الفصل الرابع والثلاثين :
ناجد خرج من الصالة، خطواته تقيلة وهو طالع السلم. الباب اتقفل وراه وربى فضلت قاعدة مكانها، عينيها معلقة في الفراغ، وكأنها اتسمرت.
دقايق عدّت وهي مش قادرة تتحرك، كل حاجة جواها متجمدة.
وبعدين، بهدوء مستسلم، نزلت بجسمها على الكنبة، وسندت راسها على المخدة الصغيرة اللي هناك.
وكأنها قررت خلاص تقضي الليلة هنا… مش قادرة تروح أوضة النوم، مش قادرة تواجه فراغها.
كانت عايزة تعيط، بس الدموع ماجتش.
الألم اللي جوة قلبها كان أكبر من أي دمعة… ألم خانق، مش مدي مجال للحواس إنها تشتغل.
فضلت كده، عينيها مفتوحة، بس عقلها بيلف في كلامه.
كل كلمة افتكرتها… "مش محتاج أبررلك"، "إنتي اللي خنتيني"، "مايستحقوش حتى الإنسانية".
القلب بيتقبض مع كل جملة، لحد ما أخيرًا الدموع بدأت تنزل ببطء.
مدّت إيدها تمسحها بسرعة، كأنها بتحاول تمنع انهيارها… لكن بعد لحظة ترجع تنزل تاني.
كل ما تمسح، دمعة جديدة تنزل.
لحد ما ماقدرتش تمسك نفسها، وانفجرت في بكاء صامت، صوت مكتوم، صدرها بيرتعش.
كانت بتبكي من جوة، دموع مرّة بتنزل على خدودها وهي مش قادرة توقف.
فضلت تعيط لحد ما عينيها ورمت، جسمها تعب، وبالنهاية غلبها النوم وهي لسة على الكنبة، دموعها مرسومة على وشها.
أما فوق، في أوضته…
ناجد كان قاعد على طرف السرير، الموبايل مرمي على الكومود.
عينيه مش قادرة تنسى وشها.
هو فاكر نظرتها… الوش اللي ماصرخش، ماجادلش، ماحاولش يرد.
الهدوء اللي كان في عينيها وجعه أكتر من ألف كلمة.
حس إنه فعلاً جرحها… وطريقته كانت قاسية. قلبه اتقبض من الفكرة.
بس بسرعة حاول يقنع نفسه: "أنا اتوجعت قبلها… أنا اللي اتهانت الأول… يبقى من حقي."
مسك راسه بإيديه، ياخد نفس طويل. كان بينه وبين نفسه محتار… مش قادر يبرر قسوته، ومش قادر ينكر إنه حس بالوجع وهو بيشوفها مكسورة قدامه.
_____
تاني يوم الصبح، ربى صحيت على صوته من بعيد وهو بيتكلم في الموبايل.
كان صوته واضح وهادئ كعادته، لكن فيه حزم
"أيوه… أنا جاي على الشركة دلوقتي، ما تقلقوش… الاجتماع هيبدأ في معاده. آه، كله جاهز… الأوراق كمان خلصت."
هي فتحت عينيها نص فتحة، رأسها تقيلة وواجعاها، وحاسة إن عنيها منفوخة من كتر البكا الليلة اللي فاتت.
بس ماكنش عندها طاقة حتى تقوم أو تواجهه.
من مكانها، شمّت ريحة بارفانه اللي دايمًا بيغلب أي ريحة تانية.
كان متجهز، لابس بدلته المكوية بعناية، رابطة الكرافتة مظبوطة، شعره متسشور… وسيم زي ما هو، يمكن وسيم أكتر.
لكن الوش… الوش كان بارد زيادة عن اللزوم. ملامحه متحجرة، كأنه لابس قناع يخبي كل حاجة.
هو خلّص المكالمة، وضغط على زر الإنهاء.
ساعتها عينه وقعت عليها…
ربى كانت لسه على الكنبة من امبارح، التلفزيون لسه شغال على قناة عشوائية، الصوت واطي كأنه بيملأ فراغ المكان.
شكلها من امبارح ما اتحركتش، شعرها مبعتر شوية وملامحها باينة مرهقة.
هو خطى ناحيتها بهدوء.
وهي، أول ما حسّت بخطواته قربت منها، قفلت عينيها بسرعة… بتتظاهر بالنوم، بتتمنى ما يفتحش أي كلام.
وقف قدامها لحظة.
مد إيده وطفي التلفزيون.
