هي أو العالم - الفصل 3: الجزء 2 - بقلم MARINE | روايتك

اسم الرواية: هي أو العالم
المؤلف / الكاتب: MARINE
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 3: الجزء 2

الفصل 3: الجزء 2

في الصف كان الضجيج سيد الموقف؛ أصوات صراخ وهمسات وضحك وإزعاج تتعالى من كل جانب. لم يصل المعلم بعد، وبدأ الطلاب يظنون أنه قد تغيّب، رغم أنني كنت أجد ذلك شبه مستحيل. جلست بعيدًا عن هذا الصخب، واضعًا يدي على ذقني ورأسي وناظري مرفوع نحو السقف، متأملًا في شيء ما..... بعيد عن الفوضى. كانت لدي بعض الحوارات غير المكتملة مع كريس، الذي كان يتعاون مع سايمون في صنع كرات من الورق، ووضعها في فوهة الأقلام لإطلاقها على بعض أولاد صفنا الذين لا يطيقونهم لتندلع حرب صغيرة من الشتم والقذف، ليصنعوا كرات ورقية كبيرة ويرموها على بعضهم البعض كما يفعل أطفال الإعدادية. اقتربت مني كرة، فخفضت رأسي بسرعة لتصطدم بزجاج النافذة وتسقط على الأرض، تلتها كرات أخرى. كنت ألتقط كل كرة وأحتفظ بها في حقيبتي حتى يحين وقت الاستراحة، لألقي بها في سلة المهملات. كان بإمكاني رميها مباشرة في سلة الصف القريبة من مكتب المعلم، لكنني فضّلت عدم ذلك؛ لم أرغب في أن أبدو متباهٍ بخفتي أو أن أجذب الانتباه غير المرغوب. أما نتاشا، فكانت منشغلة بالحديث مع بعض الفتيات في الصف. ورغم أنها رئيسة الصف، إلا أنها متساهلة حقًا وتترك للفصل حرية كبيرة في الشغب. لو كنت مكانها، لما تجرأ أحد على مجرد إحداث فوضى واحدة. ومع أن رؤية هذا الوضع كانت مزعجة للغاية بالنسبة لي، إلا أنني لم أرد التدخل، لكنني كنت أعلم أنني لن أمنع نفسي من إطلاق آرائي لاحقًا. أدرت رأسي وألقيت نظرة خاطفة على زملائي، فإذا بعيني تلتقي بعيني سمانثا، التي كانت عاقدة ذراعيها، تنظر إلي بغيظ وحقد، وجهها متجهم وعابس. أجبُتها بنظرة باردة، خالية من أي شعور، كما اعتدت دائمًا، غير مبالٍ بما تشعر به. فجأة، انفتح باب الصف بعنف، ودخل معلم الرياضيات الأشبه بمعلم الرياضه بابتسامته العريضة بسبب طوله الشاهق، وعضلاته الضخمة و يدَه الكبيرة اخترقت منتصف الباب، تاركة أثرًا مطبوعًا كرسمة على الخشب. اتجه نحو مكتبه، وكل خطوة كان يصدر عنها اهتزاز محسوس، فتشبث كل طالب بطاولته حتى لا يسقط من كرسيه. وضع المعلم حقيبته فوق المكتب، وما زال مبتسمًا، ثم تحدث بصوت عالٍ وغليظ يملأ الصف: — أهلاً بكم يا طلابي الأعزاء! أعذروني على التأخير. لا يزال صباحًا مبكرًا، إنه يوم جديد يمكننا فيه رفع روحنا المعنوية والتفاؤل بإيجابية. فليخبرني، كل واحد منكم، ما هو شعوره الأول عند الاستيقاظ؟ رفع أحد الطلاب يده، فأشار إليه المعلم بابتسامة عريضة: — تفضل لوراس. وقف لوراس من مقعده وقال: — فور أن استيقظت شعرت بالإحباط، لأن عليّ الذهاب للمدرسة. رفعت طالبة أخرى، روجينيا، يدها ونهضت قائلة: — شعرت بأنني مشرقة ومضيئة أكثر اليوم. نظر سايمون إليها بسخرية: — مضيئة؟ هل أنتِ مصباح؟ إذًا آنطفي ولا تشرقي علينا! ضحك الطلاب جميعًا، فنظر المعلم إلى سايمون وقال: — حسنًا، يبدو أن سايمون سيكون من يبدأ حصتنا اليوم. هيا، إلى السبورة مع أول مسألة! شعر سايمون بالتوتر، وابتسم بسذاجة، رافعًا يديه: — لا يا أستاذ، أعذرني، لم أقصد أن أجعل من روجينيا أضحوكة، ولن أقبل أن أكون أضحوكة الفصل بعدها. توجه الأستاذ إلى السبورة، وأمسك الطباشير وبدأ بالكتابة. مر الوقت ببطء شديد، شعرت وكأنه دهر كامل، والأستاذ لا يزال يملأ السبورة بالحسابات، بينما بدأ بعض الطلاب يتهامسون من شدة الملل، وآخرون يكافحون مقاومة النوم. بعضهم بدأ يتحدث مع أصدقائه، حتى جاء صوت كسر الطباشير، فأدركنا أن الأستاذ قد أنهى الكتابة. كانت السبورة ممتلئة بالكامل، متبقية مساحة صغيرة فقط، وكانت المسألة معقدة جدًا، من تلك التي يصعب حلها بسهولة. ابتلع سايمون ريقه وقال لنفسه: — هذه المسألة تحتاج إلى عالم لحلها، وليس أنا… لكن سايمون لم يكن لديه خيار، فنهض وتوجه نحو السبورة، أمسك الطباشير ولكن و قبل أن يبدأ بالكتابة قال له المعلم: — اخرج! رفع سايمون حاجبه بدهشة: — ولكن… لم أفعل شيئًا! عقد المعلم ذراعيه، مبتسمًا ابتسامته العريضة، واقفًا أمام سايمون الذي بدا كالفأر أمام أستاذنا العملاق، وكرر: — أخرج من فصلي. نظر سايمون إلى الساعة: — يا معلمي، تبقت فقط عشر دقائق على نهاية الحصة! لقد استغرقت كل الوقت لكتابة المسألة، والآن تمنعني من الإجابة؟ على الأقل أعطني مهلة لأفكر وأحاول، لا أريد أن تخفض لي خمسين درجة! ظل المعلم صامتًا، يحدق فيه بلا حراك. عرف سايمون حينها أنه لا مجال للاعتراض، فعاد لمقعده، أمسك حقيبته وهو يتمتم بغضب: — صاحب الابتسامة العريضة هذه، لا شك أن شركة الدمى أرسلتك بالخطأ إلى المدرسة بدلًا من متجر الألعاب. خرج سايمون من الصف، وبقي الجميع صامتين، بينما بدأ الأستاذ بمسح المسألة من على السبورة ليبدأ كتابتها من جديد. وضع الطلاب أيديهم على جباههم، متحسرين. قال كريس: — هل هذا حقًا من أذكى أذكياء الرياضيات؟ أجاب لوراس وهو ينظر إليه: — بل من أغبى أغبياء ذكاء الرياضيات! عندما حان وقت الاستراحة، توجهت نحو كرسينا المفضل أنا وماريا، ذلك الكرسي المنعزل في آخر الساحة، حيث بالكاد يجلس فيه أحد. لكنني لم أرَ ماريا هناك. ومع ذلك، خطرت في بالي ذكرى من الطفولة، عندما كانت هي في التاسعة وأنا في الثانية عشرة، ونحن في الساحة في الكرسي في مدرستنا الإبتدائية السابقه. حيث كانت تمسك بالكتاب الذي أقرأه وتبدأ بالركض به في أرجاء الساحة لإغاظتي، وأنا أركض خلفها، حتى انتهى بنا المطاف نتلقى توبيخًا من المعلمة. ضحكت عند تذكر تلك اللحظة. عدت إلى داخل المدرسة، وأنا أعلم بالضبط أين سأجد ماريا. وقفت أمام أحد الفصول، حيث كان على واجهة الباب معلّقًا لافتة تقول: الثانية إعدادي فتحت الفصل، وكان فارغًا إلا من طالبة واحدة… ماريا. كانت جالسة في منتصف الفصل على كرسيها، رأسها مستند على الطاولة، وذراعاها معقودتان بهدوء. وجهها لم يكن متجهًا نحو النافذة بل نحو الباب، وملامحها هادئة، طفولية، ولطيفة إلى أقصى درجة. يا إلهي… هذا أجمل ما أراه في حياتي! وقفت أمام الباب، أنظر إليها بابتسامة، وقلبي يخفق بشدة. رغبت في التقاط صورة لها، لكنها كانت لحظة