مرج سولفينار
كان الصباح قد حلّ على مرج سولفينار بلون استثنائي. لم تكن السماء مجرد زُرقة، بل لوحة متدرجة بين ألوان البحر والفضة، كأنها انعكاس لروح المكان. العشب الممتد كان أخضر ناعمًا، يشعّ بلمعان طفيف كلما داعبته نسمة الريح، بينما الأزهار الغريبة التي تملأ الأرجاء تصدر همسات موسيقية خفيفة، كأن الأرض نفسها تنشد أغنية سلام قديمة.
وقف الفريق وسط هذا المشهد، تتملكهم رهبة وطمأنينة في آن واحد. لم يكن سولفينار مكانًا عاديًا، بل أرضًا يقال إنها خُلقت من بقايا قوى أولى، وإنها وحدها القادرة على إعادة التوازن لمن أصابهم الشر أو فقدوا السيطرة على أنفسهم. كانت نيرا أكثرهم حاجة إلى هذه الطاقة النقية، فهي التي كادت تنكسر في وادي ليمينور، وهي التي تحمل داخلها برهامستر، القوة التي قد تحمي العوالم كلها أو تدمرها.
نظرت نيرا حولها، عيناها تحملان مزيجًا من التعب والخوف والأمل. منذ ظهور سيرافين، تلك المرأة الغامضة ذات العيون البنفسجية التي تتحكم بالعقول، لم تعد نيرا تشعر بالأمان حتى في داخل ذاتها. ما فعلته سيرافين ترك أثرًا عميقًا، همسًا مظلمًا يتردد في أفكارها، وكأنها لا تزال تسمع صوتها يردد: "أنتِ ضعيفة… لن تستطيعي الصمود."
اقترب إيلدار منها، صوته يفيض بحكمة هادئة:
ـ "مرج سولفينار ليس مكانًا للعابرين، إنه مرآة للروح. هنا سترين حقيقتكِ، لا كما ترغبين أن تكوني، بل كما أنتِ حقًا."
رفع أريان نظره إليها، وهو يجلس متكئًا على صخرة ملساء:
ـ "القوة لا تُمنح، بل تُستعاد بالثمن الذي تدفعه. إن كنتِ راغبة في مواجهة سيرافين والظل الأكبر، فعليكِ أولاً أن تثبتي لنفسك أنكِ قادرة على الإمساك ببرهامستر، ولو جزئيًا."
تنفست نيرا بعمق، ثم أومأت. لم يعد هناك مجال للتراجع. جلست في وسط الدائرة التي رسمها إيلدار على الأرض باستخدام رموز قديمة محفورة بالعصا. هذه الرموز بدت كأنها تستجيب للهواء، تشعّ بخطوط ضوء ذهبية خافتة، ترسم حولها هالة من القداسة.
أشعل زيلفر، المخلوق النادر ذو القرون الكريستالية، ضوءًا أزرق من رأسه، فتدفقت موجات شفافة من الطاقة عبر المرج كله. فجأة، خفت صوت الأزهار، توقفت الريح، حتى الطيور سكنت. بدا وكأن العالم نفسه يحبس أنفاسه في انتظار ما سيحدث.
أغمضت نيرا عينيها، وغاصت في أعماق ذاتها. في الداخل، لم تجد الجمال الذي يراه الآخرون في الخارج، بل بوابة سوداء مظلمة، تتسرب منها أصوات مشوشة. هناك، كانت تواجه ظلها الخاص، أصوات الخوف والخذلان، والهمسات التي زرعتها سيرافين. رأت نفسها ضعيفة، منكسرة، عاجزة عن حماية من تحب.
لكنها هذه المرة لم تهرب. مدت يديها نحو الظلام، لتجده بارداً كالثلج، يوشك أن يبتلعها. ومع ذلك، من أعماق قلبها، انبثق نور خافت، أولاً كنقطة صغيرة ثم كتيار يتسع تدريجيًا. كان دفئه مختلفًا، يشبه دفء الذكريات القديمة حين كانت طفلة تركض بحرية، قبل أن تعرف معنى الخوف.
في الخارج، ارتفع جسدها عن الأرض ببطء، وبدأت هالة ذهبية زرقاء تحيط بها. شعر رفاقها بدهشة وقلق في آن واحد، فقد بدا البرهامستر وكأنه يتشكل حولها، طيف ضخم نصفه نور ونصفه ظل، يلتف حولها في دوامة متناقضة. لم يكن كاملًا، لكنه كان حاضرًا بقوة.
قال أريان بدهشة وهو ينهض واقفًا:
ـ "إنها المرة الأولى التي يظهر فيها هكذا… حتى ولو كان جزئيًا، فهذا حدث لم يتكرر من قبل."
لكن الأمر لم يكن بلا ثمن. فجأة، صرخت نيرا، واهتز جسدها بعنف. الظلال في داخلها هاجمت النور، محاولةً خنقه. سمعت صوت سيرافين يضحك في أعماق عقلها، يقول لها: "كل ما تفعلينه عبث… لن تنجحي. برهامستر سينقلب ضدك."
اهتزت نيرا، شعرت وكأنها على وشك الانهيار. لكن في اللحظة ذاتها، ارتفع صوت آخر، لم يكن بشريًا، بل عميقًا، يجلجل من أعماق وجودها. كان صوت البرهامستر نفسه:
ـ "القوة لا يملكها الظلام ولا النور… بل من يختار الطريق. أنتِ يا نيرا، أنتِ التي تختارين."
عندها، انفجر نور هائل من صدرها، اندفع كعاصفة ذهبية زرقاء غمرت المرج بأكمله. الأزهار أضاءت كالنجوم، والسماء تلألأت بشرارات براقة، حتى شعر الجميع أنهم يقفون وسط مجرة حيّة. ارتجف الهواء، وانحنت الأرض كأنها تبارك اللحظة.
سقط جسد نيرا ببطء إلى الأرض، وعيناها تفتحان ببطء. كانت أنفاسها متعبة، لكن ابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهها لأول مرة منذ زمن طويل. بصوت ضعيف لكنه ممتلئ باليقين، قالت:
ـ "أشعر به… ليس كاملاً بعد، لكنني أمسك به… برهامستر معي."
اقترب إيلدار ووضع يده على كتفها:
ـ "لقد استعادتِ ما يكفي لتستمر الرحلة. هذا مجرد بداية، وما ينتظركِ سيكون أعظم بكثير."
نظر إليها رفاقها بإعجاب وإيمان متجدد. في تلك اللحظة، لم يكن الانتصار في اكتمال قوتها، بل في كسر الخوف الذي كبّلها طويلًا. لقد خرجت من مرج سولفينار بوجه جديد، وجه لم يعد يرى نفسه ضحية، بل مقاتلة قادرة على صنع التغيير.
غير أن الظلال لم تختفِ تمامًا. بعيدًا، خلف حافة المرج حيث لا تصل الأنوار، وقفت سيرافين تراقب من بعيد، ابتسامة باردة على شفتيها، وعيونها البنفسجية تلمع بشرّ ساخر. همست لنفسها:
ـ "لتفرحي بما استعدتِه يا نيرا… قريبًا سأجعل هذه القوة نفسها تنهش قلبك."
وبينما انطفأ ضوء المرج تدريجيًا وعاد كل شيء إلى طبيعته، أدرك الجميع أن هذه اللحظة لم تكن سوى بداية مرحلة جديدة، حيث لن يكون الخطر مجرد قوة مظلمة في الخارج، بل أيضًا صراعًا داخليًا مع ما زرعته سيرافين في العقول.
---