الهدوء نزل على الصالة، كأن الصوت الوحيد هو أنفاسها المتقطعة وهي بتمثل النوم.
هو فضّل واقف، بصّ عليها بنظرة طويلة… نظرة فيها كلام كتير ماقالوش.
يمكن لوم، يمكن حيرة، يمكن شوق مدفون…
كانت دي فرصته الوحيدة إنه يبص عليها من غير ما تضطر تبص له، من غير ما يتكسف أو يتهرب.
ولما اكتفى، سحب نفسه، مشي بخطوات تقيلة، وخرج من البيت.
الباب اتقفل، والبيت غرق في هدوء تقيل.
ربى فتحت عينيها بهدوء، نفس طويل خرج من صدرها وكأنها كانت ماسكة نفسها طول اللحظة اللي فاتت.
بصّت حواليها… الصالة فاضية، الكنبة باردة، والتلفزيون مطفي.
إحساس الوحدة ضربها فجأة.
مدّت إيدها تمسح على خدها، لقت دموع ناشفة من الليلة اللي فاتت.
قعدت ببطء، ماسكة مخدة الكنبة في حضنها وكأنها بتحاول تستمد منها أي أمان.
جواها صراع… عقلها بيقول لها تقوم وتشد نفسها، بس قلبها تقيل ومش قادر.
______
بعد ما ناجد خرج، ربى أخدت نفس عميق وقامت ببطء من على الكنبة.
المفاجأة إنها ما حستش بالألم اللي كان ماسك رجلها امبارح.
يمكن النوم الطويل ريّحها، أو يمكن عقلها كان مشغول بحاجة أكبر من وجع رجلها.
مشيت على طول لحد الحمّام، غسلت وشها بمية ساقعة، بصّت في المراية على عنيها المتورمة وقالت لنفسها
"لازم أصحى… لازم أبان كويسة."
رجعت للأوضة عشان تغيّر هدومها، وفعلاً لبست حاجة بسيطة مريحة.
لكن وهي طالعة من الأوضة لمحت حاجة صغيرة واقعة تحت الترابيزة في الصالة.
انحنت تاخدها، ولما شالت الورقة وقرت العنوان اللي فوقها، قلبها وقع.
دي ورقة من أوراق شغل ناجد… واضحة جدًا إنها تابعة لاجتماع مهم، ويمكن الاجتماع اللي كان لسه بيكلم عنه الصبح.
ربى قعدت مكانها، ماسكة الورقة في إيديها، وعقلها بيجري في كل الاتجاهات.
لو الورقة دي مشيت من غيرها… هتعملله مشكلة كبيرة.
قالت لنفسها
"طب أعمل إيه دلوقتي؟"
فكرت تتصل بيه… بس ماقدرتش. إزاي تكلمه بعد اللي حصل امبارح؟
فكرت كمان تتصل بزين… بس افتكرت اللي حصل آخر مرة والشكوك اللي عند ناجد، وقالت بخوف
"لأ… مش وقته خالص. ما ينفعش أزوّد النار."
فضلت ماسكة الورقة دقيقة ورا التانية، لحد ما اتولد جواها إحساس غريب… رغبة إنها تعمل حاجة .
وقفت وقالت بصوت واطي لنفسها
"خلاص… أنا اللي هوديهالو بنفسي."
ولوهلة، حسّت بحرارة في قلبها… يمكن دي فرصتها الوحيدة إنها تبينله إنها لسه مهمة، وإنها مش مجرد عبء قاعد في البيت.
خدت شنطتها بسرعة، مسكت الورقة كويس كأنها بتحميها من الضياع، وطلعت من البيت بخطوات مترددة لكنها مليانة إصرار.
_____
وقفت عربية الأجرة قدام الشركة. ربى مدت إيدها ونزلت بهدوء، لابسة فستان أنيق بسيط وستايل كلاسيكي، شعرها منسدل بعناية. وقفت ثواني قدام المبنى، بصّت للسلم الرخامي الكبير واللافتة المعدنية اللي عليها اسم الشركة. أخدت نفس عميق، كأنها بتحاول تثبّت خطواتها قبل ما تدخل.
جوه الريسيبشن، أول ما دخلت، قامت موظفة الاستقبال واقفة بسرعة بابتسامة مهنية
" أهلاً بحضرتك، اتفضلي ؟"
قبل ما ربى ترد، باب جانبي اتفتح وظهر منه زين. أول ما شافها، وقف مذهول مكانه، عينه اتسعت وهو بيقول بسرعة
زين مندهش لكن باحترام
"مدام ربى! حضرتك هنا؟!"