نادرة ستظل محفورة في ذاكرتي، ولن أحتاج لأي صورة لتذكرها. وأخذ صورة بدون إذن كان سيبدو تدخلاً في خصوصيتها، وربما وقاحة. أنا لست مهووسًا… أنا فقط محب. أخرجت دفتر الملاحظات الصغير وقلماً من جيب سروالي، وقمت بتقطيع ورقة منه بسرعة، ثم كتبت عليها شيئًا. تقدمت نحو ماريا ووقفت أمامها مباشرة. سمعت صوت أنفاسها البطيئة… أتساءل عن الحلم الذي جعلها هادئة إلى هذا الحد. حسنا أنا أسعد للأحلام التي تجعلها مسترخيه وفي نفس الوقت أحسد الأحلام التي تجعلها هكذا....... وضعت علبة طعام على الطاولة بجانب رأسها، ثم وضعت الورقة فوقها. استدرت، أدخلت يدي في جيبي، ألقيت نظرة أخيرة عليها، متمنياً لو أن هذه اللحظة تدوم إلى الأبد، ثم خرجت من الفصل. كان محتوى الورقة كالتالي: "شطيرتين مع عصير. وضعت كتبك التي تتركينها على الأرض بجانب قدميك بإهمال، حتى لا تضطري للانحناء والتقاطها، فتضربين رأسك في حافة الطاولة. لحظة الألم والعبوس هذه أصبحت الآن بعيدة." وبالنسبة للحلوى فلم أحضرها لكي لسبب سوف تكتشفينه لاحقا عندما نتقابل بعد المدرسه أمام البوابه تابعت السير في أرجاء المدرسة، يدي مدسوسة في جيبي، وأنا ألتفت إلى الممرات التي حفظتها عن ظهر قلب. منذ أن كنت في الرابعة عشرة، وأنا أدرس هنا، بين طلاب الإعدادية والثانوية، وكل زاوية وأركان المدرسة أصبحت مألوفة بالنسبة لي. تقدمت حتى وصلت قرب غرفة الطوارئ الطبية، فرأيت الباب يُفتح لتخرج الطبيبة ساندي. كانت ترتدي بذلتها الطبية وتغلق الباب بالمفتاح خلفها، ممسكة بحقيبتها. كان واضحًا أنها أنهت عملها للتو. ساندي لها شعر قصير أحمر، مموج قليلًا وعشوائي التصفيف، يصل بالكاد إلى نصف رقبتها، مما يعطي مظهرا رجوليًا بعض الشيء. لطالما شككت بأنها قد ترتدي باروكة، لكن شعرها يبدو طبيعيًا تمامًا، وملامح وجهها جميلة، عيونها خضراء تميل للغامق، تحمل لمسة من الغموض. استدارت ولمحتني، فابتسمنا لبعضنا البعض. مدت يدها لتصافحني، فمددت يدي لمصافحتها ولكنني شعرت بحرارة غريبه تنبعث من يدها إلا أنني قررت تجاهل هذا الشعور ...، واقفًا أمامها مباشرة. كانت أقصر مني بقليل. قلت: — مرحبًا طبيبة ساندي، أرى أنكِ قد أنهيتِ عملك لليوم. أجابت بابتسامة هادئة: — نعم، لحسن الحظ عملي اليوم كان صباحيًا فقط. كيف حال أنفك؟ هل تشعر بأي ألم أو مضاعفات؟ وإذا احتجت أي أدوية، يمكنني كتابتها لك. وبدا لي أن لديك إصابة جديدة في يدك. نظرت إلى يدي بقلق واضح تذكرت على الفور حادثة الشاحنة ولكنني قررت تجاهل هذا الأمر ايضا، لأجيب: — أنا بخير، شكرًا لك. لا أحتاج لأي أدوية، مجرد خدش بسيط في اليد بعد سقوطي، وأنفي لا يشعر بأي ألم. أشكرك على اهتمامك. أومأت ساندي، وتحدثت معي قليلًا، قبل أن تودعني بسرعة، بحجة أن لديها أعمالًا أخرى لإنجازها. لوحت لي بيدها، وبدأت تمشي مبتعدة. بقيت واقفًا، أراقبها، ثم أعدت يدي إلى جيبي. ساندي تعمل في المدرسة منذ عامين. لا أعلم لماذا اختارت العمل هنا بدلًا من المستشفى، حيث الأجر أعلى والمسؤوليات أكثر. شعرت أن وجودها في المدرسة ليس مجرد وظيفة، بل هناك سبب . شيء ما، أو ربما