الفصل الخامس والثلاثين :
ربى قعدت على الكنبة، شكلها هادي جدًا. مافيش أي حاجة لافتة للنظر، غير إنها ماسكة موبايلها وبتمرر في الشاشة من غير ما تركز فعلًا. كانت موجودة، بس مش متدخلة، كأنها ضيف صامت.
مع كده… ناجد ماكانش مرتاح. كل ما يحاول يركز مع ديفير، عينه تروح ناحيتها غصب عنه.
إزاي بعد اللي حصل امبارح… واقفة قصادي دلوقتي وكأن ماحصلش أي حاجة؟
كان متوقع خلاص إن العلاقة بينهم اتقفلت… لكن وجودها هنا قلب كل حساباته.
حاول يطرد الأفكار دي من دماغه ويركّز، رجّع نبرته الجادة وهو بيتكلم مع ديفير عن تفاصيل العقود والاجتماعات.
لكن ديفير، بابتسامته الخفيفة، فجأة التفت لربى وقال بالإنجليزي
"Your husband is really strict, isn’t he?"
زوجك جاد جدا اليس كذلك ؟
ربى رفعت عينيها من على الموبايل، بصّت لناجد، واللي بان على وشه إنه مش مبسوط من السؤال. ابتسمت ربى بخفة وقالت بهدوء بالانجليزي
"هو كده أغلب الوقت."
الكلمة وقعت تقيلة على ناجد، مقاطعة سريعة خرجت منه وهو بيرجع الحوار كله ناحية ديفير
"خلينا نركز في البند اللي فات."
ديفير اتراجع بابتسامة مهذبة، لكن بعد دقيقة رجع يحاول يدخل ربى في الكلام، كأنه عايز يكسر جديّة الجو.
ناجد حس إن صبره بيخلص. في الآخر، قرر ينهى الاجتماع أسرع من المعتاد.
وقف، مد إيده لديفير بابتسامة محكومة
ـ "كله هيبقى كالعادة بخير… تقدر تطمن."
ديفير وقف هو كمان، صافحه بحرارة وقال
"I trust you, as always."
اثق بك كالعادة
بعدين عينيه راحت لربى، اتردد لحظة، واضح إنه كان ناوي يمد إيده للسلام… لكن شاف نظرة ناجد الجامدة، واتذكر اللي حصل من شوية فغيّر رأيه واكتفى بابتسامة سريعة وانحنى برأسه تحية ليها.
ربى ردّت بابتسامة بسيطة، وهي لاحظت الموقف كله.
أما ناجد، فمشي مع ديفير لحد باب المكتب بنفسه، كنوع من الاحترام، لكن الحقيقة إنه كان متلهف يخلص من وجوده.
لما الباب اتقفل ورجع للمكتب، لقى ربى لسه قاعدة مكانها، هادية كأنها في بيتها، وعينيها معلقة فيه.
كان هيفتح بُقه يتكلم، لكن ربى سبقته، صوتها كان هادي وواضح
"مش عندك اجتماع تاني دلوقتي؟"
هو لف لها، حاجبه ارتفع باستغراب
"لأ… اجتماعي التاني لسه قدامه ساعة كاملة."
ابتسامة خفيفة طلعت على وشها، ابتسامة غامضة مش واضحة معناها، وقالت وهي تبص له بثقة
"أنا قصدي اجتماع من نوع تاني."
خطت خطوات ثابتة ناحية الباب. ناجد عينه فضلت تلاحقها من غير ما ينطق.
هي وقفت، دورت في المكان، لحد ما لقت اللي بتدور عليه. السكرتيرة كانت متضايقة ووشها مش عاجبها، واللي واقفة قصادها بنظرات متوسلة… سما.
ربى وقفت في مكانها ونادت عليها
"سما!"
سما اتفاجئت، اتجمدت مكانها، قلبها دق بسرعة ووشها اتوتر أكتر.
ناجد كمان اتجمد، مش فاهم إيه اللي بيحصل.
ربى التفتت له، وقالت بنبرة هادية جدًا بس لاذعة
"واضح إنها محتاجاك جدًا… لدرجة إنها تيجي لحد الشركة."
سما ابتلعت ريقها وبصتلهم بارتباك، مش فاهمة الوضع.
السكرتيرة أخدت نفس راحة لما شافت ربى استلمت الموضوع.
ربى مشيت خطوتين لحد ما وقفت قصاد سما، وقالت لها بابتسامة باردة
"اتفضلي… ادخلي، اتكلمي معاه."
سما عينيها اتسعت
"أنا؟!"
