الفصل الخامس عشر: مرآة الظلال
كانت العلاقة بين حسام وإبتهال مثل جسرٍ هشّ فوق نهرٍ هائج،
كل رسالة مجهولة كانت كريح عاصفة تدفعه نحو الانهيار.
المسافة بينهما لم تعد مجرد كيلومترات… بل صارت جدارًا من شكوكٍ وأسئلةٍ بلا جواب.
في إحدى الليالي، تلقى حسام رسالة إلكترونية غامضة:
"كل شيء ستكتشفه قريبًا… والأسرار لن تبقى مخفية."
مع الرسالة، عنوان لمكان غامض، كأنه فخّ منصوب بدقة.
تسارعت أنفاسه، وقطرات عرقٍ باردة انزلقت على جبينه.
كان يعلم أن الماضي لا ينام، وأن هناك من يملك مفاتيح أبوابٍ ظنّها مقفلة منذ زمن.
حين اتصلت به إبتهال، كان صوته مثقلًا بالارتباك:
– "إبتهال… هناك أمر يجب أن أواجهه… قبل أن أبوح لك بكل شيء."
لكن تلك الكلمات لم تطمئنها، بل أشعلت نار الخوف في قلبها.
وسارة، بوجهها الذي يشبه ابتسامة مشروخة، لم تتأخر في صب الزيت على النار:
– "أحيانًا، الحقيقة أقسى مما نتخيل… ربما قلبك يقودك إلى سرّ لا تحتملينه إنه حتما يكلم فتاة أخرى."
⸻
وفي اليوم التالي، رتبت سارة لقاءً “عابرًا” في مقهى صغير.
جلست إبتهال في زاوية مظلمة، تراقب حسام وهو ينحني على هاتفه،
كأنّه يهمس بكلمات دافئة لشخص آخر.
سارة انحنت نحوها، صوتها يقطر سمًّا:
– "انظري… هل ما زلتِ تظنين أن قلبه ملكك وحدك ؟"
القلب المكسور لا يرى الحقيقة، بل يرى فقط ما يخشاه.
إبتهال شعرت كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
دموعها خانتها، فغادرت مسرعة قبل أن يتمكّن حسام من شرح ما يحدث.
صوته لاحقها خارج المقهى:
– "إبتهال! امنحيني فرصة… فقط لحظة لأشرح!"
لكن اللحظة ضاعت وسط ضجيج الشك.
⸻
وفي ظل هذه الفوضى، تحرّك الغريب أخيرًا.
لم يكتفِ بالمراقبة، بل اقترب من والد إبتهال بنفسه.
كلماته انغرست في قلب الأب كسكين:
"ابنتك تسير نحو هاوية… لأن الرجل الذي تثق به، يخفي ماضيًا لا يجرؤ أن يكشفه."
الوالد تجمّد، ارتسمت الحيرة على ملامحه.
هل يحمي ابنته بالصمت؟ أم يكشف لها ما قد يحطمها؟
أما حسام، فكان يعرف أن الزمن يركض نحوه مثل قطار لا يرحم.
الرسائل تكاثرت، والاتصالات الغامضة بدأت تصل إلى أقرب الناس إليه.
الغريب لم يعد شبحًا بعيدًا… بل صار ظلًا يزحف إلى قلب حياته.
الليلة، أي خطوة خاطئة قد تطيح بكل شيء:
الحب، الثقة، وحتى صورته أمام عائلة ابتهال.
وكان القدر يتهيأ لكشف الأوراق واحدة تلو الأخرى…