أكثر من شيء، يجعلني أؤكد لنفسي أن هذه الطبيبة تخفي سرًا ما… أو بالأحرى، تخفي هويتها الحقيقية خلف قناع الطبيبة ساندي اللطيفة والمحبوبة. وإذا كان اسمها حقًا "ساندي" على أية حال بعد انتهاء الاستراحة، جاء وقت حصة أنشطة النوادي، حيث ينغمس كل طالب في الهواية التي يحبها. بدأت أسير في ممر واسع مخصص لهذه الأنشطة، وكنت مندهشًا بحجم المدرسة الكبير، أكبر مما توقعت. وقفت أمام زجاج يتيح النظر إلى غرفة الرسم، حيث جلست نتاشا على كرسي بدون مسند، أمام لوحة بيضاء طويلة، وفرش الرسم مصطفة على سطح اللوحة. كانت تتنقل بين الفرشاة واللوحة بتركيز، وعندما التقت عيني بعينيّها في الزجاج، تابعت عملها وكأن شيئًا لم يحدث، غير مدركة أنني أراها من الخارج. لا أفهم لماذا لم يغلقوا الزجاج من الداخل لضمان الخصوصية، لكنني لم أعتبر ذلك تجسسًا، فقط كنت أراقب. فجأة، ظهر معلم الرسم، مظهره يوحي بالفن القديم، تسريحته ولحيته كلاسيكية، وكأنها خرجت من عصر الرسامين العالميين. وضع يده على ذقنه، يميل برأسه ويومئ كما لو كان يستمع بانتباه لحديث ما. نظر إلى لوحة نتاشا بتمعن، وضع إصبعه عليها، ثم بدأ يستفسرها عن بعض التفاصيل. وضعت نتاشا إصبعها أيضًا على اللوحة وابتسمت له بلطف، وشرحت له خطوات عملها بثقة رغم توترها الظاهر. ابتسمت وابتعدت، فمررت أمام غرفة أخرى، هذه المرة لنادي الموسيقى. هناك كان كريس غارقًا في عزف الغيتار، سماعات الأذن على أذنيه، لكنه ينقطع أحيانًا للإجابة على إشعارات هاتفه، مما يفقده تركيزه. ليأتي معلم الموسيقى لإعادته إلى التركيز. توجهت نحو غرفة أخرى لنادي الطبخ، وكان الزجاج الكبير يكشف عن ماريا، آخر شخص كنت أتوقع أن يكون شغوفًا بالطبخ. لكن منذ صغرها، كانت تحب المطبخ، وما يدهشني حقًا هو ابتكارها وصفات غير معروفة في أي مكان، وكأنها مأخوذة من المريخ! كانت ماريا في قمة تركيزها، ترتدي مريول وردي، وجهها ملطخ بالعجين، تقلب المكونات بالعصا، ثم تمسح جبينها بالتعب. التقطت وعاءً فيه خليط أبيض كالكريمة، وخلطته بحركات سلسة، بينما تتسخ ملابسها أكثر فأكثر. جاءت معلمة الطبخ لتوبخها بنظرات صارمة، لكن ماريا لم تعرها اهتمامًا، واستمرت في عملها بطريقتها الخاصة. ضحكت بخفة، وقلبي يخفق بشدة وأنا أراقبها. دائمًا ما تبدو هادئة ومسيطرة على نفسها، على عكس شخصيتها المتهورة والمجنونة، لكن في كلا الحالتين، أجدها جذابة. ولكن هدوؤها هذا في الواقع ليس طبيعيا أو عاديا أبدا......... تنهدت، ثم واصلت السير حتى وصلت إلى غرفة الرياضة، حيث كان سايمون يلعب كرة القدم ببراعة. هو محترف منذ الصغر، وكنت أعلم أنه لو رآني، لسحبني من ياقة قميصي ليجبرني على اللعب في فريقه. لست مولعًا بكرة القدم كما هو، بل كرة السلة أقرب لهوايتي، ومع ذلك لم أرغب اليوم في المقاومة. ففي هذه اللحظه استسلمت فقط لشعوري بالوحدة والفراغ العميق الذي يلتهمني، ولم أرغب في التظاهر بالعكس. قررت فقط أن أغرق في هذه المشاعر، أتركها تجتاحني بكل قوة بالنسبة لي فلست مشاركا في أي من هذه النوادي ولكن هذا لا يعني أنني لا أمتلك هواية بل لدي واحده......