ناجد وقف مذهول، بيبص على مراته بعدم فهم…
"إيه اللي بتعمليه يا ربى؟! إنتي لسه امبارح قلبتي الدنيا عشان شوية رسايل، ودلوقتي بتدخليها لحد عندي؟!"
ربى ما ردتش عليه، بس بنظرة واحدة هادية أجبرته يسكت.
سما وقفت قدامهم مترددة، لكن دخلت.
في المكتب، الجو كان تقيل. سما وقفت قدام ناجد، صوتها متكسر
"لو سمحت يا باشا… أنا عارفة إن مفيش ليا عين أطلب منك حاجة بعد اللي حصل، بس أنا مضطرة. شغلي اتوقف من يوم ما بعدتني، ومش لاقية أي مصدر رزق. حتى لو في شركتك… أنا مستعدة أعمل أي حاجة، أهم حاجة ألاقي لقمة أعيش منها."
ربى بصتلها باندهاش
"وطنط رحمة؟ إيه أخبارها؟"
سما اتنهدت وقالت بمرارة
"ماما ما بقتش قادرة. من يوم وقعت واتكسرت… حتى بعد ما خفت، الألم لسه معاها. بتتألم كل يوم ومش قادرة تقوم بالشغل زي زمان."
ربى وشها اتغير، بان عليها التأثر، لأن طنط رحمة غالية عليها جدًا، رغم إنها مش طايقة سما.
لكن ناجد قال بحزم
"أنا معنديش مناصب شُغل هنا فاضية. وحتى في البيت… أنا مش محتاج حد."
سما تقرّبت خطوتين، عينيها دمعت
"أرجوك يا باشا… ساعدني. أعمل أي حاجة. مش هنسى لك الجميل."
هو هز راسه ببرود
"مش هقدر أوعدك بحاجة."
الكلام نزل عليها زي المية الباردة. وقفت ثواني تبص لربى بحقد، عينيها بتقول "إنت السبب."
وبعدها خرجت من المكتب بخطوات عصبية، الباب اتقفل وراها بقوة.
الهدوء رجع يسود القوضة.
ربى كانت واقفة تبص لناجد بصمت.
هو التفت لها وقال بحدة
"ها… إيه بقى؟ اتأكدتي؟ شايفة؟ مفيش أي حاجة زي ما إنتي فاكرة."
ربى رفعت عينيها له، بنبرة ثابتة جدًا قالت
"أنا من الأول عارفة إنه مفيش."
ناجد اتجمد مكانه، عينيه اتسعت بدهشة
"إيه؟! إنتي بتقولي إيه؟! بعد اللي عملتيه امبارح؟!"
ربى هزت كتفها ببساطة
"مش مهم."
هو وقف مذهول، مش عارف يرد.
ربى تنهدت وقالت بصدق
"أنا عايزة منك تساعدني ...ساعدها"
ناجد قفش حواجبه
"أساعدك إزاي؟ وليه أساعدك أصلاً؟! وبعدين… إيه الجرأة اللي طالعة بيها فجأة دي؟!"
ربى عضت شفايفها وضغطت عليهم بضيق، لكن قالت بصدق
"أنا محتاجاك تساعدها ولو ما عملتش إنت… أنا اللي هعمل."
هو ابتسم ابتسامة جانبية، ابتسامة فيها مشاكسة وسخرية
"هتعملي إيه يا ترى؟ إزاي؟ ومنين؟"
هي ردت بسرعة
"معرفش… لسه ما فكرتش. بس هلاقي حل."
هو أخد نفس عميق، وبعدين قرب وقال
"طب… ولو ساعدتك، هتعملي إيه بالمقابل؟ أنا مش هساعد كده ببلاش."
ربى وقفت ثواني، وبعدين قالت ببراءة وثقة
"هسامحك على كلامك امبارح."
هو انفجر في ضحكة قصيرة، رافع حاجبه باستهزاء
"هتسامحيني؟! على إيه؟ على كلام كان حقيقي؟! وبعدين… مين قالك إني عايز تسامحيني أصلاً؟"
ربى لفّت وشها بعصبية
"خلاص… هاعتمد على نفسي."
كانت هتخرج، لكنه وقف بسرعة، مد إيده وسحبها ناحية صدره.
"هساعدك… من باب الإنسانية. مش أكتر."
ابتسامة صغيرة ظهرت على وشها، لكن اختفت بسرعة لما كمل
"هنشوفلها مكان مع السكرتيرة… أو أي حاجة شبه كده."
ربى وقفت مصدومة، رفعت عينيها له وقالت بحدة
"إنت ناوي تخليها جنبك؟!"
