الطاووس الأبيض ج1 - فصل 36.37.38 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الطاووس الأبيض ج1
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: فصل 36.37.38

فصل 36.37.38

⏎ _*ࢪوايـه الطاووس الأبيض 🎀🩷⑅⃝︎◌︎.""))*‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏_ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ *(³⁶)* رمشت بعينيها عدة مرات لتتأكد من هويته، انفرجت شفتاها عن دهشة مصدومة، كان أمر حضوره إلى هنا بالتحديد مستبعدًا عن ذهنها، لم تتصور مطلقًا أنه سيتبعها إلى المشفى بعد لقائها الحرج معه في المطعم، انطفأت شعلة اللهب الغاضبة الظاهرة على صفحة وجهها ليحل بدلاً منها الارتباك والتوتر، التفتت "فيروزة" كليًا نحوه متناسية وجود "تميم" معها، ورددت بعفوية دون أن تنتقص صدمتها: -إنت ..؟! تقدم "آسر" بابتسامته المنمقة نحوها، وقال معتذرًا: -أنا أسف إن كنت مجتش معاكي من الأول.. تأهبت في وقفتها وظلت تتطالعه بغرابةٍ وهو يكمل ببسمته المرسومة بعناية: -بصراحة مكونتش متأكد إن كانت المستشفى هنا بتقبل الدفع بالفيزا ولا لأ، فروحت البنك أسحب فلوس كاش.. تفاجأت مما فعله، ورأت تلك الحقيبة الجلدية الصغيرة معلقة في يده، وقبل أن يتم جملته للنهاية قاطعته بتلعثمٍ خفيف وقد لانت ملامحها نسبيًا: -شكرًا يا.. أستاذ "آسر".. مكانش ليها لازمة تتعب نفسك. رد معتذرًا من جديد بتهذيبٍ واضح: -تعب إيه بس؟ ده أنا مقصر خالص، كان المفروض أتحرك بسرعة عن كده وأقف جمبك من البداية. لم يستسغ "تميم" تلك اللطافة الزائدة منه، كانت مصطنعة للغاية، شعر وهو يتابع حواره الكلامي بسماجة فائضة غير مستحبة زادته نفورًا من ناحية شخصه اللزج، ابتسمت له "فيروزة" مجاملة، ورققت من نبرتها حين قالت: -كتر خيرك، كلك ذوق. تصاعدت الدماء بقوة في رأس "تميم" وهو يصغي إلى ردها الناعم معه، هي ليست من النوع المتساهل مع الرجال، بل القسوة عنوان صوتها، وتلك النبرة الأنثوية الهادئة استثارت مشاعره بدرجة أكبر، فأصبح في حالة لا يحسد عليها، تنفس بعمقٍ ليضبط انفعالاته التي بدت في حالة ما بين الجنون والغضب الأعمى، كبحها قدر المستطاع علها تحط في أعماقه، نظر لها مليًا بضيقٍ، شعر وكأنها تتعمد استفزازه برقتها الغريبة مع غيره، لذا تنحنح بصوتٍ مرتفع نسبيًا ليلفت انتباهها إلى وجوده فتكف عن إيذائه بذلك الشكل السافر قبل أن يستطرد قائلاً بنبرة جافة مالت للخشونة: -متشكرين يا حضرت، الرجالة عملوا الواجب وزيادة. استدارت "فيروزة" ناحيته، حدقت فيه بقسوةٍ، اختفت الرقة من تعبيراتها عندما ردت عليه بعبوسٍ: -لا معلش، أنا مش عاوزة حد من طرفكم يساعدني. استقام في وقفته الرجولية فبدا أكثر مهابة وقوة، ثم رد معاندًا إياها: -ودي مش مساعدة يا أبلة، ده واجب علينا. قالت بتبرمٍ، وتلك النظرة الحادة تعلو حدقتيها: -وأنا مش محتاجاه. ثم التفتت ناحية "آسر" تعتذر منه: -وبرضوه بأشكرك يا أستاذ "آسر" على ذوقك، لكن مستورة والحمدلله. هتف الأخير بإصرارٍ: -يا آنسة "فيروزة"، طبيعي كلنا نقف مع بعض وقت الأزمات، ماتتكسفيش مني.. وبجراءة غير مقبولة مد "آسر" ذراعه نحوها، وأمسك بيدها ووضع النقود في كفها بالإجبار، ذُعرت من حركته المباغتة ونفرت منه، شعرت بالغضب يجتاحها لمحاولته فرض الأمر عليها، احتقن تورد بشرتها، وردت بحدةٍ وهي تحاول إعادة النقود له دون أن تمسه: -لأ مش هاينفع كده. شخصت أبصار "تميم" من تجاوزه الوقح، ودون تفكيرٍ انتشل النقود من يد "فيروزة"، ثم خطى للأمام خطوتين نحو ذاك اللزج ليقطع عليه طريق الود المائع معها بجسده المشدود، حجب عنها الرؤية عن قصد، ووجه نظراته المنذرة إليه، ثم قبض على معصمه، ودس النقود بعنفٍ في راحته قاصدًا إيلامه .. سدد له نظرة نارية أخرى أشد حدة قبل أن يقول بصوتٍ أجوف مهدد يعكس قساوة غريبة: -هما الرجالة اللي واقفين قصادك دول مش ماليين عينك؟ عين فلوسك في جيبك. استنكر "آسر" تصرفه الفظ، وقال بوجه ممتقع: -افندم..؟ زجره "تميم" بنبرته التي اخشوشنت أكثر: -سمعتني كويس، ولا تحب أعيد؟! احتجت "فيروزة" على تدخل "تميم" في شئونها، وإن كانت رافضة لذلك التصرف الجريء من "آسر" لإقناعها بقبول مساعدته، ومع ذلك صبت جام غضبها على الأول، ونهرته بتشنجٍ: -حد كلمك أصلاً؟ ولا طلب منك تدخل؟ ده شيء يخصني أنا. نظر ناحيتها بعينين غائمتين، ورد بجمودٍ: -أنا بأعمل الأصول يا أبلة لو كنتي نسيتي... ثم تركزت كامل نظراته على وجه "آسر" وهو يستأنف تهديده الصريح له: -في حاجات ماينفعش أشوفها وأعديها، ويحمد ربنا الأخ إنه حوالينا ناس، وإلا كنت خليته يحجز بالفلوس دي سرير في عنبر 6 فوق! قست تعابير "آسر" وقد فطن إلى كونه يحاول جعل الأمر يبدو استعراضًا للقوة الذكورية، فسأله ببرودٍ متعمدًا تحديه: -ده تهديد يا أخ إنت؟ تقوست شفتا "تميم" عن ابتسامة مغترة وهو يرد: -أيوه.. أشار "آسر" بسبابته نحوه موجهًا حديثه ل "فيروزة" ليسألها مباشرة، وبقيت نظراته الساخطة مسلطة عليه: -قبل ما أغلط فيك، قريبك ده يا آنسة "فيروزة"؟ أصل أنا ماينفعش حد يهددني بالشكل ده وأسكتله! ابتسامة استخفاف احتلت شفتيها قبل أن ترد: -ولا أعرفه! تحفز "آسر" للاشتباك معه بعد أن أعاد النقود إلى داخل الحقيبة الجلدية الصغيرة، وقال متسائلاً بنبرة تحمل الإهانة: -طب حضرتك بتدخل بصفتك إيه؟! إذا كان الآنسة نفسها متعرفكش! رزالة يعني؟ ولا شو قصادنا؟ يا ريت تفهمنا اربد وجه "تميم" بغضبه المحموم رافضًا أسلوبه التهكمي المستهون بشخصه وبما يمكن أن يفعله إن فقد أعصابه، وخرجت الأمور عن السيطرة، ثم حدجه بنظرة مخيفة من عينيه اللاتين التهبتا بشدة، ورد بجمودٍ وهو يلكزه في كتفه بعنفٍ: -دي حاجات أكبر من اللي زيك، صعب تعرفها لوحدك. اغتاظ "آسر" من تجريحه الواضح لشخصه وتقليله من شأنه، فلجأ لاستحقاره قائلاً بنظرة متعالية: -خلاص أنا كده فهمت النوع بتاعك، إنت من اللي واخدينها بلوي الدراع. لم يتحمل استهزاء ذلك الغريب به، فحرك "تميم" ذراعه نحوه ليمسك به من طرف سترته باهظة الثمن، جذبه بقوة نحوه، وكأنه خرقة لا يزن شيئًا، عجز "آسر" عن مقاومته أو الابتعاد عنه، كان غليظًا للغاية في تعامله، ثم حذره الأول بلهجة قاتمة وعيناه تنظران له بشراسةٍ: -طب كويس إنك عرفت نوعي، عشان لما بأزعل ببقى غبي! على الفور تدخلت "فيروزة" لتمنعه من الاعتداء عليه، وصاحت فيه بنبرة غلفها الصراخ المهدد: -ابعد عنه، إنت مابتفهمش غير في البلطجة وبس. هتف "آسر" يتوعده، وهو يحاول تخليصه نفسه من براثنه، وكأنه بذلك يحاول لم كرامته التي بعثرها بسهولة أمامها: -خد بالك أنا محامي مهم، أقدر ألبسك تهمة وأنا واقف هنا في مكاني، ده غير إن معارفي كتير، فبلاش اللي زيي يأذيك أحسن. ضحك "تميم" مستخفًا بجمله المتباهية، وتركه متعمدًا المسح على كتف بدلته كما لو كان ينظفها قبل أن يعلق عليه: -الصراحة خوفت، وهاجيب ورا.. بس مش عشانك، عشان أخت الأبلة! ضاقت نظرات "فيروزة" من عبارته المبهمة، في حين عاد "هيثم" من الداخل وقد انتهى من الإجراءات المادية الخاصة بحالة "همسة"، نظر بغرابة إلى الثلاثة المتشاحنين، وتساءل في فضولٍ ليثير انتباههم: -خلاص يا ابن خالتي، هو في إيه؟! وضع "تميم" يده على كتفه وهو يهز رأسه في تفهمٍ، ثم قال ببرودٍ، وعيناه تحدقان في وجه "آسر" بتوعدٍ مريب: -بينا يا "هيثم"، وقفتنا هنا مالهاش لازمة. تحركت "فيروزة" لتعترض طريقه، ثم هتفت فيه بصوتها الغاضب: -استنى إنت رايح فين؟ أخرجت النقود من حقيبتها ورفعتها أمام وجهه متابعة بشراسةٍ: -خد فلوسك اللي دفعتها، أنا مابشحتش .. ! ثم سحبت شهيقًا سريعًا لتكمل به هجومها عليه: -ولا دي حركة متفق بيها مع مراتك عليا عشان تعايرونا بيها بعدين؟! رمقها "تميم" بنظرة مستنكرة، مزعوجة، غريبة، نافذة، ومليئة بالغموض، لم تفهم طريقة تحديقه بها، واغتاظت أكثر عندما دفع ابن خالته للجانب ليبتعدا عن طريقها وهو يأمره: -يالا.. صاحت من خلفه بصوتها المرتفع: -فلوسك هترجعلك، سامعني. تجاهلها مرغمًا ليتابع سيره، بينما حملقت "فيروزة" في ظهره وهو يبتعد بنظراتٍ مغتاظة، ودمدمت قائلة لنفسها: -أنا مشوفتش في حياتي كده!! ظلت نظراتها تتبعه إلى أن هبط الدرجات واختفى، في حين هندم "آسر" من سترته التي فسد مظهرها مرددًا بعض العبارات المنزعجة، فاستدارت "فيروزة" ناحيته لتقول معتذرة عن وقاحة ذاك البلطجي معه: -أنا أسفة يا أستاذ "آسر"، إنت اتحطيت في الموقف البايخ ده بسببي، مش عارفة أقولك إيه! رد مبتسمًا وهو يحرك رأسه للجانبين: -ولا يهمك، أنا غرضي أساعد و... ودون أن تسمع باقي جملته قاطعته في امتنانٍ: -أنا مقدرة ده.. وبأشكرك على اهتمامك. سألها في جدية: -طيب أختك فين دلوقتي؟ خرجت تنهيدة بطيئة من جوفها قبل أن ترد: -هاروح لماما أشوف الوضع إيه. استأذن منها بأسلوبه اللبق: -طب تسمحيلي أكون معاكي؟ يعني عشان لو عوزتي حاجة، ماتبقيش لوحدك وكده. تحرجت من وجوده والذي لن يكون مقبولاً بالمرة بالنسبة لعائلتها، ناهيك عن ظرافة "حمدية" اللا متناهية، والتي ستسعى لاستدراجه واستخراج المعلومات منه، كما لو كانت تعمل (خاطبة) مما سيزيدها حرجًا، لذا حاولت التملص من عرضه، وقالت بجدية: -أهلي كلهم هنا، اطمن. لم يجد بدًا من الإصرار أمام رفضها الواضح، فرد في استسلامٍ: -أوكي يا آنسة "فيروزة"، مش هاضغط عليكي، لكن لو عوزتي حاجة، فأنا في الخدمة. رانت على شفتيها ابتسامة لطيفة وهي تشكره: -ميرسي ليك يا أستاذ "آسر". بادلها ابتسامة ودودة قبل أن يطلب منها راجيًا: -أتمنى نشيل التكليف بينا، يعني أنا باعتبر نفسي دلوقتي صديق ليكي .. وآ.. وللعيلة. ضغطت على شفتيها في ترددٍ، وقالت بحسمٍ: -أفتكر إن كده أحسن، يعني منعًا للمشاكل، وحضرتك شوفت النوعية الناس اللي عايشين معاهم إيه. قال بما يشبه التغزل بها: -بس إنتي غير أي حد، مختلفة، ومستقلة، وشخصيتك حلوة. لم تعرف بماذا تعقب عليه، فقالت وهي تحاول الابتسام: -شكرًا، هستأذنك هاشوف أختي. -اتفضلي، وإن شاءالله تبقى كويسة. لم يمد تلك المرة يده لمصافحتها حتى لا تحرجه، واكتفى بتوديعها بعباراته المهذبة ليبدو حينما تستحضر صورته في ذهنها المحامي المحترم، لوحت له بيدها وظلت متسمرة في مكانها لبعض الوقت، وكأنها قد عادت لتستغرق في أفكارها المهمومة من جديد .. لم تعلم "فيروزة" بوجود من يراقبها من على السلم، أصر "تميم" على البقاء تاركًا "هيثم" يعود بمفرده، ووقف في بقعة تمكنه من متابعتها دون أن تلتقطه عيناها، توهجت غرائز الفتك والعنف بداخله وكأنه في معركة البقاء للأقوى، كبح ما يعتريه بمجهودٍ عنيف، أنبئه حدسه بعد ملاحظة ما يدور من تلميحات وحركات مفتعلة بأن وراء تلك التعابير الوديعة لذلك الرجل ثعلبًا ماكرًا، ولم يخطئ إحساسه -بشأن أحدهم- يومًا. اتجه عائدًا إلى منطقة الجلوس الخاصة بأهالي المرضى في الردهة الواسعة، جاب بعينيه على أوجه المتواجدين باحثًا عن عائلته، كانت "بثينة" تتخذ المقعد الخلفي وإلى جوارها ابنتها، سار "هيثم" صوبها وجلس على يسارها ليلتقط أنفاسه، سألته الأولى بفضولٍ وبنبرة أقرب للهمس وهي تتفرس في قسماته المرتخية بشكل ملحوظ: -كنت فين كل ده؟ أجابها بزفير مرهق: -موجود يامه هاروح فين. سألته بخبث وذاك الوهج يحتل عينيها: -ها عرفت تتصرف في فلوس؟! هز رأسه يجيبها بغموض: -أه الحمدلله لم تتقبل مراوغته في الكلام، فألحت عليه بنظرتها المتشككة: -منين يعني؟ رد بعفويةٍ ودون أن يفصح عن مصدر مساعدته: -من باب الله. ابتسامة غير مريحة داعبت شفتيها وهي تحاصره بأسئلتها: -قولي، استلفت من جوز خالتك؟ مظبوط؟ إنت روحت كلمته؟ نفخ يجاوبها في سأم: -يامه متركزيش في الحاجات دي، وادعي ربنا يقوم "همسة" بالسلامة. زمت شفتيها محتجة بقنوط: -وأدعيلها ليه؟ ما أمها موجودة! هي عدمتها؟ نظر لها بعينين تلومان قساوة مشاعرها، وعاتبها بضيقٍ ظاهر في نبرته وملامحه: -لله يامه، لله! ادعي لله! ضجرت "خلود" من مكوثها غير المجدي، فنهضت من مكانها وعلقت حقيبتها على كتفها لتقول بنبرة عازمة مستخدمة يدها في التلويح: -بأقولك إيه يامه، أنا هاروح البيت ألحق أعمل لقمة ل "تميم"، أعدتي هنا زي قلتها. رد عليها "هيثم" من تلقاء نفسه ودون أن ينتبه: -لأ متتعبيش نفسك، جوزك موجود هنا. وكأن يدها لامست سلكًا مكشوفًا يسري فيه التيار الكهربي فأصابعها بصاعقة مميتة، حدث ما لم يخطر على بالها، أو تضعه في الحسبان .. انتفض كامل جسدها وتخشبت في مكانها ساهمة للحظة قبل أن تفيق من دهشتها الكبيرة، حدقت فيه بعينين جاحظتين، ثم عاجلته متسائلة بوجه شاحب وأغلب مخاوفها تقتحم رأسها حاليًا: -إنت بتقول إيه؟ جوزي بيعمل إيه هنا؟ أدرك "هيثم" أنه بغبائه وتسرعه تلفظ بحماقةٍ ربما تكشف فأمره فبادر يصلح خطأه بالإدعاء كذبًا: -اقصد.. أنا شوفته مع جوز خالتي، والبت أخت "همسة"، كانوا بيتكلموا سوا. هتفت "خلود" بصوت مرتجف وقد أصبح الهواء ثقيلاً عليها: -هاه! بيتكلموا سوا؟ اكتفى بهز رأسه فتضاعفت مخاوفها، هربت الدماء من عروقها وقد تحقق ما خشيت منه وحدث اللقاء بينهما، فماذا إن تهورت تلك الحقودة وأخبرته بإساءتها إليها؟ أو ما نطقت به لها على لسانه؟ حتمًا ستقع في مأزق كبير، ازدحم رأسها بهواجسها المذعورة، ولم تعد قادرة على تمالك نفسها، تشوشت الرؤية لديها وشعرت بظلام غريب يغلف عقلها، وما هي إلا لحظة ومادت بها الأرض لتسقط فاقدة لوعيها. كانت الغرفة غارقة في الهدوء إلا من صوت أنفاسها المنزعجة، ألقت "بثينة" نظرة متحسرة على ابنتها التي ما زالت نائمة على الفراش في حالة سكون عجيبة وإن كانت لا تشكو من شيء جدي، مجرد توتر زائد أتلف أعصابها، تأهبت في جلستها حين سمعت صوت أنينها الخفيض، مالت نحوها ومدت يدها لتمسك بكفها المسنود إلى جوار جسدها المسترخي، واستطردت تنوح في سخطٍ: -كان مالك بالهم ده يا بنتي؟ مسحت بيدها الأخرى على جبينها حين أدارت رأسها نحوها، ابتسمت في حماسٍ وقد رأتها تحاول فتح جفنيها، نادت عليها بتلهفٍ: -يا "خلود"! سمعاني يا بنتي؟ ردت بوهنٍ: -أيوه يامه.. أنا فين؟ جاوبتها بحنوٍ: -إنتي يا حبة عيني وقعتي فجأة من طولك قصادنا، ونقلناكي على الأوضة دي عشان نشوف جرالك إيه. ابتلعت ريقها في حلقها المرير، وتساءلت بصوتها الضعيف: -"ت.. تميم" يامه.. أجابت بتبرمٍ وكأنها غير راضية عنه: -مع الضاكتور بره بيطمن منه عليكي. سألتها في خوارٍ وقد وضعت يدها على رأسها ال: -عرف حاجة عن خناقة النهاردة؟ قالت وهي تهز كتفيها بالنفي: -مافتكرش، وبعدين هو احنا في إيه ولا إيه! ما كفاية المصايب اللي نازلة على دماغنا من الصبح. دقة خفيفة على باب الغرفة جعلت الاثنتان تتوقفان عن الحديث الخافت، وبابتسامة متفائلة ولجت ممرضة رشيقة إلى الحجرة، نظرت في عدم تصديقٍ حين أمعنت النظر في وجهيهما المألوف، وهتفت ترحب بهما: -مش معقول خالتي "بثينة"، والله ما أعرف إنكم اللي هنا، ألف سلامة على "خلود". نهضت "بثينة" من مكانها لتحتضن الممرضة "عائشة" والتي تربطها معرفة جيدة بوالدتها الخياطة، حيث كانت تأتي إلى منزلها ومعها الأقمشة المزركشة لتقوم بحياكتها لها، ابتهجت الأولى، وقالت في حبور: -الدنيا صغيرة بصحيح يا بت يا "عيشة"، مجاش في بالي إنك شغالة هنا. أخبرتها عن أحوالها باستفاضة: -أنا لسه منقولة مبقاليش شهرين للمستشفى دي، حبوا يكرموني فجابوني هنا، والحمد لله أنا مبسوطة. ربتت على ظهرها تدعو لها: -ربنا يكرمك بالأحسن. عادت "عائشة" لتطمئنها بثقةٍ: -متقلقيش يا خالتي على "خلود"، دي حاجة عادية، خليها ترتاح وماتضغطش على نفسها، مافيش حاجة مستاهلة زمت شفتيها وعلقت: -قوليلها، دي واخدة كل حاجة على أعصابها ومغلباني معاها أضافت تؤكد لها: -عمومًا الدكتور هيجي يشوفها تاني وهيكتبلها على خروج. تنهدت تدعو لها مرة أخرى: -ربنا يصلح حالك ونفرح بيكي قريب. تصنعت العبوس وعقبت عليها: -أه والنبي ادعيلي، لأحسن حاسة إني هافضل كده من غير جواز. لكزتها بخفةٍ في جانب ذراعها وهي تضيف بتهكمٍ: -ياختي اللي اتجوزوا خدوا إيه غير الهم والنكد أخفضت نبرتها لتقول في دلال وتلك اللمعة تكسو نظراتها المرحة: -بردك يا خالتي.. حد يقول للجواز لأ. ابتسمت "بثينة" وهي ترد: -ماشي يا "عيشة".. اقتربت الأخيرة من "خلود" لتتابع سريان المحلول في الإبرة الطبية الموصولة برسغها، وألقت نظرة عابرة على "هيثم" الذي دخل الغرفة متسائلاً باهتمامٍ: -عاملة إيه دلوقتي يا "خلود"؟ ردت بوهنٍ: -الحمدلله، فين "تميم"؟ جاوبها مازحًا حتى يخفف من توتر الأجواء: -بيجيب أكل وجاي، ما هو احنا ماشاء الله علينا، معسكرين كلنا هنا، اخدين المستشفى مقاولة لينا. سألته "بثينة" على مضضٍ: -وإنت طبعًا كنت لازق للمحروسة وأهلها قال بشفاه مقلوبة: -أيوه يامه، والحمدلله خرجت بالسلامة من العمليات. أضافت بنبرتها الساخطة: -هي يعني كانت أول واحدة تعمل الزايدة؟ إنت بس اللي مدلوق عليهم. هتف محتجًا وقد ارتفع الكدر في عينيه: -مش خطيبتي يامه، ده الواجب! انتهت "عائشة" من مهمتها الروتينية، وقالت بابتسامتها وهي تضع يدها على كتف "بثينة": -طيب يا خالتي أستأذن أنا. رمقتها بنظرة ذات مغزى قبل أن تأمرها: -استني يا بت. أرادت الأخيرة أن تظهر بمظهرها السخي معها، لذا تحركت صوب "هيثم" وأمسكت به من ذراعه، سحبته نحو الزاوية وهمست له: -شوفلي معاك عشرين جنية كده. تقلصت تعابيره، وسألها مندهشًا: -ليه يامه؟ قالت بلهجة صارمة، لكنها خافتة، وهي تكز على أسنانها: -هاتهم بس. دس "هيثم" يده في جيب بنطاله الخلفي وأخرج من حافظته ورقة بفئة العشرون جنية، ثم ناولها إياها، طوتها "بثينة" في راحتها، ورسمت تلك البسمة المستهلكة على شفتيها وهي تدنو من "عائشة"، ثم تأبطت في ذراعها لتدفعها للسير معها، وما إن وصلت أعتاب الغرفة حتى وضعت في راحتها المغلقة النقود، واستطردت قائلة بإلحاحٍ: -خدي دول يا حبيبتي. تصنعت الحرج منها، وردت: -مالوش لازمة، خيرك مغرقني يا خالتي. أصرت عليها بتجهم زائف كتعبير عن عدم تقبلها للرفض: -يا بت ينفعوا في مواصلاتك، هما دول حاجة أخذت "عائشة" النقود منها ووضعتها داخل جيب معطفها الأبيض وهي تشكرها: -تسلميلي يا رب. علق "هيثم" متبرمًا بعد أن رحلت الممرضة: -مش لازم الفنجرة الكدابة دي يامه! نظرت له بتنمرٍ قبل أن توبخه: -ملكش دعوة.. أنا بأعملنا قيمة. أخفض صوته وقال متهكمًا: -من جيبي! تنفس بعدها بعمقٍ، وأضاف: -بأقولك إيه يامه أنا هاروح أشوف "همسة" فاقت ولا لسه. وبخته بنفس أسلوبها الذي يكيل بمكيالين: -ياخويا اتنيل اقعد جمب أختك اطمن عليها الأول، مسربع على إيه! رد في انزعاجٍ، وقد ظهر على تعابيره علامات الاستياء: -ما جوزها معاها، أنا هاعملها إيه صاحت مستنكرة: -هو فينه ادلعدي ده؟ محدش شاف طلته البهية. أولاها ظهره وقد بدأ يتحرك نحو الخارج: -زمانته جاي. ارتفعت نبرتها القانطة لتلاحقه حين خرج من الغرفة: -طبعًا بيجيب طفح للي ما يتسموا. أدار رأسه للخلف لينظر نحو باب الغرفة بنظرات مستهجنة، ثم هتف لنفسه ساخرًا، وكأنه يهزأ بقولها: -أل يعني هيطفحوا لواحدهم، ما إنتو قبلهم! -دي اللي عملناها للست إياها من يومين يا دكتور؟ تساءل أحد الأطباء بتلك العبارة وهو يضع نظارته على أنفه قبل أن يغوص في مقعده ليتابع باهتمامٍ تفاصيل إحدى العمليات الجراحية التي قام بها لإحدى السيدات اللاتي بلغت من العمر أربعين سنة، رد عليه زميله بجديةٍ، وقد كان مكلفًا بمتابعة وضعها الصحي: -أيوه، للأسف سنها كبير، مع الجراحة دي كمان فرصها للإنجاب هتقل. قال في أسف: -ربنا يتولاها. في تلك الأثناء، أتت الممرضة "عائشة" لتستدعي أحدهما لمخاطبة مدير المشفى لأمر عاجل، ودون قصدٍ منها أرهفت السمع لحديثهما الغامض منتظرة أن ينتهيا منه، لفت انتباهها حين أضاف الأول متعجبًا: -مع إن عملية الزايدة تعتبر حاجة بسيطة اليومين دول، لكن مكوناش هنشوف ده ونعرف، أكيد ربنا ليه حكمة محدش عارفها. علق عليه زميله موضحًا: -التكيسات عندها على المبايض عالية، وحتى بالعلاج المكثف برضوه مش هاتخلف، فرصتها ضعيفة أوي. رددت في نفسها باستغرابٍ: -يا ترى بيتكلموا عن مين؟ وقبل أن تشرد في أفكارها الحائرة رفع الطبيب الأول أنظاره نحوها متسائلاً: -خير؟ في حاجة يا "عيشة"؟ أجابته بربكة طفيفة: -سيادة المدير عايزك يا دكتور. أشار لها بيده قبل أن يرد: -طيب أنا جاي وراكي. لم تكن "عائشة" لتلقي بالاً لتلك الحالة المبهمة أو تعبأ بتفاصيلها لولا أن رأت "هيثم" يستوقف نفس الطبيب الذي يسير معها ليستعلم منه عن حالة أجرت الزائدة الدودية اليوم مما استرعى فضولها، انقبض قلبها فجأة وقد خُيل إليها أنه يتحدث عن الحالة الميؤوس من إنجابها، بهتت ملامحها وقالت لنفسها في جزعٍ وعيناها ترتكزان عليه: -يا نصيبتي لو طلعت خطيبته! دموعها الحارقة كانت سلاحها الفعال الذي ينجح دومًا في استرقاق قلبه واستمالته نحوها، بكت "خلود" في لوعةٍ تشكو له انعدام الأخلاق لدى "فيروزة" لتبادر باتهامها بإفساد الخطبة قبل أن تكتمل متمنية التعاسة لشقيقها الوحيد، فما كان منها إلا محاولة منعها في فرض سطوتها على أختها قليلة الحيلة، حقًا كانت بارعة في إعادة سرد المواقف وتطويعها لتضعها في قالب الضحية المتجني عليها، وضعت يديها في حجرها بعد أن أسندت الوسادة خلف ظهرها، وقالت مجازفة وهي تسبل عينيها نحوه: -أنا حتى خوفتها بيك، بس ولا همها حد. أرادت بتلك الجملة الضمنية أن تتبين مدى معرفته بتفاصيل المشاجرة التي دارت بينهما في المطعم، لكنه نطق بغموضٍ لم يشعرها بالارتياح وهو يفرك أصابعه معًا: -ماشي يا "خلود"، هنتكلم بعدين. لم تعرف ما الذي يشغل تفكيره ليبدو بذلك الوجوم المثير للريبة، كانت عضلات وجهه مشدودة، نظراته غائمة، حتى صوته كان مغلفًا بالقتامة، بلعت ريقها وسألته بحذرٍ: -إنت كويس؟ في حاجة مضيقاك يا حبيبي؟ أنا بخير متقلقش.. لم ينظر نحوها "تميم"، واكتفى بالتحديق أمامه، لكن تقلصت تعابيره حين أجابها بسؤالٍ مباغت: -إنتي قولتيلها إيه بالظبط؟ اصفر وجهها وهي ترد بصوت مهتز: -قولت لمين إيه؟ أدار رأسه ناحيتها، ثم ثبت عينيه المغلفتين بظلمة مُقلقة عليها وهو يوضح: -للأبلة .. "فيروزة"! عادت الدماء الهاربة لتغزو عروقها باندفاع غاضب حين رددت شفتاه اسمها من جديد، شعرت بتلك الحرقة تجتاح أحشائها عندما تطرق لسيرتها، استشاطت غيظًا وكمدًا، وبلا وعيٍ صرخت تهاجمه بعصبيةٍ: -إنت بتنطق باسمها تاني قصادي؟ إنت عاوز تجنني؟ في إيه بينك وبينها؟ ولا الموضوع جاي على هواك؟ هب واقفًا من جلسته ليطالعها بنظراتٍ قوية نفذت إليها وأرعبتها، ثم أشار لها بسبابته وهو ينذرها بنبرة اكتسبت صرامة شديدة متعمدًا تكرار ترديد اسمها مجردًا دون ألقاب: -لآخرك مرة بسألك، قولتي ل "فيروزة" إيه... ؟! *(³⁷)* ما عادت تعلم سوى أن نارًا اسمها "فيروزة" قد اشتعلت في عروقها وحفزت جميع مشاعرها الثائرة لتبدو أكثر غضبًا، جموحًا، وعدائية .. انتزعت "خلود" الإبرة الطبية الموصولة في رسغها لتنهض عن الفراش، تقدم نحو زوجها ووقفت تتحداه بعينين تحبسان دموعًا حارقة، ثم هدرت تعنفه بكل غضبها المستعر في كيانها: -إنت بتنطق اسمها تاني؟ سحب نفسًا مطولاً يثبط به أي بادرة غضب تلوح في الأفق، كان مدركًا لخطورة غضبه الذي بات على المحك، زفر ببطءٍ، ونظر لها مليًا قبل أن يرد ممتعضًا: -غيري الموضوع، وامسكي في الهايف! وضعت يديها على صدره، رفعتهما بتمهلٍ لتطوق عنقه، وتطلعت إليه بنظراتها الملتهبة، ثم صرخت فيه وقد امتزج صوتها الحاد مع نحنحة بكائها: -إنت ليه مش حاسس بيا؟ عارف إني بأحبك وبأغير عليك من الهوا الطاير، ليه بتختبرني بيها كل شوية؟ ليه بتعذبني معاك؟ ده أنا بأموت فيك يا "تميم" أراحت رأسها على صدره، وحاولت احتضانه لتؤثر عليه بمشاعرها المضطهدة، لكنه أمسك بمعصميها قبل أن يلتفا حوله، أبعدهما بالإكراه لتنظر له مصدومة، ثم تركها وتحرك مبتعدًا عنها ليتابع سؤالها بوجهه المتهجم: -برضوه مجاوبتيش عليا، قولتيلها إيه؟ أدركت أن سلاح دموعها الحزينة لن يجدي معه تلك المرة، لتنتقل إذًا لشيء آخر يُحدث أثره عليه، تهدل كتفاها وارتدت قناع التعاسة لتجيبه بصوتٍ خفيض مهموم وهي تمسح دموعها: -لو ده هيريحك فأنا اتكلمت معاها يا حبيبي، قولتلها تبعد عنك.. أظن ده من حقي... لكن غلف صوتها قساوة مخيفة وهي تكمل: -بس باللغة اللي تفهمها أمثالها! كاد يسير كل شيء على ما يرام لولا جملتها الاعتراضية الأخيرة، كانت السبيل لكشف الجانب المعتم من شخصها الذي لم يعهده، لم تكن بالزوجة الطيعة المحبة الودودة التي تفيض مشاعرها حبا وحنانا، بل بدت لأول مرة غريبة عما اعتاد عليه، وكأنه يتعرف عليها من جديد؛ شخصية مناقضة لما عاشرها تتسم بالشراسة والأنانية، صراع رهيب مليء بالتخبط والحيرة دار في رأسه تلك اللحظة، أليست تلك الصفات العدائية ما تزعجه وتثير جنونه إن صدرت من "فيروزة"؟ إذًا لماذا لا يتقبلها من زوجته وهي تمتلك كافة الحق لتدافع عن زواجها إن شعرت أنه مهدد من قبل أحدهم؟ أرجأ ما ينتاب عقله مؤقتًا لحين صفاء ذهنه، وصاح معترضًا على ما قامت به، وإن كان بنية حسنة: -إنتي عملتيلي مشاكل معاها يا "خلود". ردت غير مبالية، وتلك النظرة الحاقدة تكسو حدقتيها البراقتين: -المهم إنها تبعد عنك ومتقربش منك، إنت جوزي أنا وبس. احتج بضيقٍ على تسلطها المبالغ فيه: -أنا مافيش بيني وبينها حاجة عشان تتصرفي كده، وبطلي أوهام في خيالك التعبان ده. عاد الحنق ليندفع فيها وصاحت تهاجمه باستنكارٍ: -دلوقتي خيالي بقى تعبان ومش عاجبك؟ طبعًا لازم تدور على العيوب اللي فيا عشان تدافع عنها، وتطلعها ملاك، لكن أنا مراتك حبيبتك فيا العِبر كلها! ضجر "تميم" من قلبها المستمر للحقائق، وهتف ينذرها وقد ضاق ذرعًا بتيبس عقلها: -"خلود" بلاش تسوئي فيها أحسنلك.. أنا لحد دلوقتي بأتكلم بالعقل! بلاش تخرجيني عن شعوري. ارتفعت نبرتها أكثر لتبدو أكثر حدة وهي تسأله: -قول هتعمل إيه أكتر من كده؟!! طالعها بنظرات غائمة غير مفهومة، أحبط قليلاً مجيء "بثينة" شجاره المحتدم معها، حيث التفت ناحيتها وهي تتساءل في قلقٍ: -في إيه يا "خلود"؟ صوتكم واصل لبرا ليه؟! جلست ابنتها على طرف الفراش واضعة قبضتها المتكورة على خدها، لتبدو وكأنها مغلوبة على أمرها، زفيرٌ ثقيلٌ خرج من بين شفتيها وهي ترد باقتضابٍ مكفهر: -مافيش يامه. وقفت "بثينة" قبالة زوج ابنتها ترمقه بنظرات عدوانية، وسألتها مباشرة دون أن يطرف لها جفن: -هو "تميم" زعلك تاني؟ نفخ الأخير بصوتٍ مسموع كتعبير عن استيائه من تدخلها غير المستساغ في حياته الزوجية، ثم تحرك في اتجاه النافذة ليستنشق بعض الهواء المتجدد حتى لا ينفجر بكبته، تابعته "خلود" بنظراتها المراقبة، تنفست بعمقٍ لتعود إلى طبيعتها المسالمة المستكينة، وأجابت ببسمة رقيقة منمقة: -لأ .. ده بالعكس بيحبني جدًا ويتمنالي الرضا. أدار "تميم" رأسه نصف استدارة ناحيتها ليرمقها بنظرة استنكارٍ، ثم حملق في مشهد الطريق الذي تطل عليه النافذة، بينما تساءلت والدتها في عدم اقتناعٍ وعيناها تتفرسان وجهه: -أومال مش باين كده؟ ظلت ابتسامتها كما هي عندما استرسلت تخبرها: -أصل أنا كنت عاوزة أمشي من المستشفى وهو مصمم أفضل هنا، إنتي عارفاني مش برتاح إلا في بيتي ومع جوزي حبيبي. هز "تميم" رأسه في استهجان وهو يصغي إلى أكاذيبها، لو لم يكن طرفًا في ذلك المشهد الهزلي لصدق بسهولة كذبها، رفت ابتسامة مستهزأة على زاوية شفتيه، بدا مدهوشًا بقدرتها على الالتفاف حول الأمور، ومزعوجًا من مهارتها الخفية في تزييف الحقائق، حقًا كانت تُجيد فعل ذلك وبوسائل إقناع فعالة فتنطلي خدعها ببساطة على المستمع إليها، وبالطبع ستكسب عطف وشفقة الآخرين..، في نظره تحول ذلك الحب المستفيض الذي تعبر لأمها عنه إلى مسخ منفر، وحاول أن يرغم نفسه على عدم الإنصات لها حتى لا يتصرف بجهالةٍ، أراد أن يحكم عقله أولاً، نظرة عابرة ألقاها للممرضة "عائشة" التي هرعت تُنادي في تعجلٍ من على أعتاب الغرفة وهي تجوب بعينيها باحثة عن أحدهم تحديدًا: -يا خالتي.. فاضية شوية، عاوزاكي في كلمة على السريع. استدارت "بثينة" نحوها، وسألتها بنبرة مهتمة: -خير يا "عيشة"؟ في حاجة؟ سحبتها إلى خارج الغرفة لتتمكن من الانفراد بها، ثم سردت عليها ما سمعته بحذافيره سواء داخل غرفة الأطباء أو خارجها حين تبادل ابنها الحديث مع ذلك الطبيب، لطمت "بثينة" على صدرها وقد وَجف قلبها، وحملقت فيها بعينين متسعتين وهي تردد في جزعٍ: -داهية لا تكون هي! علقت عليها "عائشة": -أنا قولتلك اللي أنا سمعته، بس الله أعلم إن كانت هي ولا لأ، وحاولت أطأس وأعرف وطلع مافيش حد عمليات النهاردة للزايدة غيرها، شوفوا هتعملوا إيه. كانت ابتسامتها مبتورة وهي تشكرها: -كتر خيرك، معروفك ده معايا مش هنسهولك أبدًا. برزت أسنانها الفاقدة للبياض الناصع من خلف ابتسامتها الخبيثة قبل أن ترد مجاملة: -أنا في الخدمة يا خالتي. تسمرت "بثينة" لدقائق في مكانها ونظراتها شاردة، كانت تعيد تكرار ما سمعته في عقلها وكأنها تمحصه وتختبر صحته، نفضت ما يزدحم به عقلها من أفكارٍ متداخلة حين وصلت إلى تفسير يُرضيها، وقالت لنفسها في ازدراءٍ واضح: -يعني أختها بومة ومطلعة عينيا، وهي أرض بور مهما تزرع فيها مش هتطرح.. لأ وبيتنططوا علينا كمان! .. توحشت نظراتها، وأضافت بنبرة عازمة: -أنا ليا لي كلام مع "هيثم"، الجوازة دي مش هاتكمل! -أنا مش هاقبل بالفلوس دي يا حاج، ممكن ترجعهم لابنك. قالتها "فيروزة" بإصرارٍ وقد امتدت يدها برزمة نقود مطوية نحو "بدير" الذي وقف معها خارج غرفة أختها المسجاة على الفراش ليتبادلا الحديث الجاد، نظر لها مطولاً في حيرة، فأخبرته موضحة بحرجٍ: -هو راح الحسابات يدفعهم مع قريبكم التاني. ابتسم في لطافةٍ، ورد ببساطة حاسمًا الأمر من جانبه: -طالما هو اللي دفعهم فأنا مش هاينفع أخدهم منك، ابني مسئول عن تصرفاته! تجهمت تعبيراتها عندما عقبت عليه: -وهو مش راضي! أضاف بهدوءٍ ليشير لمروءته: -بصراحة وماتزعليش يا بنتي، هو معاه حق، في الأصول "تميم" محدش يقدر يراجعه! هتفت معترضة ودون أن يعلو صوتها: -وهو يصح واحد غريب عننا ي ... قاطعها بتروٍ محاولاً إقناعها بالتراجع عما تفكر فيه وهو يبعد يدها الممسكة بالنقود للخلف لتضعها في حقيبتها: -ماتأزميش نفسك، الموضوع مش مستاهل، دي حاجة بسيطة بنعملها مع أي حد نعرفه. أصرت على موقفها موضحة له: -دي مسألة مبدأ عندي يا حاج "بدير"، احنا متكفلين بنفسنا. كان من البادي عليها عنادها غير المستسلم، لذا هتف منهيًا حوارهما: -عامة يا بنتي ده لا مكانه ولا وقته، نطمن على أختك الأول. ضغطت على شفتيها في حرجٍ من دعمه الأبوي الكبير الذي تفتقده في حياتها، وابتسمت تشكره في امتنانٍ: -أنا أسفة إن كنت تعبتك معانا وشغلناك طول اليوم رد برزانة تليق بشخصه: -ده واجبي. تلفتت "فيروزة" حولها متسائلة في حيرة: -أنا بأدور على خالي مش شيفاه. أجابها "بدير" وهو يجول بنظراته على الردهة: -كان هنا من شوية، تقريبًا خد مراته وأمك ومشيوا. أخرجت هاتفها المحمول واتصلت بوالدتها لتستعلم منها عن مكانها فأخبرتها في تعبٍ: -معلش يا بنتي، أنا مشيت مع خالك من غير ما أقولك، بس عشان قالي أجهز هدوم لأختك تغير فيهم، وأنا شوية وراجعة. وضعت "فيروزة" يدها أمام فمها لتخفي شفتيها وهي تقول لها: -ماشي يا ماما، المهم إنك كويسة ردت بنبرة مرهقة: -الحمدلله، خليكي جمبك أختك ماتسيبهاش. تنحنحت مؤكدة لها: -اطمني.. أنا معاها. أنهت المكالمة واستدارت برأسها لتحدق في وجه الحاج "بدير"، ثم عللت بسذاجة حتى لا تُظهر حنقها من فرار خالها الاعتيادي بأي حجة تناسبه: -ماما تعبت من مجهود اليوم، وكمان عايزة تجيب هدوم ل "همسة"، فخالي خدها يوصلها. هز رأسه في تفهم وهو يرد: -الله يكون في العون. لم تنكر "فيروزة" أنها شعرت بضيق مقيت يجتاحها بسبب اختفاء خالها المفاجئ -والمعتاد في نفس الوقت- حين يكون الأمر مرتبطًا بالمسائل المادية، لم تكن مرته الأولى التي يختفي فيها من الوَسط المحيط حتى لا يتورط في دفع أي أموالٍ. عاودت وضع النقود في حقيبتها بعد أن يئست من مساعدة الحاج "بدير" في مسألة إعادتها إلى ابنه، ثم ادعت الابتسام لتقول له: -بأشكرك من تاني على وقفتك معانا، تقدر تمشي يا حاج "بدير"، احنا مش محتاجين حاجة دلوقتي، "همسة" بقت كويسة وأنا موجودة معاها. رد بحرجٍ طفيف مستخدمًا عكازه في الإشارة: -طيب يا بنتي، وأنا بردك مش هاسيبك، هتابع معاكي كل شوية. ابتسم تودعه في امتنانٍ: -تسلم يا رب. استندت "فيروزة" على الحائط بظهرها وشعورها بالإحباطِ يتغلغل فيها، فقد أظهرت لها المواقف التي تمر بها معادن الرجال المتباينة، وبالطبع خالها يحتل المرتبة الأخيرة في قائمة الأكثر رجولة إن لم يكن خارج التصنيف. بوخزٍ وتأويهات خافتة تململت "همسة" في الفراش وقد انسحب كامل تأثير المخدر من جسدها لتعاود فتح عينيها في تعبٍ، تطلعت أمامها فلم تجد أحدهم بغرفتها المتسعة، أنة موجوعة انطلقت من بين شفتيها وهي تحاول التحرك، رفعت يدها لتضعها على جبينها، اعتصرت ذهنها محاولة استعادة المشهد الأخير، كان آخر ما تتذكره هي تلك الآلام المبرحة التي فتكت بجانبها وهي تستلقي على الطاولة المعدنية بغرفة العمليات، أدارت رأسها لجانبها الأيمن وقد سمعت الصوت الناعم يناديها: -"هموسة" حمدلله على السلامة، كده تخضينا عليكي؟ أبصرت توأمتها وهي تسحب المقعد لتجلس إلى جوارها بعد أن قبلت أعلى رأسها، واصلت الأخيرة القول بحماسٍ: -الدكتور طمنا، كلها يومين وتخرجي وترجعي زي الأول وأحسن تساءلت "همسة" بصوتٍ واهن: -ماما عاملة إيه؟ جاوبتها بما يشبه المبالغة وهي تحاول كتم ضحكتها: -قلبتها مناحة، وعملت أفلام وحوارات، وهاتك يا عياط، ومسكت في الدكتور. نظرت لها في غرابة، فلاحقتها مصححة قبل أن تصدق ثرثرتها الزائفة: -متقلقيش ماما كويسة، هي بس رجعت البيت عشان تجيبلك هدوم، وأنا يا ستي هاتكفل وأبات معاكي النهاردة. -فوقتي عشان أعرف أتكلم معاكي، ولا لسه مسهوكة على نفسك؟!!! استدارت "فيروزة" برأسها للخلف ناحية باب الغرفة حين سمعت تلك العبارة الغاضبة تنطق بها "بثينة"، غامت نظراتها نحوها واحتدت بشكلٍ قاسٍ، ثم هبت واقفة لتهاجمها بصوتٍ يعكس ضيقها الشديد: -في حد يدخل على واحدة مريضة بالشكل ده؟ ولا حتى يقول كده؟! تحركت نحوها بحنقها الذي استعر وهي تتابع بنرفزةٍ: -في حاجة اسمها استئذان وذوق، هي مش مفتوحة على البحري!! دفعتها "بثينة" من كتفها في غضبٍ بائن لتزيحها عن طريقها مواصلة تقدمها نحو "همسة"، وقفت مجاورة لفراشها، وركزت أنظارها الغامضة عليها قبل أن تستأنف بوقاحةٍ منقطعة النظير: -مش إنتي طلعتي مابتخلفيش؟ تدلى فك "همسة" السفلي في صدمة مرتاعة من جملتها التي فاقت أي تصور منطقي يمكن أن يطرأ على بال أحد، أحست بانقباضة مخيفة تعتصر قلبها من شدة صدمتها، بينما انقضت "فيروزة" عليها وأبعدتها من كتفها عن توأمتها لتهاجمها كلاميًا بشراسةٍ وقد فارت دمائها: -إيه كلام الجنان ده؟ إنتي بتقولي إزاي كده عن أختي؟ استحقرت نظراتها نحوها، وقالت بجمودٍ وتلك التعابير الساخطة تغطيها: -ده مش كلامي، الدكاترة اللي عملوا العملية بيقولوا إن المحروسة ما بتخلفش، وأنا جيت أعرفها. صرخت بها "فيروزة" رافضة مجاراتها في افتراءاتها: -أنا مش هاسمحلك تنطقي بحرف زيادة عن أختي يمسها.. ثم دفعتها بعنفٍ من جانبها نحو باب الغرفة لتطردها منها وهي تهدر في انفعالٍ جم: -يالا من هنا. نجحت في إخراجها وصفقت الباب خلفها بقوةٍ هزت أركان الغرفة، التفتت ناظرة إلى "همسة" فوجدتها قد انخرطت في بكاءٍ حارق، هرولت نحوها، ثم أحنت جسدها عليها لتضمها بين ذراعيها وفي حضنها محاولة تهدئتها: -ماتعيطيش يا حبيبتي، دي ست كدابة، مافيش حاجة من دي حقيقية.. ظلام حالك حاوط ببؤبؤيها المتشنجين، كما تبدلت نبرتها المتعاطفة لأخرى قاسية مخيفة حين أكملت بلهجة متوعدة بإحراق الأرض ومن عليها: وأنا مش هاسكت عن اللي حصل ده، هاجيبلك حق من اللي اتبلى عليكي بكده يا "همسة"... !!! *(³⁸)* سرت حمى الغضب أم الجنون أم كلاهما معًا في كامل جسدها، اندفعت نحو الاستقبال تنتوي الثأر فورًا لمن تسبب في إيذاء توأمتها بذلك الشكل السافر بعد أن تركتها بصحبة الممرضة .. وإن كان ما بها حقيقيًا، فلا يجب تحت أي وضع أن تعلم هكذا، ومن تلك المرأة الوقحة منعدمة الذوق تحديدًا، تلفتت "فيروزة" حولها تبحث عمن تفرغ فيه غضبها الثائر، لمحت الحاجز الرخامي -لا يتعدى طوله المتر ونصف- والذي تقف خلفه بضعة ممرضات يتبادلن معًا الأحاديث الجانبية، اتجهت صوبهن، وبراحتي يديها طرقت بعنفٍ عليه صارخة فيهن: -واحدة فيكم تقولي مكان الدكتور المسئول عن حالة أختي. نظرن إليها الممرضات في تأفف قبل أن تبادر إحداهن بالرد: -في إيه يا أستاذة، ماينفعش الزعيق ده هنا صرخت بها بهياجٍ مبرر مستخدمة يدها في التلويح: -محدش يقولي أسكت بعد اللي حصل من استهتار وقلة أدب. علقت عليها أخرى مستنكرة أسلوبها الهمجي في التعامل: -حضرتك في مرضى وآ... قاطعتها وهي تضرب بيدها على الحاجز الرخامي في عصبيةٍ: -وأنا عاوزة الدكتور اللي عملها العملية، قوليلي فين مكانه؟!! نظرت الممرضة بحيرة إلى زميلاتها، وأدركت أنها لن ترحل إن لم تطلعها على مكانه، فقالت على مضضٍ ريثما تستعين أخرى برجال الأمن ليتعاملوا معها: -هو بيكشف على حالة هنا في غرفة 504 ، ثواني وهانبلغه. نظرت لها بعينين ناريتين قبل أن ترد: -ماتتعبيش نفسك، أنا ريحاله! تركتهن في مكانهن وبحثت بعينيها عن رقم الغرفة المنشودة، واحترامًا منها لخصوصية المريض كتمت غضبها مؤقتًا وانتظرت بجوار باب الحجرة المتواجد بداخلها حتى خرج الطبيب منها غير متوقع لتلك الشابة الثائرة التي تنتظره على جمراتٍ متقدة، تطلع إليها يسألها بهدوئه المعتاد: -في حاجة يا أستاذة؟ اندفعت تمسك به من ياقتي معطفه الطبي وهي تتهمه بصوتها الصارخ: -إنت إزاي تطلع على أختي الكلام ده؟ تفاجأ من اعتدائه الشرس عليه، وحاول إزاحة يديها عنه مستفهمًا: -كلام إيه؟ أنا مش فاهم حاجة!! ردت مهددة إياه بصياح مجلجل جذب الأنظار إليهما: -ده أنا هوديك في داهية إنت وكل اللي معاك، هارتكب جناية هنا قال في اندهاشٍ وهو يحاول إبعادها عنه: -ما يصحش اللي بتعمليه ده، احنا هنا في مستشفى محترم. هدرت فيه بانفعالها الشديد: -بس يصح تطلعوا أسرار المرضى؟ هي دي الأمانة اللي بين إيديكم؟!!! هتف الطبيب مستغيثًا بمن حوله: -يا جماعة حد يشوف في إيه، مش هاينفع كده؟ تشبثت أكثر بياقتيه، وردت بنظرات تتوهج حنقًا: -وأنا مش هاسيبك النهاردة، حق أختي هيرجع غصب عن عين أي حد. في تلك الأثناء، تلكأت "خلود" وتعمدت أن تتباطئ في استعدادها للرحيل ريثما تنتهي والدتها من أمر أصرت على إنجازه قبل عودتها للمنزل، لم تعلم ما الذي يدور في جعبتها، لكنها كانت واثقة أنها ستفعل ما في صالح ابنها، أرادت "بثينة" أن تسكب الزيت على النيران، أن تلهب الوسط، أن تحرق الأعصاب وتدمرها بما لم تتحرَ صحته، أتمت فعلتها السوداء وعادت إلى ابنتها وتلك البسمة الشيطانية تداعب شفتيها، دنت منها الأخيرة وسألتها في فضول: -إنتي كنتي فين يامه؟ أجابتها "بثينة" بصوتها الهامس: -بعدين هاقولك.. ثم ركزت أنظارها على "تميم" الذي كان ملتهيًا بالحديث في هاتفه المحمول، وتابعت بنبرة خفيضة: -بدل ما جوزك ياخد باله. التقت نظراتها اللئيمة مع نظراته الثاقبة، لاحظ ربكتها وحركتها المتوترة، أنهى مكالمته دون أن يبعد عينيه متسائلاً: -في حاجة؟ ردت عليه خالته نافية: -لا مافيش. وجه نظراته نحو زوجته يسألها بصيغة الجمع، حتى لا يُظهر انزعاجه من والدتها الفضولية: -خلصتوا عشان نمشي؟ أجابت "خلود" برقةٍ: -أه يا حبيبي. ثم سارت في اتجاهه لتتأبط ذراعه وهي تبتسم له، وبالرغم من عبوسه إلا أنه لم يبعد يدها المتعلقة به، تحرك الثلاثة خارج الغرفة في اتجاه الممر نحو المصعد، لكن تلك الجلبة الصارخة بجوار الاستقبال لفتت أنظارهم، كان "تميم" أول من تعرف إلى صوت "فيروزة" الغاضب وفطن لكونها تتشاجر مع أحدهم، ولكن من يا تُرى؟ اشرأب بعنقه محاولاً رؤية المشهد بوضوح وسط التجمع الذي يحجبه عنه...، استطاع أن يبصرها وهي تقاوم بضعة ممرضات يحاولن منعها من الفتك بالطبيب الذي يصرخ هو الآخر مهددًا بتحرير شكوى ضدها، أثار الأمر استغرابه ناهيك عن ضيقه من تعامل الأخريات معها، حثته رغبة عارمة للتدخل حتى يعرف ما الذي تجابهه الآن، وبتلقائية بحتة أزاح قبضة "خلود" التي جزعت من ابتعاده المفاجئ عنها، لحقت به بخطوات مهرولة، ثم أمسكت بذراعه لتوقفه عنوة وهي تسأله في قلقٍ: -إنت سايبني ورايح فين؟ بخشونة طفيفة تحرر من قبضتها، وقال دون أن ينظر إليها: -هاشوف في إيه.. خليكي مكانك. لحقت بها "بثينة" وأجبرتها على البقاء قائلة لها: -استني يا "خلود"، خلينا نفهم في إيه ردت بحرقة، ونيران الغيرة تنبعث من عينيها وكامل حواسها: -يامه ده رايحلها، إنتي مش شايفة ولا إيه؟ قفز قلب "بثينة" رعبًا في قدميها، خشيت من افتضاح أمرها إن كان الشجار القائم بسبب ما قالته، لم يخطر على بالها أن تكون "فيروزة" بتلك الرعونة والجراءة، ظنت أنها كسرت شوكتها، أحرقت كبدها، لكن طالتها نيران حقدها سريعًا، انكمشت في جلدها، ورددت لنفسها: -استر يا رب. وبلا ترددٍ أو تفكير حائر عقد "تميم" النية على مساعدتها، الأحرى أن يقال أنه كان كمن ألقيت عليه تعويذة قوية المفعول فانساق كالمغيب يدفع عن طريقه من يعوقه ليصل إليها، وبصوته الأجش تساءل عاليًا: -إيه اللي بيحصل هنا يا أبلة؟ نظرت له أولاً بعينيها المشتعلتين غضبًا، ثم تركزت عيناها على الطبيب وأجابت بكلامٍ لم يفهمه: -هوديه في داهية طالما مش مراعي حق ربنا في أختي. ودون أن يلم بأبعاد الموقف، انقض على الطبيب ممسكًا به من تلابيبه، سأله بصوتٍ عكس زمجرة متشنجة وهو يهزه في عنفٍ: -إنت عملت فيها إيه؟ حاول الأخير المناص منه راجيًا: -يا أستاذ افهم، بلاش شغل الفتوة دي هنا، الموضوع فيه سوء تفاهم. ثم صاح عاليًا طالبًا النجدة: -فين الأمن اللي هنا؟ رد "تميم" غير مبالٍ وبجسارة عجيبة دون أن يفلته من قبضتيه المحكمتين حوله: -حتى لو جبتلي الداخلية كلها، حق الأبلة وأختها هيرجع! لم تنكر "فيروزة" أنها تفاجأت بردة فعله المستبعدة عن ذهنها، وتطلعت إليه في اندهاشٍ مصدوم للحظة، بينما عمد الطبيب إلى تهدئة ثورته، فاستجداه بدبلوماسية واضحة عله يلين: -لو ليكم حق هنرجعه، بس نفهم الأول في إيه، بالشكل ده مافيش حاجة هتتحل! كان منطقيًا في تعامله مما اضطر "تميم" أن ينزع قبضتيه عنه ليفهم الحقيقة كاملة، استجمع نفسه، وقال: -ماشي يا ضاكتور.. فهمنا بقى! رد ساخرًا: -مش أما أعرف أنا الأول! هدرت فيه "فيروزة" من الخلف وهي تقاتل للتحرر من الممرضات المتكالبات عليها: -أختي جاية تعمل الزايدة عنكم تطلعوها عقيمة؟! هتف الطبيب في استنكارٍ عظيم: -إيه التخاريف دي؟! أدار "تميم" رأسه في اتجاهها وقد ارتسمت علامات الدهشة على قسماته، بينما تابعت "فيروزة" بنفس النبرة المتشنجة وقد اِربد وجهها بمزيد من الغضب: -أنا مش جيباه من عندي، الكلام وصل لقريبة الأستاذ، وجاية تعاير أختي بقلب ميت وهي لسه يدوب بتفوق. رد الطبيب نافيًا: -محصلش مني حاجة زي كده أبدًا قالت في تهكمٍ ونظراتها الاحتقارية تعلو حدقتيها: -والمفروض أنا أصدقك؟!! شرد "تميم" للحظة مسترجعًا في ذاكرته لحظة اختفاء خالته من الغرفة لبعض الوقت قبل أن تعود وتلك التعابير الشامتة تغطيها، بدأ ذهنه يتفقه للأمر بعد أن أزيلت تلك الغمامة التي تحجب عنه تحليل الأحداث بصورة أكثر وضوحًا، أيعقل أن تكون أخلاقها قد انحدرت لتلك الدرجة لتقوم بذلك الأمر المشين؟ عكست تعابيره الحالية تحفزًا مبررًا، التفت برأسه باحثًا عن "بثينة" بالخلف، رمقها بنظرة نافذة ذات مغزى، وشعرت هي بغضبه المتواري، ابتلعت ريقها وجذبت ابنتها من ذراعها لتقول لها متحججة: -خلينا نمشي أنا مش قادرة أقف على حيلي. ردت "خلود" بعنادٍ وعيناها لا تفارقان وجه "فيروزة": -لأ يامه، مش هتحرك من غير جوزي. كزت على أسنانها تقول في غيظٍ حانق: -جوزك هيوديني في داهية لو فضلت واقفة! تعقدت تعبيراتها، وضاقت نظراتها نحوها قبل أن تسألها: -قصدك إيه؟!!!! لمحت "عائشة" الجدال الدائر في الردهة المتسعة، جحظت بعينيها حين رأت أخت المريضة تتشاجر مع الطبيب، وبالطبع التقطت أذناها بعض الكلمات المبهمة للغير لكنها مفهومة بالنسبة لها، مررت نظراتها المتوجسة بين الأوجه المتزاحمة إلى أن رأت "بثينة" في الخلف، اتجهت إليها وسألتها: -خالتي إنتي عملتي إيه؟ ردت بتلعثمٍ وهي تجاهد لتمالك نفسها: -ولا حاجة يا "عيشة"! أحنت رأسها عليها لتهمس في أذنها بارتعابٍ: -ده لوحد شم خبر إننا اللي ورا الحكاية دي هتجازى فيها!! حاولت طمأنتها فقالت بثقةٍ مشكوك فيها: -مافيش حاجة، دلوقتي الخناقة تتفض ألقت نظرة متأنية على الجدال المحتدم، وعلقت بقلقٍ أكبر: -ماظنش يا خالتي. لعقت "بثينة" شفتيها، وتعهدت لها: -لو الموضوع كبر وحصلك حاجة، فأنا هاعوضك، وهراضيكي. ردت بتبرمٍ: -ربنا يعديها بس على خير، وبعد كده نتكلم. وبنظرات محتقنة وغيظٍ مكبوت حملقت "خلود" في "فيروزة" التي نجحت في الإفلات من الممرضات وهجمت بشراسة على الطبيب تود الاعتداء عليه، منعها "تميم" من الوصول إليه بظهره الذي كان كالحاجز المتحرك يجاريها في حركتها المتعصبة، استفزها بتصرفه فصاحت فيه بنرفزةٍ: -اوعى من سكتي، أنا مش هاسيبه النهاردة، هاصور قتيل في المستشفى دي! استدار ناحيتها يشير لها بيديه مكررًا نفس حديث الطبيب: -هنعمل اللي إنتي عاوزاه، بس نسمعه الأول. توعدته مستخدمة سبابتها في الإشارة: -كل واحد اتجرأ على أختي وعاب فيها هيتحاسب. هز رأسه في تفهمٍ قبل أن يرد: -حقك.. وأنا بنفسي هتأكد من ده. توقعت ألا يقف في صفها، لكنها صدمها للمرة الثانية بدعمه المطلق وغير المشروط مما هدأ من انفعالاتها الغاضبة، كتفت ساعديها أمام صدرها وأضافت بتزمت: -أنا عاوزة يتعمل تحقيق رسمي. -ده اللي هايحصل. ردد مدير المشفى تلك العبارة