خد نفس قصير قبل مايقول بخفوت شديد فيه قلق
" أنا… افتكرت يمكن الموضوع له علاقة بالأستاذ هشام."
اتسعت عيون موظفة الاستقبال أكتر، واضح إنها ما فهمتش الأول، لكن لما ربى ابتسمت بهدوء وقالت بخفوت
" لأ، مش جاية علشان هشام."
وكملت
" جاية عشان جوزي "
الموظفة سألت زين
" استاذ زين بتعرفها ؟"
زين رد
" حضرتها حرم الباشا"
الموظفة هنا اتلخبطت
" حضرتك… تقصدي… حرم السيد المغراوي؟"
وكملت
" نورتي الشركة يامدام ...اساعدك ازاي؟"
ربى أومأت ببساطة. الموظفة ساعتها اتغير وشها تمامًا، ووقفت مستقيمة واحترامها بقى أوضح.
زين تقدّم خطوة ناحيتها وهو محافظ على نبرة احترام واضحة
"تحبي أوصلك فوق لمكتبه أسهل ليكي بدل ما تتعبي."
ربى هزت راسها بابتسامة خفيفة
" شكراً يا زين… أنا عارفة طريقي كويس. ومش حابة أسبب أي سوء تفاهم ثاني "
زين أدرك قصدها فورًا، وده خلّاه يحس إنها مش بس بتحمي نفسها، لأ دي بتحميه هو كمان.
زين بامتنان
" مفهوم… على كل حال، أنا لسه ما شكرتكيش زي ما المفروض. اللي عملتيه معايا المرة اللي فاتت… إنتي أنقذتيني من الوحش، وده دين كبير في رقبتي."
ابتسم ابتسامة خفيفة وهو بيحاول يخفف الجو
"فعلاً… حضرتك "سيدة الوحش".
ربى ابتسمت ابتسامة فيها مزيج من ألم وهدوء
وفي سرها فكرت
"ست الوحش"؟! أنا لا ست ولا حاجة… ولا بقيت حتى حاجة جنبه. ناجد اتغيّر… كتير.
رفعت شنطتها الصغيرة، ومشيت بخطوات ثابتة ناحية السلالم.
مع كل درجة طلعتها، كان قلبها يتقل أكتر. ولما وصلت فوق، وقفت لحظة. عينها وقعت على المشهد اللي قدامها: سما واقفة بتوتر قدام سكرتيرة لابسة طقم كلاسيكي غامق، شعرها ملموم، ملامحها صارمة واحترافية.
سما مستجدية
" أرجوكي… بس خمس دقايق، أنا متأكدة إنه مش هيرفض يشوفني. حضرتك انا عارفة إنه عمره ما يرفض وجودي."
السكرتيرة هزّت راسها بحزم، لكن سما ما بطلتش إلحاح.
ربى وقفت مكانها، اتجمدت لحظة وهي مش مصدقة نفسها. "إزاي وصلتها الوقاحة إنها تجيله هنا… لمكتبه!؟" قلبها دق بسرعة، بس خدت نفس عميق وحاولت تثبت خطواتها. رفعت راسها بثقة وتقدمت مباشرة ناحيتهم.
وقفت جنب سما من غير ما تبصلها. مجرد حضورها خلّى سما تفتح عينيها بدهشة وصمتت فجأة.
" إيه ده؟! هي هنا؟! بعد اللي حصل؟ هو معقول… رجعوا لبعض؟! في راجل ممكن يقبل بخيانة مراته؟! لا… مستحيل !!"
ربى بصّت للسكرتيرة بابتسامة بسيطة
" هو ناجد بدأ الاجتماع؟"
السكرتيرة اتفاجئت، وبصّت لها مستغربة، وبعدين استوعبت بسرعة وقالت متحمسة
" حضرتك… مدام ربى؟! لأ لسه، الاجتماع ما بدأش. محتاجاه في حاجة؟ اساعدك ازاي؟"
ربى أومأت بهدوء، وبعدها لفت ببصرها البارد على سما.
سما ارتبكت، لكن حاولت تستجمع نفسها
" إزيك يا ربى؟ عاملة إيه؟"
ربى ردت باختصار، صوتها جاف
" الحمد لله."
سما بلعت ريقها وقالت بسرعة
"أنا جيت أشوف السيد ناجد."
ربى بصتلها بعين ثابتة وقالت بهدوء غريب
"عارفة."
