الظل الأكبر جزئيا
كانت الليلة معلّقة بين الرجاء والخوف، والسماء فوق بوابة أومبرا قد امتلأت بغيوم داكنة تومض بينها بروق خافتة كأنها أنفاس وحش خفي. وقف الفريق متقابلين في دائرة ضوء ضعيف يتسرب من البلورات المزروعة في الأرض، كل واحد منهم يعرف أن هذه المواجهة لن تكون الأخيرة، لكنها ستكون بداية تحديد مصيرهم جميعًا.
نيرا وضعت يدها على صدرها حيث كان البرهامستر يخفق كقلب ثانٍ داخلها، لكنها تعلم أن قوته ما تزال غير مكتملة. ريان إلى جانبها، قبض على سيفه وهو يتأمل البوابة العملاقة التي أخذت تهتزّ كأنها تستعد لولادة كابوس جديد. كايا شدّت قوسها، تلمع عيناها بعزم لا ينكسر، بينما سيرافيس وقف صامتًا، عيناه كجمرة تترقب لحظة الاشتعال.
وفجأة، بدأ الهواء يثقل، والظلال تتجمع في قلب الساحة، لتتجسد منها هيئة هائلة مظلمة، أطرافها كالضباب الأسود، وعيونها دوامات من نار باهتة. كان الظل الأكبر يطل عليهم للمرة الأولى، ليس بكامل قوته، لكنه كافٍ ليمتحن صمودهم.
صرخ تالين:
– علينا أن نتحرك بخطة، لا نندفع فرادى!
أورين الحارس رفع رمحه المضيء وقال:
– سأحافظ على محيطنا، لن يخترق هذا الوحش صفوفنا بسهولة.
ليو، المخلوق الصغير المجنح، دار حولهم في دوائر سريعة، ينثر شرارات زرقاء صغيرة، وكأنه يرسم مسارًا للطاقة يربطهم معًا. أما سيرافين الثعلب السحري، فقد قفز بخفة على صخرة عالية وأطلق ضحكة ماكرة:
– سأجعله يرى أوهامًا تحيره، لكن لن تدوم طويلًا… استعدوا!
اندلع الصراع.
تقدّم ريان أولاً، سيفه يشع بطاقة نقية، وضرب الظل بضربة حاسمة شقّت الهواء كبرق. كايا أطلقت سهامًا متتالية، كل سهم يتوهج بنور أزرق بفضل قوة ليو التي تغلفها. لكن الظل الأكبر لم يتأثر كثيرًا؛ ضرب الأرض بذراعه الضخمة، فانفجر الظلام كأمواج عاتية دفعتهم جميعًا للخلف.
صرخت نيرا وهي تحاول تفعيل البرهامستر:
– نحن بحاجة إلى العمل ككيان واحد، طاقتنا مجتمعة هي الحل!
تالين فرد خريطة سحرية مضيئة، خطوطها تتحرك كأنها كائن حي، وحدد نقاط ضعف الظل التي ظهرت على هيئة دوائر لامعة. عندها، بدأ الفريق ينسق حركاته: سيرافين يشتت الظل بوهم عاصفة، أورين يصدّ الهجمات المباشرة، ريان يهاجم من القلب، وكايا تغطيهم من بعيد. أما ليو فكان يحوم بين الجميع، يربط قواهم بخيوط ضوء تجعل كل ضربة أكثر قوة.
مع ذلك، الظل الأكبر كان يتغذى من ظلال الساحة نفسها، كلما جُرح عاد أقوى. شعروا أن المعركة قد تستنزفهم، لكن نيرا رفعت يدها فجأة، البرهامستر أطلق شعاعًا فضيًا هائلًا شقّ جسد الظل وتركه يتراجع متألمًا، لأول مرة بدا وكأنه قابل للهزيمة.
الوحش أصدر هديرًا هائلًا، كأن السماء كلها ارتجفت، ثم انكمش داخل نفسه تاركًا وراءه دوامة مظلمة تتلاشى ببطء. كان ذلك انسحابًا، لا هزيمة كاملة.
جلس الفريق يتنفس بصعوبة، أجسادهم مثقلة بالجروح والإرهاق، لكن عيونهم متقدة بعزم جديد. قال أورين وهو يمسح عرقه:
– لقد اختبرنا اليوم كيف يقاتل، هذه لم تكن سوى البداية.
ليو استقر على كتف نيرا وقال بصوت رقيق يشبه رنين الأجراس:
– قوتكِ تنمو، والبرهامستر يستجيب، لكن يجب أن تكوني مستعدة… المرة القادمة لن ينسحب.
سيرافين قفز بينهم وهو يضحك بخفة:
– على الأقل أثبتنا أننا لا نهزم بسهولة! والآن… من يتكفل بالعشاء؟ أنا جائع.
ضحكوا رغم التعب، وكأن لحظة صغيرة من الحياة العادية أعادت لهم الأمل. لكن في أعماق كل واحد منهم، كان يدرك أن ما ينتظرهم سيكون أعظم وأخطر من أي شي