بنبرة واثقة فور أن وطأ الردهة ليستدير الجميع نحوه، جاب بنظراته العميقة على الوجوه الغاضبة، وتابع بصوته الثابت: -طبعًا ده لو ليكي حق. صاحت فيه "فيروزة" بحدة، ونظراتها الناقمة تسلطت عليه: -أنا هنا عشان أختي، مش جاية أعمل قلق على الفاضي. أكد عليها مدير المشفى بما لا يدع مجالاً للشك: -تمام.. وهحاسب اللي غلط. أوشكت "عائشة" أن تتوارى عن الأنظار بعد أن أنهت حديثها السري مع "بثينة" لولا أن لمحها الطبيب المتورط في تلك المشاجرة الغريبة، فصاح يناديها بعد أن ضاق خلقه من كم الإهانات التي تلقاها دون داعٍ: -يا "عيشة"، تعالي هنا لو سمحتي. ازدردت ريقها، وسارت في تباطؤ نحوه، أخفضت نظراتها وتساءلت بربكة عظيمة: -أيوه يا دكتور. التفت يُخبر مدير المشفى: -أنا عاوز أستدعيها للتحقيق معانا، لأني شاكك في حاجة معينة انخلع قلبها من جملته الأخيرة، الآن تأكدت من إقحامها في ذلك التحقيق الرسمي، استدارت برأسها للجانب لتحدق في توتر نحو "بثينة" التي أرسلت لها إشارة ضمنية برأسها حتى لا تجفل قبل أن تفر هاربة من المشفى. ارتخت أصابعه عن الكيس البلاستيكي المليء بالعصائر ليسقط من يده على الأرضية حين رأها تتلوى من البكاء والألم، اقتحم الغرفة ونظراته المرتاعة مرتكزة على شخصها فقط، تجمد "هيثم" في مكانه مدهوشًا وحائرًا، لا يعرف كيف يُطيب من خاطرها، أو حتى يهون من أوجاعها، نظرة جانبية حانت منه للممرضة التي كانت ترعاها قبل أن يسألها بصوته الخائف: -حصلها إيه؟ جاء في ذهنه أنها تعاني من آثار انسحاب المسكن من جسدها، ولم يتصور الأسوأ، بينما ردت عليه الممرضة متصنعة الابتسام حتى لا توتره: -متقلقش، هي هتبقى كويسة.. انخفضت نظراته على "همسة" ليتفحصها وهي في حالة الانهيار المريبة، وسألها مباشرة: -إنتي حاسة بإيه يا "همسة"، أروح أشوفلك أي ضاكتور هنا لا آ.... قاطعته بمرارة وقهر، وبأنفاسٍ متقطعة: -اشمعنى أنا؟! ليه ما سبتونيش على عمايا؟ ليه تعمل فيا كده؟ أفزعته جملها المتلاحقة، وهدر متسائلاً بعصبيةٍ لا يعرف من أين انفجرت فيه وانتشرت في كامل كيانه: -إنتو عملتوا فيها إيه؟! نظرت له الممرضة بوجهٍ مال للعبوس، وطلبت منه في جدية: -لو سمحت ماينفعش الانفعال اللي إنت فيه ده! ده مش كويس على حالة المريضة، وأكيد هي مستحملة حد يوترها صرخ بها: -ما أنا مش هابقى واقف زي الأطرش في الزفة. تركت الممرضة مريضتها لتتجه إليه، وقامت بدفع "هيثم" من ذراعه في رفقٍ وهي ترجوه: -من فضل حضرتك تتفضل برا، خليني أعرف أتعامل مع المريضة أجبرته على الخروج من الغرفة، وقبل أن يصل أعتابها أتاه صوت "همسة" التعيس، وكأنه يلومه: -مش مسمحاها على أذيتها ليا، قولها ده، أنا مش مسمحاها! استدار نحوها في غرابةٍ، ووجهه يعلوه تلك النظرة المستريبة، ابتلع ريقه وشعر أن الأمر له علاقة به بشكلٍ مباشر، اضطر أن يستخدم القليل من العنف ليبعد الممرضة عن طريقه، فلكزها في ذراعها وطرحها نحو الحائط، ثم عاد إلى "همسة" وسألها دون مراوغة: -قصدك مين بكلامك ده؟ حاولت جمع قوة غير موجودة فيها، ونظرت في عينيه مباشرة بعينين تفيضان الدمع، وأجابته بنحيب: -اسأل مامتك! لا تعرف كيف انصاعت لرغبتها وانسحبت من الردهة صاغرة لتقف خارج المشفى وهي تحترق بنيران غيظها وغيرتها الواضحة، استطاعت أن تسمع صوت زفير والدتها المتكرر ليعبر عن سأمها من الانتظار كالمشردين على جنبات الطريق، لكنها تجاهلتها لتنظر كل ثانية نحو بوابة الدخول، هتفت "بثينة" توبخها بضجرٍ: -ما كفاية وقفة في الطل، خلينا نتنيل نرجع بيتنا، أنا تعبت وزهقت حدجتها بنظرة قاسية قبل أن ترد وهي تتنفس بأنفاس الضيق: -وأنا المفروض أكون فوق مع جوزي مش قاعدة تحت هنا! تصنعت والدتها البراءة، وعاتبتها بلومٍ: -يعني عاوزة رجلي تيجي في الخاية؟ ترضي لأمك البهدلة من اللي يسوى وما يسواش! ده كويس إني نفدت منها. علقت تسألها في حنقٍ: -ومين قالك تتصرفي كده يامه؟ أهوو جه على دماغنا في الآخر، و"تميم" بقى لوحده معاها! زمت "بثينة" شفتيها وغمغمت في تهكمٍ، وتلك النظرة الساخطة تكسو تعبيراتها: -تقولش قافلين عليهم باب الشقة، ياختي ده البت زي ضربة الدم قلبتها حريقة وجابت عاليها واطيها!!! ضغطت "خلود" على أصابع يدها حتى ابيضت مفاصلها، ثم أضافت ونظراتها معلقة بالأعلى: -يا عالم دلوقتي بيعملوا إيه سوا! غلت الدماء في رأسها وكادت أن تذيبها، التفتت ناظرة إلى والدتها وهتفت وهي تندفع كالثور الهائج نحو درجات المشفى: -أنا مش هاستنى أكتر من كده، إياكش الدنيا تولع، أنا مش هاسيبوهلها! صاحت فيها "بثينة": -يا بت استني، ماتبقيش غبية! لم تصغِ لها وواصلت اندفاعها الأهوج للداخل وغيرتها تعميها بالكامل عن التصرف بتعقلٍ وروية، لم يظهر الندم على تعابير أمها التي قالت بتبرمٍ، وكأنها تتحدث مع نفسها: -يعني عاوزاني أعرف إن البت مافيش منها رجا وأسكت؟ كان لازم أعمل كده عشان تلم الدور وتعرف إن مافيش حد هيبصلها، أنا مش عايزة واحدة زي دي لابني، ليه أتحرم من أحفاد يملوا عليا البيت؟! جابت الممر الطويل جيئة وذهابًا بخطواتٍ متشنجة، منفعلة، متعصبة، أي شيء سوى أن تكون هادئة، دمدمت بتوعدات غير واضحة، وكزت على أسنانها لاعنة بكلمات لم يسمعها جيدًا، لكنها كانت فرصة جيدة له لتأملها عن قرب دون مقاطعة أو تردد، وضع "تميم" يده على شفتيه ليخفي تلك الابتسامة المستمتعة بمراقبتها، وبيده الأخرى فرك رأسه في توترٍ، بذل أقصى ما يستطيع محاولاً السيطرة على عينيه الناعستين اللاتين تواصلان تأملها وكأنها تسجل ما يخصها في ذاكرته، انتصاب في وقفته حين وجهت له الحديث لتنذره: -لو اتأكدت إن الدكتور ده مطلع الكلام القذر إياه عن أختي هاخنقه بإيدي، وكمان الست قريبتك، مش هاسيبها، ومحدش هيحوشني، ماشي؟ رفع كفيه في الهواء كتعبير عن إذعانه لها، فتابعت "فيروزة" مفرغة فيه عصبيتها: -إزاي جالها قلب أصلاً تعمل كده؟ افرض حصل ده مع بنتها! وكأنها تداركت زلة لسانها بعد لحظة من نطقها، فمن تتحدث عنها هي زوجته، تنفست بعمقٍ، ولفظت الهواء دفعة واحدة، ثم رمقته بنظرة حرجة قبل أن تقول على مضضٍ وبنبرة أقل حدية: -أنا مقصدش، بس مافيش حاجة بعيدة عن ربنا، المفروض نراعي بعض. لم يكترث "تميم" للأمر مطلقًا، لتفصح بأريحية عما يجثم على صدرها ويزعجها، كان للمرة الأولى مستمتعًا للغاية وتسيطر عليه نشوة عارمة لاسترسالها في الحديث معه دون أن تهاجمه شخصيًا، وبشكلٍ لا إرادي وجد نفسه يسبل عينيه ناحيتها ليبدو أكثر تأملاً لتعبيراتها المشوقة وهو يسألها بنزقٍ: -هو إنتي إزاي كده ...؟!