هو استغرب
"جنبي؟ إزاي يعني؟"
هي دفعته بخفة، صوتها مليان غيرة
"لأ… مش هقبل. لاقي لها أي مكان بعيد عنك!"
ابتسامة خافتة ارتسمت على وشه، وهو بيقرب منها بخطوات بطيئة
"إيه ده؟ إنتي… غيرانة؟"
ربى رجعت خطوتين لورا، ضهرها لمس الجدار. قلبها دق بسرعة، عينيها تاهت في نظراته.
"أنا؟! لا… مش غيرانة. إنت مش فارق معايا."
هو كان بيتقدم، وهي كل مرة ترجع لورا، لحد ما اتحشرت بينه وبين الحيط.
إيده اتحركت على دراعها بخفة، كأنه بيختبر رد فعلها.
"مش فارق معاكي؟"
أنفاسها اتلخبطت، ابتلعت ريقها، عينها اتسمرت على وشه.
هو رفع صباعه، حطّه على شفايفها بخفة، وقال بصوت واطي جدًا
"متأكدة؟"
أنفاسها اتسارعت أكتر… عينيها اتكلمت قبل شفايفها، واللي بين الاتنين ولّع نار ماكنتش محتاجة أي كلمة.
فجأة طرق الباب قطع اللحظة اللي بينهم، صوت السكرتيرة جه من ورا الباب
"لو سمحت يا فندم، الاجتماع التاني هيبدأ بعد نص ساعة."
ناجد رد وهو لسه عينه على ربى
"تمام… أنا جاي كمان شوية."
السكرتيرة بعدت، والهدوء رجع للمكتب.
ربى حركت إيدها على هدومها كأنها بترتب نفسها وكانت خلاص هتقوم.
لكن صوت ناجد وقفها
"أنا مش فاهم حاجة… مش فاهم إيه اللي بيحصل… مش فاهمك إنتي… ومش فاهم نفسي كمان."
ربى وقفت لحظة، عينيها بصلت له نظرة سريعة، نظرة غريبة فيها مزيج من الحيرة والهدوء… وبعدها من غير ما تنطق، فتحت الباب وخرجت.
برا الشركة
سما كانت ماشية بخطوات سريعة وغضب باين في ملامحها. وشها مشدود وعنيها مليانة ضيق. كانت بتكلم نفسها
"يعني إيه! ترجعله بعد كل اللي حصل؟ وبسببها مش عايز يساعدني! هي السبب في كل ده… هي!"
وهي بتتحرك مندمجة في كلامها، خبطت فجأة في واحد كان ماشي قدامها.
"ما تشوف قدامك يا أعمى! ما فيش غيري أنا اللي تمشي تخبط فيها؟"
الراجل رد بعصبية
"إنتي اللي مش واخدة بالك! إيه قلة الذوق دي؟"
قبل ما الدنيا تولع أكتر، صوت جه من جنبهم
" هشام باشا ...السيارة جاهزة..."
سما لفت بسرعة، ولما شافت هشام واقف، اتفاجئت للحظة. هو كان لابس هدوم غامقة وكاب نازل على عينه، واضح إنه مش عايز حد يعرفه.
سما زعقت بغضب
"آه… ده إنت… أنا عندي خبر يفرحك… حبيبتك رجعت لجوزها، رمتك كده من غير ما تبص وراها."
هشام قطّب حاجبه
"حبيبتي؟ إنتي بتتكلمي عن مين؟"
سما ضحكت باستهزاء
"ما تعملش نفسك مش فاهم… الست اللي كنت متأكد إنها معاك… ربى… رجعت لجوزها… وشايفة إنك خلاص ولا حاجة."
الكلام وقع على هشام زي الصاعقة. عينيه ضاقت وهو بيبص لها بحدة.
"ربى؟"
ابتدى الشك يسيطر عليه… كل مرة خططه ضد ناجد كانت بتفشل في آخر لحظة، وكل مرة كان يحس إن في حد بيلعب وراه.
وهو بيفكر، جواه نار بتولع
"يبقى هي… هي اللي ضحكت عليا طول الوقت؟ كانت بتدعي إنها شريكتي، وهي في الحقيقة واقفة معاه؟"
سما كملت كلامها وهي متوترة وبتحاول تبعد
"أهو أنا قلتلك… اعمل اللي إنت عايزه بقى."
سيبته وماشيت بسرعة، وهشام واقف مكانه، عينيه سابت الأرض وعلقت في صورة ربى جوه دماغه…
نظرة غضب، شك، وانتقام ابتدت تتجمع في ملامحه.