وردة مع ذئب_الفصل الاول
الساعة الثالثة صباحًا.
لا شيء يكسِر الصمت… سوى صوت خطوات أبي الهادئة، لكنه لم يكن هدوء راحة، بل هدوء قرار قاتل.
كنت جالسة في غرفتي، أغلق آخر صفحة من روايتي المعتادة، حين دخل.
لم يطرق الباب. لم يسلّم. فقط قال:
– انهضي، وارتدي شيئًا بسيطًا.
رفعت عيني إليه ببطء.
– إلى أين؟
ستحزمين حقائبك.
– والجامعة؟ الاجتماع غدًا...
– انسِ كل شيء.
لم أنسَ وجهه حين قال تلك الكلمة.
بدا كمن سلّم قلبه للموت، أو كمن قرّر بيع أغلى ما يملك… وأنا كنت ذلك الشيء.
بعد عشر دقائق، وجدت نفسي داخل سيارة مظللة، لا أعرف وجهتها. أبي صامت. الحراس صامتون.
وقلبي؟ يضجّ بالأسئلة.
– أبي، أرجوك…
– لا تتكلمي.
السيارة توقفت أمام بوابة ضخمة.
حديد أسود، وأسلاك كهربائية، وكاميرات تُراقب كل زاوية.
قصر؟ لا... حصن.
الباب فُتح، ومن بين الظلال خرج.
رجل طويل، بذقن خفيفة، عيون رمادية لا ترمش، وبدلة سوداء توحي بأنه لا يعمل في النهار.
– هذه هي؟
أبي أومأ بصمت.
– اسمها؟
لي داين.
اقترب مني.
لم يمدّ يده، لم يبتسم، لم يرحّب. فقط قال:
– ثلاثة أشهر تحت تدريبي. بعدها أقرر.
– تقرر ماذا؟!
سألته بنبرة مرتجفة.
أدار وجهه وقال لأبي:
– سأعلّمها أن تكون سلاحًا، أو سأُعيدها لك بقطعة كفن.
نظرت لأبي، انتظرت منه أي ردة فعل.
نظرة حنان. نظرة اعتراض. أي شيء…
لكنه أدار وجهه عني، وقال بهدوء:
– تعلمي الطاعة يا لي داين، هذا الرجل… لا يُخالف.
وبهكذا بساطة…
وجدت نفسي أدخل عالمًا لم أفهمه،
عالمًا بلا أبواب للهروب،
ولا قواعد للنجاة.
وكنت أول وردة… في حديقة يزرعها الذئب ليو بنفسه.
الغرفة التي اقتادوني إليها لم تكن غرفة.
كانت زنزانة مطلية بلون الحياد.
رمادي الجدران، سرير معدني بلا وسادة، ونافذة صغيرة بالكاد تدخل ضوءًا.
لم يُسمح لي بحمل هاتفي. لم يُعطني أحد تفسيرًا.
وفي الساعة الخامسة صباحًا، دخلت امرأة بعين واحدة.
رمت لي ملابس سوداء وقالت:
– عشر دقائق. إن تأخرتِ، تحرمين من الماء.
التفتت وغادرت.
كنت متجمده، عاجزة عن الفهم.
هل هذا سجن؟ معسكر؟
لكن في عُمق قلبي… كنت أعرف.
هذه ليست مجرّد أيام،
هذه بداية كسر.
اخنقي.
– ماذا؟
– هذه وسيلتكِ اليوم، لي داين. الحبل لا يطلق صوتًا… لكنه يُنهي بسرعة.
جف حلقي.
– اخنقي هذا الدُمية حتى تتوقف عن الاهتزاز.
كانت أول لحظة أنظر فيها لنفسي كـ "تهديد".
يداي ترتجفان، لكن جسدي يطيع.
وفي كل يوم، كنت أُدفع إلى حدود جديدة:
يوم بالركض وسط المطر المتساقط بغزارة
دخلت ساحة التدريب لأرى غيري، فتيان وفتيات، أعمارهم مختلفة… لكن نظراتهم ميتة.
كل واحد منهم يحاول النجاة،
وأنا؟ لم أكن أعلم بعد ممَّ عليّ النجاة بالضبط.
ليو لم يكن يراقبهم فقط.
كان يقف خلف زجاج مظلّل في الأعلى، لا يُرى منه سوى شكله القاسي وذراعيه المتشابكتين.
أعطوني أول سلاح في اليوم الثالث.
لم يكن سكينًا، بل حبلًا
يوم بإبقاء الجسد مغمورًا في الثلج.
يوم بإطلاق النار على أهداف متحرّكة…
يوم بلا طعام.
في الليلة السابعة، جلست على الأرض، يدي داميتين، عيناي محمرّتان… ولم أصرخ.
فقط همست لنفسي:
– ما الذي فعلته يا أبي؟
وسمعت صوته في رأسي:
هذا الرجل لا يُخالف."
ابتلعت غصّتي.
ونهضت.
من فوق، كان ليو يراقبني دائمًا…
بنظرات لم تكن إعجابًا، ولا شفقة…
كانت اختبارًا.
وكنت أعلم شيئًا واحدًا فقط:
أنا لم أعد نفس الشخص.
بل… كنت أتحوّل.
إلى شيء جديد.
إلى سلاحه القادم.