبية متواترة، فركت كفيها المتعرقين بذلك العرق البارد معًا، ورددت بصوتها المذعور: -لازم أخد منه العلبة دي، واتخلص من اللي فيها النهاردة قبل بكرة، وإلا لو عرف ده إيه هاروح في داهية! .............................................................................. لم يغمض لها جفن وبقيت ساكنة وهي تستلقي إلى جواره على الفراش تعد اللحظات عدًا حتى تتمكن من إتمام مهمتها الطارئة، أرهفت "خلود" السمع إلى أنفاسه التي بدأت تنتظم لتعلن عن استغراقه في النوم، حينها أزاحت الغطاء عن جسدها المتلبك ونهضت بتباطؤ حريص من عليه لتتجه إلى ثيابه الملقاة على مقعد التسريحة بخطواتٍ خفيفة وهي حابسة لأنفاسها، ألقت نظرة مرتعبة عليه، كان جسده هادئًا، أبعدت سترته وتلك القشعريرة الموترة تسري في بدنها، همست لنفسها لتبدد خوفها المتفشي فيها: -مافيش حاجة هتحصل، اجمدى وانقذي نفسك. سحبت البنطال الذي كان يرتديه ونظراتها مثبتة على وجهه النائم، ركزت كامل انتباهها على التفتيش في جيوبه باحثة عن الدواء، وجدته بسهولةٍ في جيبه الجانبي، تنفست الصعداء وطوت عليه أصابعها، وبنفس الحذر تسللت من الغرفة لتصبح في الخارج، وضعت يدها على قلبها النابض تتحسس خفقاته المتتابعة في جنونٍ، للحظة فكرت في التخلص من الزجاجة بما فيها، وبالفعل اتجهت نحو الحمام، أوشكت على إلقاء الأقراص في المرحاض لكنها تراجعت عن تلك الفكرة الطائشة في اللحظة الأخيرة، حيث أنها ستثير الشكوك أكثر فيه إن اختفت الزجاجة دون مبرر منطقي، ابتسمت لنفسها في مكرٍ، وقالت: -طب وليه لأ؟ ما أنا أطلعه هو اللي غلطان، ويبقى أنا المظلومة في الحكاية دي! قامت "خلود" بتبديل الأقراص المعنية بأخرى بيضاء وملونة مسكنة للآلام وبحثت عن بضعة أقراص مصبوغة باللون الأزرق لكنها لم تجد، وضعت ما جمعته في نفس الزجاجة مستبعدة أنه قد أفرغ ما فيها بالكامل لينظر في محتوياتها، ابتسمت لنفسها في انتشاءٍ وهي معتقدة أنها حققت نجاحًا باهرًا، خرجت من الحمام لتعيد وضع الزجاجة في مكانها لكنها تناست الجيب المقصود، فوضعتها في الجانب الآخر، وعادت لتتمدد على الفراش وتلك الابتسامة الشيطانية تتراقص على شفتيها.. لكنها لم تدرك اختلاس "تميم" النظرات نحوها، هنا تأكد في قرارة نفسه أنها تخفي عنه شيء ما، وفي الغد القريب سيتحرى عنه. انتهى الجزء الأول ،،،،