عند ضفاف ازورين
---
كان الليل ينسحب ببطء، والسماء تتفتح بدرجات زرقاء باهتة، حين وصل الفريق إلى بحيرة أزورين.
لم تكن بحيرة عادية، بل مرآة هائلة من الماء تمتد حتى الأفق، سطحها ساكن كأنه قطعة زجاج، تعكس القمر والنجوم حتى بدا وكأنهم يمشون بين عالمين: واحد فوقهم، وآخر تحت أقدامهم.
الأشجار المحيطة كانت طويلة ورفيعة، أوراقها تلمع بلون فضي مع ضوء القمر، والنسيم يحمل رائحة ملح وبخور قديم، كما لو أن البحيرة تحرس أسرارًا منذ آلاف السنين.
جلس الفريق أخيرًا، منهكين بعد معركة أومبرا. نيرا وضعت حقيبتها جانبًا، وجلست على العشب الرطب، تغمس أصابعها في الماء البارد، تشعر بانقباض وراحة في آن واحد. اللهيب داخلها، برهامستر، بدا وكأنه يهدأ حين لامس الماء.
ليو تمدد على ظهره، ينظر إلى السماء بعيون نصف مغلقة:
"لم أتخيل يومًا أنني سأعتبر الصمت أجمل موسيقى في هذا العالم… بعد كل ما واجهناه."
كايا جلست بالقرب منه، كانت تنظف سهامها واحدة تلو الأخرى، صوت احتكاك القماش بالخشب خفيف، رتيب:
"الصمت خادع… لكنه يعطينا وقتًا لنفكر. وهذا ما يجعلني أخاف منه أكثر من المعركة نفسها."
أورين ضحك بخفوت، رغم التعب:
"أنتِ تفكرين كثيرًا يا كايا. المعركة واضحة: عدو، سيف، وصرخة. أما الصمت… فلا أحد يعرف ما يختبئ فيه."
سيرافين كان أكثرهم هدوءًا، يراقب البحيرة بعينين ساكنتين، ثم قال بصوت متأمل:
"أزورين ليست بحيرة فقط… يقال إنها روح مائية حيّة. من يقترب منها عليه أن يكون نقي القلب. وإلا، ستبتلعه في صمتها إلى الأبد."
عندها ظهرت ميرال، تقف على صخرة قرب حافة الماء. شعرها الطويل كان ينحدر مثل شلال من الفضة، وعيناها تعكسان زرقة البحيرة. بدا أنها تنتمي للمكان، كما لو كانت جزءًا منه.
قالت بصوت هادئ، كأن الموج نفسه ينطق على لسانها:
"ما قاله سيرافين صحيح. أزورين لا تقبل كل أحد… إنها تختبر الداخل، لا السلاح ولا القوة."
التفت الجميع نحوها، ونظرات الفضول تملأ عيونهم. أورين سألها مباشرة:
"وأنتِ… هل اجتزتِ اختبارها؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، أقرب للحزن من الفرح:
"أنا وُلدتُ من هذه المياه… لا أملك خيارًا. البحيرة ليست مجرد مكان لي، بل بيت… وأحيانًا سجن."
سادت لحظة صمت. كلماتها وقعت ثقيلة، حتى أن النار في صدر نيرا خفّت توهجها. اقتربت منها ببطء، وسألت بصوت منخفض:
"هل يعني هذا أنكِ… لستِ بشرية تمامًا؟"
ميرال لم ترد مباشرة. جلست عند حافة الماء، غمست يدها في البحيرة، فاهتز السطح وارتفعت منه دوائر ضوء صغيرة، مثل نجوم تطفو للحظات قبل أن تختفي.
قالت وهي تحدق بالموج:
"أنا لستُ كما أنتم… لستُ كاملة هنا، ولا هناك. جزء مني ينتمي للبحيرة، والجزء الآخر يبحث عن مكانه في العالم."
فولكار، الذي كان صامتًا حتى الآن، تقدم بخطوة، جناحاه يلامسان العشب:
"إذا كان جزء منك ينتمي للبحيرة… فهل يعني أن الماء سيحميك؟"
أجابت بنبرة غامضة:
"أزورين تحمي من يثبت إخلاصه… لكنها لا ترحم المتردد. لهذا جئت لأكون معكم. أنا بحاجة لإثبات نفسي… كما أنتم بحاجة لقوة أعماقها."
نيرا شعرت بشيء يشدها نحوها، مزيج من الغموض والصدق. وكأن القدر لم يرسلهم إلى البحيرة فقط ليأخذوا قوة جديدة، بل ليجدوا أيضًا حليفًا يشاركهم مصيرهم.
اقتربت ميرال أكثر من سطح الماء، ثم التفتت إلى الفريق:
"استريحوا الليلة هنا. غدًا، حين يشرق الفجر، سأقودكم إلى الأعماق. لكن تذكروا… البحيرة لا تكشف أسرارها لمن يريد القوة فقط، بل لمن يحمل الشجاعة لمواجهة ما يخفيه قلبه."
همس آرين، الذي كان يراقبها منذ البداية:
"كلماتك… تذكرني بالتحذيرات القديمة. يبدو أن هذا الاختبار سيكون أخطر مما واجهناه حتى الآن."
لكن الفريق لم يرد. التعب كان قد غلبهم، وهدوء البحيرة كان يغريهم بالاستسلام له. نيرا أغمضت عينيها، آخر ما رأته قبل النوم كان وجه ميرال، نصفه مضاء بوهج القمر، ونصفه الآخر غارق في الظل… كأنها تجسيد لأزورين نفسها.
---