سما اتلخبطت
" عارفة ازاي ؟"
ربى وقفت قدامها مباشرة، ابتسامة رقيقة على شفايفها بس عينيها تقيلة وهادية وبدلال خفي ردت
" يعني أنا و جوزي ما بيناش أي أسرار. واكيد هكون عارفة حاجة زي دي ..."
وكملت لكن هالمرة وهي تضغط على اسنانها
" ولا انتي مش عايزاتي اعرف ؟"
الكلام وقع زي الصاعقة على سما. فضلت واقفة متجمدة، مش عارفة ترد .
هنا ربى ببساطة التفتت ناحية باب المكتب، مشيت بخطوات هادية، ورغم محاولة السكرتيرة توقفها بأدب
" مدام ربى، هو مش لوحده..."
لكن ربى دخلت بثقة
المكتب فخم، وناجد كان واقف عند الطاولة الكبيرة بيتكلم مع رجل أجنبي أنيق ببدلة غامقة: السيد ديفير، رجل ألماني معروف.
ناجد أول ما شاف ربى وهي داخلة، عينه اتسعت بدهشة. كان مدهوش من ناحيتين: إزاي ظهرت بعد اللي حصل امبارح، وإيه اللي جابها هنا دلوقتي؟ قلبه اتقبض بقلق.
لكن ربى ابتسمت ابتسامة لطيفة كأنها بتهوّن أي شيء، رفعت ورقة في إيدها وقالت
" آسفة لو قطعت حاجة مهمة… أنا بس لقيت الورقة دي ناسيها في البيت قولت أجيبها. "
وبعدين لفّت بنظرة مهذبة ناحيت السيد ديفير
" أعتذر لو أزعجتكم."
ناجد وقف صامت لحظة، مش فاهم حاجة، عيناه ما بين الدهشة والقلق.
وكأنه مش مصدّق إن ربى واقفة قدامه بعد اللي حصل امبارح. خطا خطوتين ناحيتها بحذر، وهو بيحاول يقرا ملامحها. ربى في اللحظة دي ما بصتلش له، عينيها راحت على ديفير، وأومأت له براسها باحترام. الراجل ردّ الإيماءة بابتسامة خفيفة، وهو كمان أومأ.
ناجد بصّ عليها للحظة وقال بصوت واطي، شبه همس
ـ "كنتي تقدري تتصلي… ماكانش فيه داعي تيجي بنفسك."
ربى، وهي لسه ماسكة الورقة، مدت إيدها وقالت
" مش تاخد الورقة الأول ؟"
مد إيده وأخدها منها، وبعدها نزلت عيناه على رجليها من غير ما يقصد، صوته خرج فيه قلق واضح
ـ"والجرح… عامل إيه دلوقتي؟"
ربى رفعت راسها وبصت له بسرعة، وقالت بابتسامة صغيرة
ـ "تمام… أنا بخير."
في اللحظة دي ديفير وقف من مكانه، مد إيده ناحيتها بابتسامة ودودة وقال بالإنجليزي
"How are you feeling now, madam?"
ربى كانت هتمد إيدها عشان تسلّم، لكن فجأة ناجد مد إيده هو، وصافح ديفير قبلها، وقال بنبرة سريعة بالانجليزي
"هي كويسة… بخير."
ربى اتفاجئت للحظة، وبعدها لمعت عينيها بابتسامة جانبية خفيفة وهي تفكر: إذن هو بيغير…
ديفير ضحك بخفة، سحب إيده من إيد ناجد وكأنه فهم الموقف، وقال حاجة بسيطة بالإنجليزي وهو بيرجع يقعد.
ناجد رجع بصّ لربى، اللي قالت بكل بساطة
"مش هتضايق لو قعدت هنا… صح؟"
هو اتجمد للحظة، مش فاهم قصدها
"هنا؟… تقصدي في المكتب… معانا؟"
ربى حركت راسها إيجابًا وقالت بلطف
"في الآخر… ماينفعش أكون جيت المشوار ده كله عشان دقيقة واحدة بس."
وبكل هدوء، من غير ما تستأذن أكتر، اتحركت وقعدت على الكنبة الجانبية، حاطة إيديها على حجرها، وابتسامتها بريئة جدًا… ابتسامة كأنها بتقول له: أنا مش هزعجك، خليك في شغلك.
ناجد وقف ثواني، اتنهد بعمق وكأنه سلّم بالأمر الواقع، وبعدين رجع يقعد قدام ديفير عشان يكملوا كلامهم. لكن عينيه بين الحين والتاني كانت تروح ناحية ربى، اللي قعدت بثبات وهدوء، وكأن وجودها هنا طبيعي جدًا.