الإصتدام
كان المطر خفيفًا في ذلك المساء، ينزل برذاذ بارد يغسل الأرصفة والهواء. الشارع شبه خالٍ، ورائحة الأرض المبتلة تملأ الأجواء.
حَلَى كانت تمشي بخطوات سريعة، فستانها الأحمر الطويل يلتصق قليلًا بساقيها من البلل، وضفيرتها الذهبية متدلّية على كتفها. كانت غارقة في شاشة هاتفها، أصابعها الصغيرة تتحرك بخفة، وعيناها الزرقاوين تلمعان بابتسامة طفولية وهي تراسل صديقتها.
لكن لحظة غفلة واحدة كانت كافية. رفعت عينيها متأخرة، واصطدمت بجسد قوي، أطول منها بكثير، جعلها تفقد توازنها وتسقط مباشرة في بركة ماء تجمّعت عند طرف الطريق.
تبعثر كل شيء حولها: الهاتف كاد ينزلق، أطراف فستانها تلطخت بالماء، وبرودة غير متوقعة تسللت إلى جلدها.
رفعت رأسها بسرعة، ملامحها المبللة امتزجت بين الدهشة والحرج، وصوتها ارتفع بانفعال طفولي:
ـ "إنت!! ما تنتبه وانت ماشي؟! شوف كيف صرت! كلها بسببك!"
وليد وقف أمامها، شعره الأسود الأملس مبتل من المطر، قطرات الماء تنزلق على جبينه، وعيناه الخضراوان جامدتان لا تُظهران أي انفعال. كان ينظر لها نظرة قصيرة ثم يشيح بعينيه، كأنه يتعامل مع الموقف كشيء عابر لا يستحق الاهتمام.
حَلَى وقفت مرتبكة، تحاول تمسح البلل عن يديها وفستانها، خدودها الطرية محمرة من الخجل والغضب:
ـ "جد ما عندك ذوق! الواحد ينصدم في جدار أرحم من كذا."
لم يرد. فقط مد يده بصمت، نزع سترته الداكنة من على كتفيه، ثم وضعها فوق كتفيها بخفة. لم يقل كلمة، ولم يلتفت لملامحها المصعوقة من المفاجأة.
هي اتسعت عيناها الزرقاوين أكثر، وابتسمت ابتسامة صغيرة رغم كل شيء:
ـ "وليد…؟"
لكنه لم يمنحها أي جواب. اكتفى بأن شد يده من طرف السترة، ثم استدار ومشى بخطوات ثابتة، كأنها لم تكن موجودة أصلًا.
كانت قطرات المطر تنزل على وجهه وهو يبتعد، وجسده يبدو قويًا لكنه هشّ من الداخل. كل خطوة يخطوها لم تكن في هذا الشارع… بل في ذاكرته. كان يراها هناك، روان، يوم ابتسمت بخجل وقبلت خطيبها، والكل صفق لها.
كان يسمع ضحكتها القديمة، ويستعيد تلك اللحظة التي كسرت قلبه.
أما حَلَى، فبقيت واقفة في منتصف الطريق، الفستان الأحمر يلتصق أكثر بقدميها، سترته الثقيلة تغطي جسدها الصغير.
نظرت إلى ظهره وهو يبتعد، عيناها الواسعتان امتلأتا بمزيج من الحيرة والفضول، وهمست ببراءة مكسورة:
ـ "حتى لما تساعدني… ما تبغى تشوفني."
شعرت بقلبها الصغير يخفق بقوة، لم تكن تعرف لماذا. كانت مجرد صدفة، مجرد ارتطام… لكنه ترك بداخلها أثرًا غريبًا لم تفهمه بعد.